الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَقْفَةٌ مَوْضُوعِيَّةٌ مَعَ الدُّكْتُورِ مُحَمَّدْ خَلَفْ اللهْ:
في يوم الجمعة الماضي نشر للدكتور محمد أحمد خلف الله تصريحات خطيرة زعم فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم تقم له حكومة أو حكم بل إدارة أعمال وأن من يطالب بحكم الإسلام إنما يطالب بحكومة دينية لا وجود لها بعد النبي، وأن ما لم يرد في القرآن فلا نلتزم به أي لا يلتزم المسلم بالسنة النبوية، ثم عاد وادعى أن السنة لا يعمل بها، إلا إن كانت مبنية للنصوص القرآنية، غير قطعية الدلالة.
إنه من التحريف البين لنصوص القرآن الكريم وأحداث السيرة النبوية ما زعمه الكاتب المجتهد في قوله:
هذا القول فيه تحريف ومغالطة وذلك على النحو التالي:
- أولاً: صحيح أن الكفار قد طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلوه ملكًا أو حاكمًا عليهم ورفض ذلك، ولكن سبب الرفض هو أنهم أرادوا أن يترك رسالة الإسلام مقابل الحكم، فليس صحيحًا أن الرفض سببه أن النبي ما جاء ليحكم، فقد قال الله تعالى لنبيه:{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} (1). وقال لنبيه داود: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} (2).
- ثانيًا: إن أحداث السيرة النبوية تؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقام دولة المدينة المنورة، وليس صحيحًا أن ما قام به من هذا الشأن هو إدارة أعمال فقط، فالنبي صلى الله عليه وسلم أقام دولة وحكومة بكل المقومات الحديثة للدولة.
فإذا رجعنا إلى القوعد الدستورية الحديثة نجد أن الدولة لها مقومات ثلاثة:
• الأول: شكل الحكومة ودعامتها: والإسلام حدد ذلك من قول الله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ
(1)[المائدة: 49].
(2)
[ص: 26].
شُورَى بَيْنَهُمْ} (1).
• الثاني: السلطات ومصدرها ومن يتولاها: والإسلام يجعل التشريع هو القرآن والسنة.
• الثالث: حقوق الأفراد وحرياتهم: والإسلام قد كفل هذه الحقوق، قال الله تعالى:{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (2).
والنبي صلى الله عليه وسلم قد ضمن حقوق الإنسان في إعلانه بحجة الوداع إذ قال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا» .
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم بصفته رئيسًا للدولة وضع القانون الذي ينظم العلاقة بين المسلمين وغيرهم، وهذا الكتاب قد جاء به «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَثْرِبَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَحِقَ بِهِمْ وَجَاهَدَ مَعَهُمْ أَنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ، المُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ بَيْنَهُمْ وَهُمْ يَفْدُونَ عَانِيَهُمْ بِالمَعْرُوفِ وَالقِسْطِ» . كما جاء بهذا الدستور: «وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ» . إلى أن قال: «وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا (3) بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي فِدَاءٍ وَعَقْلٍ
…
وَإِنَّهُ لَا يُجِيرُ مُشْرِكٌ مَالًا لِقُرَيْشٍ وَلَا نَفْسًا وَلَا يَحُولُ دُونَهُ عَلَى مُؤْمِنٍ
…
وَإِنَّكُمْ مَهْمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ مَرَدَّهُ إِلَى اللَّهِ عز وجل وَإِلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم» (4).
- ثالثًا: المبادئ القانونية والتشريعية:
ففي نطاق القوانين المحلية بين المؤمنين وغيرهم. والتي لم تصل إليها الدول إلا بعد أربعة عشر قرنًا. وتعرف باسم القانون الدولي الخاص. فإن الكتاب الذي وضعه النبي كدستور الحكومة بالمدينة تضمن أن المؤمنين أمة من دون الناس وأنهم متضامنون في الحياة الاجتماعية وفي أداء الديات، وأن هذه المعاهدة مفتوحة لمن أراد الانضمام إليها من غير المسلمين.
وفي مجال تنازع القوانين حسم النبي الأمر فقرر صلى الله عليه وسلم أنه عند اختلاف الديانات فالقانون الواجب التطبيق هو شريعة الإسلام إذا اختلف أصحاب هذه الديانة ولجأوا إلى محاكم المسلمين.
(1)[الشورى: 38].
(2)
[البقرة: 188].
(3)
المفرح: المثقل بالدين الكثير العيال.
(4)
" البداية والنهاية ": 3/ 224.
أما في نطاق اتصال الدولة بغيرها من الدول وهو ما يعرف حاليًا بالقانون الدولي، فالإسلام نظام عالمي تضمن المعاهدات الداخلية والمعاهدات بين الدول في السلم والحرب. قال تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (1).
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} (3).
- رابعًا: وأخيرًا تعلل الباحث بأمر آخر فقال: «لقد نص القرآن الكريم على أن محمدًا عليه السلام هو آخر النبيين والمرسلين. ومعنى ذلك أن استمداد الحاكم السلطة من الله لمن يكون بعد وفاة النبي. فكل من جاء بعده وتولى الخلافة كان يستمد سلطته من الناس وليس من الله» ، وقال:«ونستطيع أن ننظر في الخلافة فنرى الخليفة يستمد سلطته من الناس عن طريق البيعة، فإن كانت الحكومة الإسلامية التي تطالب بها الجماعات الدينية، هي الحكومة التي تستمد سلطتها من الناس فلا فرق كبير بينهما وبين ما تمارس به الحكومة اليوم من سلطات. وأما إذا كانوا يدعوننا إلى سلطة دينية فإن السلطة الدينية لا تكون إلا من الله وقد أعلن القرآن الكريم أن محمدًا عليه السلام آخر الأنبياء وخاتم المرسلين، أي آخر الناس الذين يستمدون سلطتهم في إدارة شؤون الحياة من الله» .
إن هذا القول يخلط بين حكم الإسلام وبين الحكومة الدينية التي ظهرت في أوروبا وكانت تدعي أنها ظل الله في الأرض، وبالتالي فما يصدر عنها يكون تشريعًا من الله لأنها جاءت بسلطان من الله تعالى.
وهذا الأمر يرفضه الإسلام جملة وتفصيلاً. والقاصي والداني يعلم ذلك. فالقرآن الكريم قد حذر من هذا السلطان الديني الكاذب وعده من أنواع الشرك بالله، وهذا ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم (*) لعدي بن حاتم:«أَلْقِ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ» ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [التوبة: 31]، قَالَ عَدِيٌّ:«مَا عَبَدْنَاهُمْ» . قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَلَمْ يُحِلُّوا لَكُمْ الحَرَامَ فَاتَّبَعْتُمُوهُمْ» . قَالَ عَدِيٌّ: «بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ» ، قَالَ:
(1)[آل عمران: 104].
(2)
[الحجرات: 9].
(3)
[النساء: 58].
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ / البَاحِثُ: تَوْفِيقْ بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَيْشِي]:
(*) قارن بما في صفحة: 14، 50، 187، 251، 255 من هذا الكتاب.