الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إِتْلَافُ الخُمُورِ بَيْنَ الشَّرْعِيَّةِ القَانُونِيَّةِ وَالمَصَالِحِ الفَرْدِيَّةِ:
لقد نشرت الصحف بعض الاعتراضات على إتلاف الشرطة لكميات من الخمور عن طريق إلقائها في قاع البحر.
ويرى المعترضون أن بعض الجهات كشركة الخطوط الجوية الكويتية، والسفارات الكويتية بالخارج تشتري هذه الخمور وتقدمها للغير، فكان يجب أن تحال الخمور المصادرة إليها بمقابل أو بدون مقابل.
ولقد أجاب السيد الأستاذ النائب العام بأنه محكوم في عمله بنصوص قانون العقوبات، ومن ثم لا مجال لتنفيذ قرار المصادرة بغير هذه الطريقة وهي الإتلاف، لأن التصرف فيها إلى الجهات المشار إليها يخلق تناقضًا لا ينسجم مع قانون العقوبات الذي حرم التعامل في الخمور ومنع تداولها، وأوضح أن سلطة التصرف فيها تكون في حدود القانون المذكور. كما أوضح النائب العام حقيقة غابت وتغيب عن الناس، وهي أن المشرع لا يجوز له أن يساير الأفكار الجماهيرية، التي تضن عليه بهذا الإتلاف للخمور التي حرمها التشريع الكويتي، استنادًا إلى الشريعة الإسلامية، ومراعاة لتقاليد البلاد الإسلامية.
وأمام هذه الاعتراضات سطرت هذه الكلمات، بعيدًا عن زخرف القول وابتعادًا عن أي جدل بيزنطي.
ذلك أنه إن جاز الجدل في هذا في الدول الأخرى، فلا يجوز في الدول العربية، لأنها صاحبة حضارة وتراث عظيم حرم الخمر وسائر ما يضر بالمجتمع، وكان هذا التراث وأهله سائدًا وقائدًا ورائدًا يوم أن التزم به أهله، واليوم وبعد هزيمة العرب لا لشيء سوى تفرقهم واختلافهم وتقليدهم رغم أصالة عقائدهم، لا يجوز لهم الانصراف إلى هذه الصغائر ولو كانت مباحة في عقيدتهم، لأن وصمة العار ما زالت فوق الجبين، بسبب احتلال أبناء القردة لأراضيهم، ولا أطلب الانصراف عن المجادلات في إتلاف الخمر، لضعف في المنطق أو قصور في الحجة.
فكل صبي وصبية من المسلمين، يعلم أن الله لا يحرم إلا الضار بالخلق، ولا مصلحة له في إرهاق الناس، ولهذا امتنع العرب عن شرب الخمور وارتكاب الفواحش، ولم تكن عندهم معمل أبحاث ليدركوا منها أن هذه الأمور ضارة بهم، بل
امتنعوا لأنهم آمنوا بالله رَبًّا، وبمحمد رسولاً، وارتضوا الإسلام دينًا، فكان لزامًا أن يصدقوا الله ورسوله وألا يستدركوا عليه، ويطعنوا في حكمه لأنه خالف أهوءهم.
وكل من زالت عنه الجهالة يعلم أن الأطباء غير المسلمين، اكتشفوا أن الخمر ينتج عنها التهاب في الأعصاب، وتؤدي إلى فقدان الإحساس تدريجيًا، كما تسبب قروحًا جلدية.
وكل منصف من غير المسلمين يدرك أضرار الخمر في النواحي الاجتماعية، ولذلك حرمتها بعض الولايات الأمريكية رغم أن عقائدها تبيح الخمر. وكلنا نرى أعمال السكارى وجرائمهم التي لم تجف آثارها بعد، بل لم يجف مداد الصحف التي نشرت أخبار هذه الجرائم.
إن الغرب الذي نقلده يعلم أن الزنا يورث مرض الزهري والسيلان، وأن جرثومة المرض تصل إلى جدار الأورطي وإلى النخاع الشوكي وإلى العظام، وتؤدي إلى تلف مستديم في المخ، وينتج عن ذلك إما شلل نصفي أو جنون أو وفاة.
ولكن الغرب يمارس الحرية الجنسية، وهي أمر من مظاهر المدنية، وقد أسرف بعض العرب في تقليدهم.
فهل تصبح هذه الفواحش حقائق علمية وأصولاً اجتماعية تجعلنا نطلب توريد بيوت الدعارة إلى الخارج، أو فتحها تحت أسماء أخرى وفي أماكن على الحدود بدلاً من غلقها ومعاقبة أصحابها وأتباعها.
إن المناداة بتسليم الخمور إلى السفارات أو شركات الطيران بمقابل أو بدون مقابل، هو كالمناداة بتوريد الساقطات إلى هذه الأماكن أو غيرها، والمناداة بتوريد المخدرات إلى هذه الأماكن أو غيرها ولا فرق بين الأمرين.
ولسنا ندري هل تقلب الأوضاع فنعترض على إتلاف الخمر، لأن شركة أو سفارة تتعاطاها، أم نعترض على تداول هذه الخمر في السفارات وشركات الطيران، لأن كل أمة تحترم نفسها تجعل غيرها يحترم تقاليدها، وعقائدها، فإذا لم تستطع فأضعف الإيمان ألا تسعى هي إلى الإساءة إلى نفسها، بتقديم الخمر أو غيرها من الموبقات إلى الغير، أجنبيًا كان أم وطنيًا.
إن المنطق يقضي بذلك، وبغيره يظل التناقض الذي أشار إليه النائب العام.