الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذلك عندهم على عقلهم، ثم ما لم يُثْبِتْه إما أَنْ يَنْفُوه، وإما أَنْ يَقِفُوا فيه"
(1)
.
هذه هِيَ الْقَاعِدَةُ فِي إِثْبَاتِ الصفات أو نَفْيِها عند المتكلمين مِن المعتزلة والأشاعرة وغيرهم.
وأهلُ السُّنة جميعًا يقولون: مَا أَثْبَتَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ أثبتناه، وما نفاه الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ نفيناه، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ توقفنا فيه.
أما هُم فعلى العكس، يقولون: مَا أَثْبَتَهُ العقل أثبتناه، وما نفاه نَفَيْنَاه، وَمَا لَا يَقْتَفِي إِثْبَاتَهُ، وَلَا نَفْيَهُ أكثرُهم يقولون: نَفَيْنَاهُ، ولا نَقْبَلُه؛ لأنَّنا نشترط لِقَبُول الصِّفة إثباتَ العقل لها، فَإِذَا لَمْ يُثبتها وَجَبَ نَفْيُهَا.
وبعضُهم يقول: اتَّقُوا اللَّهَ، واعدلوا، إِذَا كَانَ الْعَقْلُ لَا يَقْتَضِي إثباتها، وَلَا نَفْيَها، فالواجب التوقُّف، لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ ترجيحٌ بالإثبات، ولا ترجيح بالنفي، فيجب عَلَيْنَا أَنْ نتوقف.
فَهَؤُلَاءِ هُمُ الوَرِعون منهم، لكنَّ الوَرِعين فِي هَذِهِ النقطة غير الوَرِعين في النقطة الأولى، وَهِيَ مَا أَثْبَتَهُ العقلُ أثبتناه، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وما نَفَاهُ العقل نَفَيْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ مَذْكُورًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: فيها دَلِيلٌ عَلَى أَنْ قارون كَانَ يُنْفِقُ المَالَ بِغَيْرِ رَوِيَّةٍ فِي المَعَاصِي والفساد، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لقولهم:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ} [القصص: 77]، ولَوْ كَانَ يُنْفِقُهَا مِن أَجْلِ الدَّارِ الآخِرَةِ مَا قَالُوا لَهُ هَذَا.
(1)
درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية (2/ 12).
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَنْبَغِي لمن آتَهُ اللَّهُ مَالًا أَنْ يُحْسِنَ النِّيَّةِ، وَالْقَصْدَ في بَذْلِه، أي: كُلُّ إِنْسَانٍ عِنْدَهُ مَالٌ يَنْبَغِي بَذْلُه، لكن يَنْبَغِي أَنْ يُحْسِنَ النِّيَّةَ وَالْقَصْدَ، لِقَوْلِهِ تعالى:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ} ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَالَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ:"وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ"
(1)
، فقد قيَّدها بقوله:"تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ"، أَمَّا لَوْ أَنْفَقَ الإنسان لِغَيْر هَذَا الْغَرَضِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُثَابُ، وإِنْ أَنْفَقَ لِغَرَضٍ سَيِّئ؛ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فِي قَوْلِهِ: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ} يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يجب أَنْ يَقصد الدَّارَ الآخِرَةَ، بِأَنْ يَكُونَ فِي الْخَيْرِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ المَالَ -وَإِنِ اكتسبه العبدُ بِفِعْله- فَهُوَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ؛ لقوله: {فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ} ، وَإِنْ كَانَ الإنسانُ يكتسب ويَتَّجِر ويحصِّل، لكنه مِنَ اللَّهِ عز وجل، وَهُوَ الَّذِي يُقَدِّرُه.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات الْيَوْمِ الآخِرِ؛ لقوله: {الدَّارَ الآخِرَةَ} .
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: جواز تمتُّع الْإِنْسَانِ بِمَا آتَاهُ اللَّهُ تعالى فِي الدُّنْيَا، ولكن بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ المعصية؛ لِقَوْلِهِ فِي جُمْلَةِ النصيحة:{وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} ، هَذَا عَلَى الرأي الَّذِي اخْتَرْنَاهُ.
أَمَّا عَلَى رَأْي المُفَسِّر رحمه الله، فَإِنَّ هَذَا عَائِدٌ عَلَى قَوْلِهِ:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ} ، يرِيدُ أَنْ يَكُونَ نَصِيبُهُ مِنَ الدُّنْيَا الفُسحة والمُهلة التي أُعْطِيَها، لا يُضِيعُها.
(1)
أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى، رقم (56)، ومسلم: كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، رقم (56).
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: حُسْنُ دعوة هؤُلاءِ، حيث ذَكَّروه بنعمة اللَّه عليه، لقوله:{وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} ، فكأنهم يقولون: أحسِنْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أحسنَ إليك، فأنت حينما تُحسن تكون شاكرًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أَنَّهُ يَنْبَغِي للدَّاعي أَنْ يُذِكَّرَ المَدعو بنعمة اللَّهِ سبحانه وتعالى؛ لأن الْإِنْسَانَ إِذَا ذُكِّر بالنعمة، فقد يَخْجَلُ مِنَ اللَّهِ، فَلَا يَعْصِهِ.
أَمَّا إِذَا ذُكِرَ لَهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيَ مُجَرَّدًا عَنِ الأسباب والوسائل التي تَحْمِلُه عَلَى الْفِعْلِ، أَوِ التَّرْكِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الدعوةَ تكون قاصرةً، فالذي يَنْبغي للدَّاعي أَنْ يُذَكِّر المرءَ المدعو بما يقتضي إقبالَه وقَبُولَه؛ لقولهم:{وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} .
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: تحريم نِيَّة الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ؛ لقوله: {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ} ، وإذا حَرُمت نِيَّة الفساد، فالفسادُ نَفْسُه مِنْ بَابِ أَولى، ويَحْرُم عَلَى المَرْءِ أَنْ يُفسِد، أو أَنْ يَنْوِيَ الفساد.
الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: التَّحْذِيرُ مِنَ الْفَسَادِ؛ لقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} .
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ محَبَّةِ اللَّهِ؛ لأن نَفْيَهَا عَنِ المفسدين دَلِيل عَلَى ثُبوتها للمصلحين.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مِن حُسن الدعوة أَلَّا يُؤَيَّسَ الْإِنْسَانُ، فيقال: لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ كُلُّ أفعالِك للآخِرة؛ لأن الْإِنْسَانَ إِذَا طُلِبَ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ أفعاله للآخرة، فَقَدْ يَنْحَسِرُ، وَلَا يَقْبَلُ، ممِنْ إِذَا قِيلَ لَهُ: هَذَا وَهَذَا، فهو أدعى للقَبُول، وَهُوَ مِنْ حُسْنِ الدعوة التي سَلَكَها هؤُلاءِ الدعاة.
* * *