الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأن يصحح الفصل الخامس بأبي ذر في كتابه سالف الذكر، لأن عدم قيامه بذلك ليس لصالحه.
5 -
وأخيرًا ظهر تيار كالذي همس به الدكتور محمد عمارة عن الإسلام والوحدة الوطنية، زعم فيه أن اليهود والنصارى قد حكم لهم القرآن بالجنة والنعيم الأبدي.
وهذه لعبة قديمة لجأت إليها أوروبا خلال فترة حكمها للبلاد الإسلامية، وقدمتها تحت شعار توحيد الأديان، وحاولوا جذب الشيخ محمد عبده إليها فرفض، وأعلن هو وغيره أن الإسلام لا ينكر أحدًا من الرسل ويعتبر ذلك كفرًا، فعيسى ومن قبله موسى عليهما السلام ثم الرسل من عند الله في رسالة الإسلام ولا نفرق بين أحد من الرسل، وعليه فالدين العالمي أو وحدة الأديان تكون بإيمان اليهود والنصارى برسالة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.
ولا تكون بالزعم أن اليهود والنصارى مع كفرهم بالرسالة الخاتمة يكونون من أهل الجنة.
هذه بعض آثار غسيل مخ العرب فهل من علاج من سبيل؟ (1).
رُحَمَاءُ بِالأَعْدَاءِ أَشِدَّاءُ فِيمَا بَيْنَهُمْ:
بتاريخ 31/ 1 / 1979 نشرت جريدة " القبس " الكويتية عن صحيفة " واشنطن بوست " الأمريكية، أن الرئيس الأمريكي (كارتر) قد أمر أجهزة الاستخبارات بإعداد دراسة واسعة عن الحركات الدينية الإسلامية في العالم، وأن الإدارة الأمريكية مصممة على عدم السماح لمثل هذه الحركات أن يكون لها دور في مناطق الأزمات في العالم.
وبتاريخ 7/ 12 / 1979 كتبت صيحفة " الإيكونومست " أن الجماعة الإسلامية في الباكستان، قد تسنى لها الحصول على أصوات كثير من الناخبين، وأصبحت تمثل واحدة من أعظم التجمعات السياسية نفوذًا، ومازال هدفها دولة إسلامية خالصة تحكمها الشريعة الإسلامية، ثم بدأت الصحيفة أسفها؛ لأن هذه الجماعة يتمتع أعضاؤها بحصانة ضد الاعتقال.
وبتاريخ 24/ 12 / 1979 كتبت جريدة " النهار العربي والدولي " عن الدكتور عزيز الحاج، أننا نشاهد اليوم ونسمه جرأة طائشة حاقدة على شتم الإسلام والتحريض السافر
(1) نشر بـ " المجتمع " يوم 6/ 4 / 1976.
على المسلمين الداعين إلى الإسلام. هذه التصريحات وغيرها تتوالى مع أعمال ظاهرة وخفية، لمنع المسلم المتمسك بدينه من أن يطالب باحترام هذا الدين في جميع أمور الحياة ويقابل هذا تفرق لدى القادة السياسيين بل لدى كثير من الدعاة المسلمين، وهو ما قال عنه الشيخ أبو زهرة: «إِنَّنَا فِي هَذَا العَصْرِ قَدْ تَفَرَّقْنَا فِي كُلِّ شَيْءٍ. تَفَرَّقْنَا فِي السِّياسَةِ فَتَقَطَّعَتْ الدُّوَلُ الإِسْلَامِيَّةُ أَقَالِيمَ مُتَنَازِعَةً وَأَصْبَحَ وَلَاؤُهَا لِغَيْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالمُؤْمِنِينَ، فَصَارَ لَكُلِّ إِقْلِيمٍ وَلِيٌّ مِنْ أَعْدَاءِ المُسْلِمِينَ الذِينَ لَا يَأْلُونَهُمْ إلَاّ خَبَالاً. وَوَرِثْنَا فِي هَذَا العَصْرِ التَّفَرُّقَ المَذْهَبِيِّ، حَتَّى أَخَذَ بَعْضُنَا يُكَفِّرُ الآخَرَ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ وَلَا بَيِّنَةٍ، وَصَارَتْ الآرَاءُ وَالأَفْكَارُ عَصَبِيَّةً تُشْبِهُ العَصَبِيَّةَ الجَاهِلِيَّةَ، فَابْنُ الشِّيَعِيِّ شِيعِيٌّ، وَابْنُ السُّنِّيِّ سُنِّيٌّ يَتَوَارَثُ المَذْهَبَ كَمَا يَتَوَارَثُ الجِسْمُ اللَّوْنَ مِنَ الأَبِ إِلَى ابْنِهِ. وَأَهْلُ كُلِّ مَذْهَبٍ يَحْسَبُ أَنَّ مَذْهَبَهُ تُرَاثٌ لَهُمْ فَقَطْ، وَلَيْسَ تُرَاثًا لِلإِسْلَامِ كُلَّهُ، وَإِنْ اعْتَبَرَهُ تُرَاثًا لِلإِسْلَامِ فَإِنَّه يَتْبَعُ ذَلِكَ بِأَنَّ مَذْهَبَهُ هُوَ الإِسْلَامُ وَأَنَّ مَا عَدَاهُ اِنْحِرَافٌ لَا يُؤْخَذُ بِهِ وَضَلَالٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ. إِنَّ مَحْوَ الطَّائِفِيَّةَ وَالحِقْدَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ غَايَةً مَقْصُودَةً؛ لأَنَّ الخِلَافَ الطَّائِفِيَّ وَالحِقْدَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ نَزْعَةً عُنْصُرِيَّةً، وَالذِينَ يُرِيدُونَ الكَيْدَ لِلإِسْلَامِ يَتَّخِذُونَ مِنْهَا مَنْفَذًا يَنْفِذُونَ مِنْهُ إِلَى الوَحْدَةِ الإِسْلَامِيَّةِ. إِنَّ الطَّوَائِفَ الإِسْلَامِيَّةَ يَجِبُ أَنْ تَتَلَاقَى عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَتَحْتَ ظَلِّ كِتَابِهِ تَعَالَى وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَالمُقَرَّارَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ التِي عُلِمَتْ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ تَخْتَلِفَ آرَاؤُنَا وَلَكِنْ يَكُونُ اخْتِلَافَ آحَادٍ فِي مُنَازَعَةٍ عِلْمِيَّةٍ، وَلَا يَكُونُ اخْتِلَافَ جَمَاعَاتٍ وَطَوَائِفَ تَجْعَلُ الأُمَّةَ الإِسْلَامِيَّةَ مُتَفَرِّقَةً مُتَنَازِعَةً، يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الخُصُومَةَ فِي الدِّينِ غَيْرَ الاِخْتِلَافَ الفِقْهِيّ، إِذْ الاِخْتِلَافُ يَنْبَعِثُ مِنَ الفِكْرِ المُسْتَقِلِّ وَالخُصُومَةُ تَنْبَعِثُ مِنَ التَّعَصُّبِ الطَّائِفِيِّ. لَا يُعْتَقَدُ أَنَّ الآثارَ الفِقْهِيَّةَ لِمَذْهَبِ الإِمَامِ زَيْدٍ أَوْ مَذْهَبَ ابْنِ أَخِيهِ الإِمَامَ جَعْفَرَ الصَّادِقَ تَفْتَرِقُ فِي جُمَلَةِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ فِقْهٍ اِفْتِرَاقًا كَثِيرًا، تَجْعَلُ المُنَازَعَةَ مُتَبَايِنَةً تَمَامَ التَّبَايُنِ، وَحَسَبَ القَارِئَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الصِّلَةَ العِلْمِيَّةَ كَانَتْ قَائِمَةً بَيْنَ الأَئِمَّةِ أَصْحَابَ المَذَاهِبِ التِي انْتَشَرَتْ فِي الأَمْصَارِ، وَكَانُوا عَلَى اِتِّصَالٍ بِأَئِمَّةِ آلِ البَيْتَ - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -، فَأَبُو حَنِيفَةَ كَانَ عَلَى اتِّصَالٍ بِالأَئِمَّةِ مُحَمَّدَ البَاقِرَ وَابْنَهُ مُحَمَّدَ الصَّادِقَ، وَعَلَى اتِّصَالٍ بِالإِمَامِ زَيْدٍ. وَكَانَ الإِمَامُ مَالِكٍ - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ - عَلَى صِلَةٍ بِالإِمَامِ جَعْفَرَ الصَّادِقَ، وَكَانَ بِهِ مُعْجَبًا يَقُولُ:" مَا رَأَيْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ إِلَاّ صَائِمًا أَوْ تَالِيًا لِلْقُرْآنِ ".
