الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فجاء الجواب هُنَا مِن هَذَا الرَّجُلِ: {لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ، فقوله:{لَا تَخَفْ} إجابة لقوله: {خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} ، وقوله:{نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} إجابة لقوله: {نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} .
وهكذا تكون إجابة اللَّهِ تعالى للمضطر مطابقةً تمامًا لسؤاله؛ إِذْ لَا سُلْطَانَ لفِرْعَون على مَدْين، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، أنه طَمْأنَهُ بأنه نَجَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمينَ؛ لأن سلطان فِرْعَونَ فِي مِصْرَ وَمَا حَوْلَهَا، أَمَّا مَدْيَنَ، فَإِنَّهُ لَا سُلْطَانَ لِفِرْعَوْنَ عليها؛ إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ سُلْطَانٌ عليها لما نَجَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالمِينَ.
ومَدْيَن بلدٌ قَرِيبٌ مِن مِصْرَ، تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ المُفَسِّر رحمه الله أَنَّهَا عَلَى ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ مِنْ مِصْرَ، ولكن الحدود متقاربة، فهُما مَمْلَكَتَان لَيْسَ بَيْنَهُمَا إِلَّا خَطٌّ وَهْمِيٌّ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: فِي قَوْلِهِ تعالى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} ، يستفاد بيانُ الوَقار الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لمُوسَى، حيث جَاءَتْ إِلَيْهِ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ تَعْظِيمًا لَهُ؛ لأنَّهُ كُلَّمَا كَانَ الإِنْسَان أشدَّ وَقارًا، كان الحياء منه أكثرَ، ولذلك الرَّجُلُ الَّذِي لَيْسَ بِوَقُورٍ تجد النَّاسَ لَا يستحيون منه، ولا يُبالون به، فيَتَفَوَّهُون عنده بِالْكَلَامِ الَّذِي لَا يَلِيقُ، ويفعلون عِنْدَهُ مَا لَا يَلِيقُ؛ لأنَّه ليس وَقُورًا، ولهذا يقال: احْتَشِم تُحْتَشَم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بيان كمال خُلقِ هَاتَيْنِ المَرْأتيْنِ؛ حيث جاءت تمشي، غير مُسرِعة، ولا مُهَرْوِلَة، بل تمشي بهدوء، وَهَذَا دَليلٌ عَلَى كَمَالِ أدبها، وكذلك كَوْنُهَا عَلَى اسْتِحْيَاءٍ فِيهِ أَيْضًا مِنْ كمال الأدب.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فِي قَوْلهِا: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ} يُستفاد منه كمالُ أدب؛ حيث
نسبت الدعوةَ إِلَى الْأَبِ دُونَ نفسها، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ كمال الذَّكاء؛ لِأَنَّ نِسْبَةَ الدعوة إِلَى الْأَبِ أَقْرَبُ إِلَى إِجَابَةِ موسى للدعوة؛ حيث يَكُونُ الدَّاعِي له رَجُلًا، وقد وَصَفَتْه مِنْ قَبْلُ بأنه شَيْخٌ كَبِيرٌ، فتكونُ دعوته لموسى، وتوجيه الدعوة مِنْهُ إِلَى مُوسَى أَقْرَبَ إِلَى الإجابة.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فِيهَا دَليلٌ عَلَى ذكاء الفتاة، فهي لَمْ تَقُلْ: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُوَجِّهَ إليه التُّهْمَة مثلًا، أَوْ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَغْدِرَ به، أو يطلبه، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لكنها قالت:{لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} ، وليكون أدَعى إِلَى إِجَابَةِ الدعوة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّهُ يَنْبَغِي للإنسان كمال الْأَدَبِ فِي الأساليب وإزالةُ الوَحْشَة؛ لقوله: {أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} ، فَإِنَّ فِي هَذَا إزالةَ الوَحْشَة، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُزِيلَ الوَحْشَة عن المخاطَب، لَا سِيَّمَا فِي المَكَانِ الَّذِي تَعْتَرِيه الوَحْشة.
وكما يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي اللَّفْظِ، يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي حَالِ المَرْءِ، بحيث يُقابِل غيرَه بالبِشر والسَّماحة، وانطلاقِ الوجه، وَلِهَذَا كَانَ مِنْ أَوْصافَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ دائمَ البِشر، كثيرَ التبسُّم، وضد العُبوس والتقطيب، وعدم الانشراح؛ فَإِنَّ هَذَا يُوجِبُ لِغَيْرِك أَنْ يَنْفِرَ منك.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا يُوجِبُ أَلَّا يأنسَ بك أَحَدٌ، حَتَّى لَوْ جلس عنده، ممنْ إِذَا رآك الْإِنْسَانُ فَإِنَّ فَضْلَ اللَّهِ يُؤْتِيه مَنْ يَشَاءُ، هَذَا الْأَمْرُ قَدْ يَكُونُ اكتسابًا، وَقَدْ يَكُونُ غريزةً؛ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَهَبُه اللَّهُ سبحانه وتعالى مِثْلَ هَذِهِ الخَصْلة الطَّيِّبة، وَمنَ النَّاسِ مَنْ يُحرَم منها، وَمنَ النَّاسِ مَنْ يحاول أن يَتَخَلَّق بها.
وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأشج عَبْدِ الْقَيْسِ: "إِنَّ فِيكَ خَصْلتَيْنِ يُحِبُّهَما اللَّهُ: الحلْمُ،
وَالْأَنَاةُ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَخُلُقَيْن تَخَلَّقْتُ بِهَما أَمْ جَبَلَنِي اللَّهُ عَلَيْهِما، قَالَ: "بَلْ جَبَلَكَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا"، قَالَ: "الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ"
(1)
. مِن: حَلُم، ويتأنَّى.
فهذا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأخلاق تكون بالتخَلُّق، وتكون بالجِبِلَّة، والجِبِلَّة أثبتُ.
وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "بَلْ جَبَلَكَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا"؛ لأن التخلُّق قد ينسى الإِنْسَان أحيانًا، ولا يَتَخَلَّق، وَيَكُونُ عَلَى جِبِلَّتِه، لكن الجِبِلَّة لَا شَكَّ أنها أكملُ، وإنما يمكن للإنسان بالتَّعَوُّد والتَّخَلُّق عَلَى الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خُلقًا له.
والجِبِلَّة أكملُ للإنسان، فَقَدْ يَكُونُ تخلُّقه بالأخلاق الفاضلة مِن جِبلَّته، إِلَى الْآنَ قد يَكُونُ مِنَ الْعَامَّةِ مَنْ لَا يوافقون عليها، وَكَمْ مِنْ أُناس تغيرت طِباعُهم وحَسُنت أخلاقُهم بما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: قَصُّ الْأَخْبَارِ لَا يُعْتَبرُ شِكَايةً، فلو قصصتَ عَلَى إِنْسَانٍ مَا جَرَى عَلَيْكَ مِنَ المصائب، فَلَا يُعْتَبرُ ذَلِكَ مِنَ الشكاية إليه، ولهذا يُقال: هذا إخبارٌ. فالمريض يقول مَثَلًا لمِنْ سَأَلهُ عَنْ حَالِهِ: إني مريض، فَهَذَا إِخْبَارٌ، لَا شَكْوَى، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُما أَنَّ الشكوى تتضمن طلبَ إزالة الشَّيْء، والتَّضَجُّر منه، وأما الخَبَرُ، فإنه مجُرَّدٌ عَنْ ذلك، فهو مجُرد إِخْبَارٍ عَنْ أَمْرٍ وَقَعَ.
فالْإِنْسَانِ إِذَا عَبَّرَ عَنْ حالِه -مثلًا- بقوله: وَقَعَ عَلَيَّ ظُلم وكذا وكذا، فَهَذَا لَا يُعَدُّ شِكاية، فَلَا يُمْكِنُ دفعُ ظُلم الظَّالم إلا بِذِكر ظُلمه، ولهذا يَقُولُ اللَّهُ تعالى:
(1)
أخرجه أبو داود: كتاب الأدب، باب فىِ قبلة الرجل، رقم (5225)، وأصل الحديث عند مسلم: كتاب الايمان، باب الأمر بالإيمان باللَّه ورسوله، وشرائع الدين، والدعاء إليه، رقم (17).
{لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148].
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى صِدْق صاحب مَدْيَنَ، حيث طمأنه مَعَ ذِكْرِ السَّبَبِ، فقال:{لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ، فقوله:{لَا تَخَفْ} يُفيد طُمأنينة الرَّجُل، وقوله {نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ، فَلَوْ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُ {نَجَوْتَ} لَظَنَّ الظانُّ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُهَوِّن عَلَيْهِ الْأَمْرَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ احْتِمَالُ ألَّا ينجو.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أَنَّ آلَ فِرْعَوْنَ معروفون بالظلم عِنْدَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لقوله: {نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} .
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ جُنود الظَّالِم ظَلَمَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَا قَالَ: نَجَوْتَ مِنَ الظَّالِمِ، بَلْ قَالَ:{مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ فإن جُنود الظَّالِم ظَلَمَة، ولهذا لو أمَرَك الأميرُ، أَوْ مَنْ فَوْقَ الأمير، بأمرٍ تعرف أنه ظالمٌ فيه؛ فإن طاعتك له مُحَرَّمَة، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ طاعة المخلوق فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِق.
* * *