الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَنَّهُ يُحاوِل أَنْ يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ أَنَّهُ صَادِقٌ، فتكون قِرَاءَةُ الرَّفْعِ عَلَى سَبِيلِ السبب، وقراءة الجَزْم عَلَى سَبِيلِ النتيجة، فيكون هارون فاعلًا مُؤَثِّرًا.
قوله تعالى: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} ، الضَّمِيرُ فِي {يُكَذِّبُونِ} ، وهو الواو، يَعُودُ عَلَى قَوْلِهِ:{فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} ، وقوله:{أَخَافُ} أي: أتوقَّع وأخشى، وليس خوفَ الرُّعب، ولكنَّه يتوقع ذلك ويخشاه، وقوله:{أَنْ يُكَذِّبُونِ} هَذِهِ النُّون الموجودة ليست نُون الأفعال الخمسة، وإلا لَحُذِفَت بَعْدَ (أَنْ)، ولكنها نونُ الوِقاية، فأصل الفعل: يكذبونني. فحُذفت النون الأُولى للنصب، وبقيت النون الثَّانية المكسورة، وهي نون الوقاية، وحُذِفَت الياء تخفيفًا، ونظيره ذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى فِي سُورَةِ الذَّارَياتِ:{فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ} [الذاريات: 59]، فإذا وقفتَ عليها سكَّنْتَ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بيان المِنَّة الكبرى مِنْ مُوسَى لِأَخِيهِ، حيث جعله اللَّهُ تعالى مرسلًا معه، ولهذا يقال: أعظمُ هَديةٍ أهداها خليلٌ لخليلِه هي التي كَانَتْ مِنْ مُوسَى لهارونَ؛ لِأَنَّهُ سَأَل اللَّهَ أَنْ يُرسله معه، والرِّسالَة مَقَامٌ عَظِيمٌ لَا يناله إلا الْخِيرَةُ مِنْ بَنِي آدَمَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِغَيْرِهِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ عز وجل؛ لقوله: {فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا} .
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: اتخاذُ الأعوانِ مِنْ أَسْبَابِ النجاة، وهذا أمرٌ مَعْلُومٌ مِنْ قديم الزَّمانِ وحديثِه، أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَ الإِنْسَان مَعَهُ مَنْ يُعِينه ويساعِده، كَانَ ذَلِكَ أَقْرَبَ إِلَى نجاحِه مِن انفراده، والعوامُّ يقولون:(يَدٌ وَاحِدَةٌ لَا تُصَفِّق).
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فصاحةُ اللسان لَهَا تَأْثِيرٌ قَوِيٌّ فِي الْقَبُولِ، أو الرفض، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا"
(1)
، لقوله:{هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا} .
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فَضِيلَة مُوسَى عليه الصلاة والسلام، لإقراره بالفضل لأخيه {هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا} ؛ لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ ناقصًا، وَلَكِنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَبِّرَ بالكمال لغيره، والنقص لنفسه.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّهُ يَنْبَغِي للدَّاعي أَنْ يَذْكُرَ مُبَرِّراتِ دعوتِه؛ لِأَنَّ قَوْلَه: {هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ} ، هَذَا مِن مُبَرِّرَات دعوته، وسؤاله اللَّهَ تبارك وتعالى أَنْ يُرْسِلَهُ معه، وَهُوَ أَنَّهُ أفصحُ منه لسانًا، وهذا معروف، ومِن آداب الدعاة أَنْ يَذْكُرُوا مُبَرِّرَات الدعوة.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ مُوسَى عليه الصلاة والسلام خَافَ أَنْ يُكذِّبوه إِذَا كَانَ وحدَه، فطلب مزيدًا مِنَ الْعَوْنِ؛ لأن الواحد مَعَ الْوَاحِدِ يكون أقربَ للتصديقِ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّ الخْبرَ يزداد ثُبوتًا وتَبيينًا بتعدُّد مُخبريه؛ ليزداد قُوة ووضوحًا عند آلِ فِرْعَوْنَ؛ لأن الرِّسالَة خبرٌ، فَإِذَا كَانَ مَعَهُ مَنْ يُقَوِّيه عَلَى هَذَا الْخَبَرِ ويُثَبِّتُه ويُصَدِّقُه؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ أقوى، والآية شاهدٌ له.
* * *
(1)
أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب الخطبة، رقم (4851)، ومسلم: كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، رقم (869).