هَذِهِ الخُصُومَةُ قَدْ أَصْبَحَتْ سِمَةً ظاهِرَةً لِفِئَاتٍ مِمَّنْ يَحْمِلُونَ لِوَاءَ الدَّعْوَةِ إِلَى الإِسْلَامِ حَتَّى أَنْسَتْ هَؤُلَاءِ السِّمَةَ الحَقِيقِيَّةَ لِلْمُسْلِمِ هِيَ رَبُّنَا {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا} (1).
كَمَا أَنْسَتْ هَذِهِ الفِئَاتِ أَنَّ اخْتِلَافَ وَسَائِلِهَا لَا يَسْتَتْبِعُ أبدًا غَايَاتَهَا، وَلَا يَجْعَلَ كُلَّ فِئَةٍ تَظُنُّ أَنَّهَا وَحْدَهَا الفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ وَأَنَّهَا وَحْدَهَا جَمَاعَةَ الحَقِّ وَمَا عَلَيْهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي وَسَائِلِ تَحْقِيقِ الغَايَةِ التِي يَنْشُدُهَا كُلُّ مُسْلِمٍ وَهِيَ مَرْضَاةُ اللهِ تَعَالَى فِيمَا أَمَرَ بِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ.
لَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: " لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَاّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ " فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ» . وَهَكَذَا بَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اجْتِهَادَ الطَّائِفَتَيْنِ، لَمْ يُنْكِرْ عَلَى أَيٍّ مِنْهُمَا، فَدَلَّ سُكُوتُهُ عَلَى إِقْرَارِ الاِجْتِهَادِ فِي تَنْفِيذِ الأَمْرِ، وَلَكِنَّ الفِئَاتَ المُخْتَلِفَةَ فِي الوَسَائِلِ تَهْدُرُ هَذَا المَنْهَجَ القَوِيمَ بِأُسْلُوبِهَا العَمَلِيِّ وَهُوَ الخِصَامُ. كَمَا تَجَلَّى هَذَا المَنْهَجُ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدُ، وْابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالحَاكِمُ، عَنْ عَمْرٍو بْنِ العَاصِ قَالَ: اِحْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ شَدِيدَةَ البُرُودَةِ فَأَشْفَقْتُ إنْ اغْتَسَلْتُ أنْ أَهْلَكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ذَكَرُوا ذَلِكَ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:«يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ذَكَرْتُ قَوْلَ اللهِ عز وجل {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]، فَتَيَمَّمْتُ وَصَلَّيْتُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
بِهَذَا السُّكُوتِ أَقَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم التَّيَمُّمَ عِنْدَ الخَوْفِ مِنْ حُصُولِ ضَرَرٍ مِنَ المَاءِ إِمَّا لِمَرَضٍ بِالجِلْدِ، أَوْ لِبَرْدٍ يَضُرُّ الإِنْسَانَ إِذَا اسْتَحَمَّ بِهَذَا المَاءِ.
كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي فَهْمِ قَوْلِ النَّبِيِّ " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُصَلِّيَنَّ العَصْرَ إِلَاّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ " وَمِنْ اخْتِلَافِهِمْ فِي فَهْمِ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43]، [المائدة: 6]. أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أقَرَّ كُلَّ طَائِفَةٍ عَلَى اجْتِهَادِهَا فِي تَنْفِيذِ أَوَامِرِ الشَّرِيعَةِ؛ وَبِالتَّالِي فَلَا تَفْتَرِضُ طَائِفَةٌ أَنَّهَا وَحْدَهَا النَّاجِيَةَ وَأَنَّ غَيْرَهَا خَصْمٌ لَهَا. إِنَّ هَذَا الاِجْتِهَادَ لَيْسَ
(1)[الحشر: 10].