الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المُثَقَّفُونَ بَيْنَ اليَمِينِ وَاليَسَارِ:
يظن بعض الكتاب المسلمين أن اليسار تعبير عن اتجاه يدعو إلى الأخذ بحلول جذرية لا تقبل المعالجة السطحية للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية. كما يظن آخر أن اليمين بين المسلمين في عرف اليسار تعبير عن أشخاص يلحون على الدعوة إلا الشعائر التعبدية التي لا تمس المظالم والفوارق الصارخة ويتعمدون السكون على المنكرات والمظالم.
وفي المعلوم للجميع أنه قد نشأ اليمين واليسار كرد فعل للثورة الفرنسية، فأصحاب اليمين كانوا يدافعون عن القديم، ومن ثم يتمسكون بالدستور ويدافعون عنه وأصحاب اليسار يرون أن هذا القديم يمثل بقايا مظالم نظام الإقطاع في أوروبا، ولذلك ينادون بتغييره.
ومن المعلوم أنه قد ظهرت حركة الإصلاح الديني التي قادها (مارتن لوثر) ضد الكنيسة فكانت تكافح تعاليم البابوية التي سماها تعاليم الشيطان، ولهذا، طالب بإلغاء سلطة البابا، وإلغاء صكوك الغفران وصكوك الحرمان.
أما رد الفعل المتطرف فتمثل في فلسفة (هيجل) الذي ادعى أن خلق الكون يرجع إلى فكرة سماها العقل المطلق، فالله عنده عقل مطلق، ويقابل ذلك العقل المقيد وهو الطبيعة.
ثم ظهر بعد ذلك (ماركس) وأخذ بفلسفة (هيجل) وقال إنها تسير على الرأس وتجعل القدمين في الهواء ويلزم في نظره أن تقلب ولهذا قال: الطبيعة والمادة هي أساس الخلق، وليس العقل، أي أن الطبيعة خلقت العقل والحياة والإنسان وتقوم فلسفة (هيجل) و (ماركس) على أساس النظريات العلمية آنذاك قد توصلت إلى أن هناك تناقضًا في أجزاء الذرة. أي أن حركة الطبيعة تنطوي على تناقض في عناصرها وبالتالي فالإنسان باعتباره من المخلوقات التي أوجدتها الطبيعة في نظرهم يخضع لهذا التناقض في حركته عبر التاريخ، ولهذا قال (ماركس) بالصراع الطبقي.
ولكن ثبت علميًا أن المادة تتكون من عناصر متعادلة ولا تناقض بينها وأنه يمكن أن تتحول إلى أخرى عن طريق فصل أو تجميع الذرات وليس عن طريق التناقض والصراع، وهذا يسمى بـ (قانون كولومب) وبدلاً من أن يعلن الماركسيون عن توبتهم عن اتباع هذا الخطأ بدأ بعضهم يبرر هذه الخطيئة يبرر هذه الخطيئة فيدعي أن المادية الجدلية عند (ماركس) تقوم على افتراض
لفظي، عندما كانت حركة المادة غير معروفة ويقول: ولعل هذا قد وضع لتبرير تطبيق القوانين الجدلية على المادة (1).
إن هذا التبرير من بعض الأعراب ليس له أساس ويناقض أقوال قادة الماركسية.
يقول (لينين)(2): «إن المعنى الدقيق للجدلية هو دراسة التناقضات داخل ذات جوهر الأشياء» .
ويقول (ماوتسي تونج)(3): «فالمتناقضات الكامنة في الأشياء والظواهر هي السبب الرئيسي لنموها، بينما صلة الشيء أو الظاهرة المتبادلة مع الأشياء، أو الظواهر الأخرى وتأثيرها عليها إنما هي أسباب ثانوية» .
إنه بالمناقشة الهادئة لهذه المفاهيم الخاطئة نصل بعون الله إلى الحقائق التالية:
أولاً: ليس صحيحًا أن هذا التفسير المادي للأحداث التاريخية هو من باب الاستفادة من الفكر الإنساني فقد اتضح أن هذا التفسير ليس علمًا من العلوم التي يستفاد بها حيث بنى على نظرية ثبت عدم صحتها كما ذكرنا من قبل.
ثانيًا: وليس صحيحًا أن اليمين أو اليسار سبيل لتحقيق العدل، وأنه أيما طريق لاستخراج العدل فثم شرع الله.
فالعدل قد اختلفت طرقه البشرية وتنازعت وتصارعت، فالماركسية ترى أن العدل يتحقق بسيادة الطبقة العاملة، ودفنها لباقي فئات الشعب وتصفيتها جسديًا.
والرأسمالية ترى أن العدل يتحقق بترك الحرية المطلقة لأصحاب الأموال يستغلون حاجة العمال وغيرهم حتى لو أدى ذلك إلى احتكار السلع وتجويع الشعوب.
ثالثًا: إنه من العبث بالفكر والرشد الإنساني أن ينادي مسلم باتباع الماركسية، أو الرأسمالية، تاركًا شرع الله الذي لا يميز العمال أو أصحاب الأموال ولا يفرق بين الناس بسبب المال أو النسب أو الجاه حيث يصبح والحال هذه كالتي نقضت غزلها من بعد قوة
(1): (4)" المسلمون في لعبة اليمين واليسار ": ص 44 - 51 نقلاً عن " الغزو الفكري " للمؤلف.
أنكاثًا.
لهذا جاء البيان الإسلامي للإنسانية وتمثل في قول الله: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256](1).
رابعًا: وليس صحيحًا أن أمور الاقتصاد والاجتماع من الفروع التي تقع تحت طائلة الاجتهاد فيمكن للمسلم أن يتبع النظام الراسمالي أو النظام الشيوعي ويصبح يمينيًا أو يساريًا ذلك أن الإسلام قد وضع لهذه الأمور قواعد كلية، لا يجوز الخروج عليها، وهي القواعد الواردة في القرآن والسنة وفيها قال الله تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (2).
ولو كانت هذه فرعيات ومتروكة للاجتهاد كما يزعمون لأصبح لدى المسلمين إسلام ماركسي وإسلام اشتراكي وإسلام رأسمالي. واللهُ يقول: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ
…
} (3).
وأيضًا فإن الشيء وضده ينسب إلى الإسلام، كتحريم الملكية على الأفراد أو ترك الحرية للاحتكار والاستغلال.
خامسًا: وليس صحيحًا أن رفض اصطلاح اليسار واليمين يؤدي إلى فرض الانتماء السياسي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء، وهو في نظرهم انتماء لا يتفق مع مقتضيات عصرنا فما طَبَّقَهُ الرسول والخلفاء الراشدون ليس انتماءً سياسيًا بل اتباع لشريعة الله. فقد تجاهل هؤلاء أن الإسلام يطلق الاجتهاد للأمور التي تخضع للحواس، اي للتجربة البشرية فهذه تركها للناس، حيث قال صلى الله عليه وسلم:«أَنْتُمْ أَعْلَمُ [بِأَمْرِ] دُنْيَاكُمْ» . أما ما لا يخضع للحواس والتجارب فقد نزل فيه الوحي بالقرآن والسنة.
من ذلك النظام السياسي والاجتماعي الذي فرض الشورى في مصالح الناس الدنيوية. قال الله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (4). فالإسلام يقوم على التسليم بسيادة الله وشرعه في الحلال والحرام. قال تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (5)[الأنبياء: 23]. وقال عز وجل
(1)[البقرة: 256].
(2)
[الأحزاب: 36].
(3)
[الأنعام: 162، 163].
(4)
[آل عمران: 159].
(5)
[الأنبياء: 23].
{أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} (1).
فإذا اتبع الخلفاء الراشدون ذلك، واتبع المسلمون من بعدهم هذه النصوص، فلا يقال إن أحدًا يفرض على المسلم انتماءً من عنده، فكما أن الخلق لله فالحلال والحرام من عند الله القائل:{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} (2).
سادسًا: وأخيرًا فقد تناسى الماديون والشيوعيون أن نظريتهم تؤدي إلى إنكار وجود سلعة بغير ثمن أو مقابل، حيث لا يوجد إله يرزق الناس بغير ثمن كما يزعمون، والواقع يكذب ذلك، فقد خلق اللهُ الهواء والماء ليكونا من المنافع المشاعة مجانًا للجميع من إنسان أو حيوان أو نبات، ولأنها خلق الله فلا مجال لاحتكارها، حتى لا يتحكم مخلوق في خلق الله، حيث يتوقف عليها استمرار الحياة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:«النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ فِي المَاءِ وَالكَلَأِ وَالنَّارِ» .
لما كان ذلك:
فإن من السذاجة أن يشيع أتباع هذه الاتجاهات الخاطئة أن الثقافة ترتبط بإنكارهم الرسل والرسالات، وأنهم الطليعة المثقفة في وطنهم.
وإنه من الخديعة والمغالطة أن تقتصر المؤتمرات الثقافية على هؤلاء
…
ومن والاهم أو رضي بكفرهم بالله ورسوله، وأن تصدر منهم قرارات في شكل الإجماع والأغلبية المطلقة ثم ينسب جذورها إلى المثقفين الغائبين عن هذه المؤتمرات. وهي بإجماع الملاحدة فقط.
(1)[الرعد: 16].
(2)
[الأعراف: 54].
(3)
[غافر: 82 - 85].
(4)
نشر في " السياسة " في 30/ 5 / 1986.