الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تتحول من صورة إلى أخرى فلا يتم التناقض والصراع كما كان يعتقد ماركس، ولم تعد المادة ذات تأثير وتغير ذاتي من داخل الذرة إذ لا يوجد أي تأثير خارجي أي تأثير ذرة على أخرى لكي يتم التحويل، وتحويل مادة من صورة إلى أخرى يحتاج إلى مؤثر خارجى فمن الجامد إلى السائل يحتاج رفع درجة الحرارة. (انظر:" الغزو الفكري للتاريخ والسيرة ").
هذه الحقائق العلمية تحطم النظرية الماركسية، لهذا حاول البعض التنصل منها والتحايل، فقد قال الدكتور عصمت سيف الدولة في كتابه " أسس الاشتراكية ":«لقد قامت الجدلية المادية على فرضية لفظية أن الطبيعة جدلية وليس معنى ذلك أنه قد ثبت هذا علميًا ولكنها ضرورة لتفسير التاريخ ..» ولكن كتابه " العروبة والإسلام " يحطم الإلحاد.
فهل يدرك الماركسيون العرب وكل من له عقل من البشر أن التفسير العلمي يضع تحليلات (ماركس) في سلة المهملات (1).
الشُّورَى بَيْنَ اليَمِينِ وَاليَسَارِ:
ما زالت تظهر بين الفترة والأخرى بحوث ومقالات تصنف المسلمين إلى اليمين واليسار، ولكن من الجرأة على تاريخ الأسلام والمسلمين أن يمتد هذا التصنيف إلى صحابة - رسول الله صلى الله عليه وسلم فنجد مقالات في مجلة " الكاتب " باسم الصراع بين اليمين واليسار في الإسلام (2)(وتفصيل الرد على ذلك فى كتاب " الغزو الفكري " للمؤلف).
صاحب هذه المقالات أراد أن يخدم اليسار في عصرنا على حساب الإسلام وصحابة رسول الله والتاريخ الإسلامي. فيزعم الكاتب أن النبى صلى الله عليه وسلم هو مؤسس اليسار الإسلامي وواضع مبادئه، ثم يختلق مقدمة كاذبة ليصل إلى نتيجة خاطئة، ليقنع بها الغافلين من المسلمين.
أما المقدمة الكاذبة فهي قول الكاتب: «في حياة النبى كان رجاله المقربرن هم المستضعفون، وعلى رأسهم على بن أبي طالب الذي لم يفارق النبى لحظة من حياته، إلا أن السياسة العليا لتثبيت دعائم الدولة الجديدة اقتضت ألا يدخل في مجلس الشورى، الذي لا نعرف بالضبط ما هي الصورة الرسمية التي تشكل على أساسها. فكل ما نعرفه أنهم كبار المسلمين من حيث مركزهم القبلى والسياسي» .
(1)" السياسة " في 30/ 5 / 1986.
(2)
نشرت في مصر سنة 1965 للكاتب أحمد عباس صالح: ص 43.
هذه المقدمة تزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم شكل مجلس الشورى من أصحاب المراكز الاجتماعية. وأنه لم يدخله من المستضعفين إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والذي جعله الكاتب يساريًا.
هذه المقدمة الكاذبة تؤدي إلى نتيجة كاذبة خاطئة، هي أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا موزعين إلى يمين ويسار. وأن اليساريين منهم كانوا مقربين إلى النبى صلى الله عليه وسلم، لأنه زعيم اليسار ومؤسس مبادئه ولكنه لم يستطع أن يدخلهم في مجلس الشوري الذي أسسه، لوجوب موانع طبقية، اضطرته أن يبعدهم ما عدا علي بن أبي طالب.
إن المصادر التاريخية التى يستقي منها هذا الكاتب، وكل من كتب أو يكتب عن هذه الفترة تكذب كل ما سطره الكاتب المذكور. ونكتفي من هذه الأدلة بما يأتي:
أولاً: القرآن الكريم وهو أول هذه المصادر، يصف النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته بقول الله عز وجل:{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} (1) وبقوله: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} (2)، كما يقول الله تعالى:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} (3)، ويقول الله تعالى عن المهاجرين {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (4).
ويقول الله تعالى عن الأنصار: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (5).
(1)[الأحزاب: 6].
(2)
[الأحزاب: 40].
(3)
[الفتح: 29].
(4)
[الحشر: 8].
(5)
[الحشر: 9].
ثانيًا: أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي مقدمتهم الإمام علي بن أبي طالب، لم يكن من اليمين أو اليسار، بل هذا الاصطلاح لا وجود له في هذه الفترة ولم يظهر إلا في القرن الثامن عشر، أي بعد مضي اثني عشر قرنًا على عصر الصحابة.
ثالثًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشكل مجلسًا خاصًا للشورى، بل كان يستشير الحاضرين من الصحابة لا يفرق بين الفقير والغني والرئيس والمرءوس.
لهذا شاور جميع الصحابة في أمر قريش واعتراض قوافلها، وشاور جميع من حضر غزوة بدر في اختيار موقع المعركة. وشاور جميع الحاضرين من الصحابة في غزوة أحد، فاختار أغلبيتهم أن يخرجروا لملاقاة قريش خارج المدينة، واستشار الصحابة في تسليم ثلث ثمار المدينة مقابل انسحاب قريش وحلفائها في غزوة الخندق، فآثر الصحابة من أهل المدينة استمرار القتال وفاءً بعهدهم وبيعتهم لله ورسوله. كما شاورهم في صلح الحديبية، واستشار زوجته أم سلمة في أمر الصحابة، الذين لم يستجيبوا لبعض شروط الصلح ولم يتحللوا في العمرة، وعمل صلى الله عليه وسلم برأيها فكان خيرًا وبركة.
رابعًا: أن جميع المصادر التاريخية تثبت أنه لم يكن للنبي مجلس للشورى بتشريعنا الحالي بل كان يستشير جميع الحاضرين على النحو سالف الذكر.
خامسًا: كما تثبت هذه المصادر التاريخية الكذب والاختلاق فيما زعمه الكاتب اليساري من استبعاد من سماهم بالمستضعفين أو اليساريين ومنهم سلمان الفارسي، فلا ينكر أحد من المؤرخين أن سلمان الفارسي هو الذي أشار بحفر الخندق في غزوة الأحزاب، وأخذ بذلك النبي ولم يكن أحد من العرب يعرف هذه الوسيلة الدفاعية.
سادسًا: أن المركز الاجتماعي ليس شرطا لتولي أي عمل أو مسؤولية في الإسلام، والمصادر كلها تكذب الكاتب في دعواه قصر الشورى على طبقة بعينها. قال الله تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، وقال:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَلَوْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ» .
وشروط عضوية مجلس الشورى عند الفقهاء ثلاثة: على ما أورده الماوردي وهي العدالة، والحلم، والثالث هو: الرأي والحكمة (" الأحكام السلطانية ": ص 6)(1).
(1)" الوطن " في 10/ 1 / 1986.