الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ب - أوضحت في المقال الأول أن الدولة الحديثة لها مقومات ثلاثة هي شكل الحكومة والسلطات الثلاثة وحقوق الأفراد. وكل ذلك قد جاء به القرآن. وقدمت الدليل عليه من كتاب الله، كقول الله:{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (1). وقوله عز وجل: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا} (2). وأود أن يعلم الجميع أن الآية 25 من سورة الحديد قد نصت على أن رسول الله كانت له مهمة رئيسة هي إقامة الدولة والحكم بين الناس بالقسط، قال تعالى:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25]. فهذا النص قد وضح أن الرسل جاءوا للبشرية لإقامة حكم فيه:
1 -
سلطة تشريعية هي الكتاب الذي دل على السنة.
2 -
سلطة تنفيذية رمز إليها بالحديد.
وقدمت الدليل من السنة النبوية ومن ذلك الدستور الذي وضعه النبي في أول حكمه بالمدينة ليحكم العلاقات بين المسلمين وبينهم وبين غير المسلمين، وأن هذا الدستور يتضمن القانون الدولي العام والخاص.
ج - إن لم يكن الرسول حاكمًا، وأمر المسلمين بإقامة حكم إسلامي، فما معنى قول الله:{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49]، وقوله سبحانه:{لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25].
د - إن كانت وظيفة النبي هي النبوة والرسالة فقط - أي مجرد تبليغ الدين - فالحروب والغزوات التي قام بها لا تدخل ضمن ما حدده له بها ولا تدخل ضمن ما حدده له الدكتور من عمل الرسالة. وكذلك إعداده الجيوش والقواد لغزو الروم ثم التحرك بهم حتى وصل إلى تبوك وعقده مع زعماء جرباء وأذرح وأيلة. وهل تعيينه معاذًا حاكمًا على اليمن من أعمال النبوة؟، وهل غزوة مؤتة المتجهة نحو الروم من أعمال النبوة؟، وهل تعيينه أمراء لجمع الزكاة جبرًا من أعمال النبوة؟، أم أن ذلك من أعمال الدولة فقام بها الخلفاء؟.
سَادِسًا: جَعَلَ الدُّكْتُورُ خَلَفْ اللهْ رَدَّهُ بِعُنْوَانٍ:
«هل يجوز أن يكون الدين من عند غير الله؟» وساهمت " الوطن " في نشر ذلك في صفحتها الأولى وهذا يوحي أنني أجيز ذلك ولا أحب أن أقول: أذلك قد ورد في مقالتي الأولى الذي نشرته " الوطن " يوم 26/ 11 / 1982 ومقالي الثاني المنشور يوم 3/ 12 / 1982 وكلاهما تضمن أنه لا يحل لمسلم أن يقتصر على ما جاء في القرآن، فالدين يشمل القرآن
(1)[الشورى: 38].
(2)
[الحجرات: 9].
وَالسُّنَّةِ مَعًا، والنبي يقول:«أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» ، والله تعالى يقول عن النبي عليه الصلاة والسلام:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (1).
أما ما ختم الدكتور به في قوله: «بقي أن أهمس في أذن الأستاذ البهنساوي بأن الدين غير التشريع، وأن مصدر الدين هو الله سبحانه وتعالى، أما مصدر التشريع فيكون القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين والإجماع والقياس وما إلى ذلك مما عده علماء أصول الفقه من مصادر التشريع والتي وصلت إلى تسعة عشر مصدرًا» .
والجواب عليه:
1 -
أنه لو صح أن الدين غير التشريع لكان مصدر الدين هو القرآن والسنة وليس القرآن فقط فإن الله تعالى يقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (2).
2 -
إن مصدر التشريع ينحصر في القرآن والسنة النبوية، لأن الإجماع والقياس وغيرهما مما عده علماء الأصول مصادر هي في حقيقتها ليست مصدرًا مستقلاً. فلا حجة لها إلا إذا كان لها مستند من الكتاب والسنة. وهذا هو الذي يفرق بين الاجتهاد البشري وبين التشريع المنزل من عند الله والمتمثل في القرآن والسنة.
3 -
لقد ورد لفظ الدين في القرآن الكريم بمعنى التشريع والقانون في قول الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} (3).
وورد الدين بمعنى العقيدة في قول الله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (4). وورد بمعنى المناسك التعبدية في قول الله: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (5).
وقد فصلت ذلك في كتابي " الحكم وقضية تكفير المسلم " المتضمن الرد على انحرافات بعض الشباب.
4 -
ولا يوجد أحد من المسلمين يقول: إن الإنسان أو الحاكم خليفة الله بمعنى أنه ينوب عن الله ويتولى سلطاته، لأن هذا ما أخبر النبي أنه شرك مع الله، في قوله لعدي بن حاتم (*) عن الأحبار والرهبان {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31].
(1)[النجم: 3، 4].
(2)
[الحشر: 7].
(3)
[البقرة: 193].
(4)
[البقرة: 256].
(5)
[الشورى: 13].
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) انظر: التعليق في ص 14 من هذا الكتاب.