الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القِيَمُ الأَخْلَاقِيَّةُ بَيْنَ الإِلْحَادِ وَالعِلْمَانِيَّةِ:
خَطَرُ الحُرِّيَّةِ الجِنْسِيَّةِ:
(1).
انتشرت الحرية الجنسية في الغرب بفعل المناهج التحررية والعلمانية (اللادينية)، التي سادت أوروبا في القرن الماضي كرد فعل لمظالم القرون الوسطى، وهي قرون الظلام في أوروبا وحدها، وأصبح مفهوم الحرية عند هؤلاء هو التحرر من الفضائل، فهي قيود على نزواتهم ومصالحهم المادية. والماركسية أكثر إمعانًا في هذا، فعقيدتها وهي المادية الجدلية، تحتم على الإنسان أن يكون ماديًا فحسب، فغايته إشباع غرائزه وشهواته.
والحرية في الإسلام هي التحرر من العبودية للمادة، والعبودية للأهواء، والتحرر من العبودية للبشر.
والحرية في الإسلام: هي قانون الحركة المتوازنة حول محور ثابت، لكنها حركة إرادية، فقد خص الله الإنسان بالإرادة وكرمه على سائر المخلوقات. قال تعالى:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (2). ففي هذا الإطار يتحرك الإنسان في نطاق بشريته التي هي مزيج بين المادة والروح، فالإنسان ليس حيوانًا، وليس ملاكًا، وليس مطلوبًا منه أن يكون هذا وذاك، والإسلام بهذا المفهوم يحقق التوازن بين المادة والروح، فلا يهمل مطالب الجسد، ولا يلغي الروح والمعاني والقيم. قال الله تعالى:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} (3).
وهذا التطبيق الصحيح لمفهوم الحرية، يصلح حياة الناس جميعًا وتستقر به النفوس، ولن تستقيم الحياة في ظل الحرية الجنسية، فكلما تحرر الإنسان من القيم والأخلاق ازداد تعطشًا وَنَهَمًا للانحراف والطغيان، وما أمر بريطانيا عنا ببعيد، فقد أباحت كل أنواع الحرية الجنسية بما فيها الشذوذ، فكانت النتيجة هي خطف الصغار من المدارس والاعتداء عليهم، ولم
(1) نشر بـ " المجتمع " يوم 19/ 9 / 1972 م - 11/ 8 / 1392 هـ.
(2)
[الإسراء: 70].
(3)
[القصص: 77].
يوقف ذلك مظاهرات الآباء والأمهات، والمطالبة بالتدخل لحماية النشء من هذه الحيوانية المفترسة.
لقد حاول المصلحون الاجتماعيون علاج هذه الظاهرة، ولكنهم ضلوا السبيل ففاقد الشيء لا يعطيه. فالبرغم من محاولات كنائس الوحدويين في أمريكا علاج جرائم الجنس، بعرض أفلام كاملة للعمليات الجنسية، ما زال المجتمع جنسيًا خالصًا، وتعلل العالمة الاجتماعية (إيرا رايس) ذلك بغياب الدين عن الواقع.
ولقد انتقلت إلينا هذه الحيوانية ضمن ما ورثناه من التقليد الأعمى باسم التقدم والرقي، وشاعت الصدور العارية وانتشرت الإباحية الضارية وأضفينا على هذه الأمراض شتى المسميات، فكان أدب الجنس، وأصبح له فلاسفة بدعوى أنه حقيقة بين الصغار والكبار، بل أصبح للجنس وعاظ يزعمون أن الحرية الجنسية ليست حرامًا، فالدكتورة (هلين رايت) الفرنسية المشهورة والتي عملت مبشرة خمس سنوات لحساب الكنيسة الإنجليزية تقول في كتاب باسم " الجنس والمجتمع " بوجوب الحرية الجنسية بين الناس جميعًا بما فيهم المتزوجون، وتدعو إلى ضرورة تقبل الرجل والمرأة هذا على السواء، منعًا من هدم حياتهما الزوجية، وهي تنسب إلى الدين المسيحي هذا الفهم الغريب وتقول:«إن هذا السلوك لا يخالف المسيحية، لأن الأفكار القديمة الخاصة بالأخلاقيات قد انهارت، ويلزمنا أفكار جديدة للعلاقة الجنسية وهي الحرية الجنسية» .
وبين العرب من يزعم أن هذه الحرية لا تخالف القواعد الشرعية ويحتجون ببعض الأشعار وأخبار بعض الأدباء. ولئن صح أن هذا حال البعض فهي فئة منقرضة لا تمثل إلا نفسها، ولا تعدو أن تكون قليلة نادرة. والنادر لا حكم له.
أما المجتمع العربي الإسلامي فقد كان في عصوره الأولى، طاهرًا متطهرًا من مظاهر ومحركات الشهوة الجنسية وعوامل الإغراء، ومن ثم انتصر على الإمبراطوريتين العالميتين الفرس والروم.
وإذا افترضنا جدلاً - والجدل خلاف الواقع - أن الأقلية أو الأغلبية قد سلكت سبيلاً غير ذلك فالاحتكام إنما يكون لحكم الله ورسوله أي لما يجب أن يكون، وهو تطهير المجتمع من الفساد وعوامل الإغراء الجنسي، لأنها تؤدي إلى شيوع الفاحشة، ومن ثم تنحل أسباب ومقومات التكامل والقوة، ولهذا قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا