الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدرس الحادي والخمسون بعد المائة
[سورة الإسراء]
مكية، وآياتها مائة وإحدى عشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (1) وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَاّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً (3) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً (4) فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً (8) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9) وأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ
عَذَاباً أَلِيماً (10) وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ
عَجُولاً (11) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً (12) وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً (13) اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14) مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15) وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً (17) مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً (18) وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً (19) كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً (20) انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21) } .
* * *
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُتيت بالبراق - وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه - فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء ثم دخلت فصلّيت فيه ركعتين، ثم خرجت فأتاني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل: أصبت الفطرة، قال: ثم عُرج بي إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل له: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: قد أُرسل إليه، ففُتح لنا فإذا أنا بآدم فرحّب بي ودعا لي بخير، ثم عُرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل له: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل وقد أُرسل إليه؟ قال: قد أُرسل إليه، ففُتح لنا فإذا بابن الخالة يحيى وعيسى فرّحبا بي ودعوا لي بخير، ثم عُرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل له: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل وقد أُرسل إليه؟ قال: قد أُرسل إليه، ففُتح لنا فإذا أنا بيوسف عليه السلام، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحّب بي
ودعا لي بخير، ثم عُرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل له: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل وقد أُرسل إليه؟ قال: قد أُرسل إليه، ففُتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحّب بي ودعا لي بخير ثم يقول الله تعالى: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً
عَلِيّاً} ثم عُرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل فقيل له: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل وقد أُرسل إليه؟ قال: قد بُعث إليه، ففُتح لنا فإذا أنا بهارون فرحًب بي ودعا لي بخير. ثم عُرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل له: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، فقيل وقد بُعث إليه؟ قال: قد بُعث إليه، ففُتح لنا فإذا أنا بموسىعليه السلام فرحب بي ودعا لي بخير ثم عُرج إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل له: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، فقيل وقد بُعث إليه؟ قال: قد بُعث إليه، ففُتح لنا فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، ثم ذُهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا أوراقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيّرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها، قال: فأوحى الله إليّ ما أوحى وفرض عليّ في كل يوم وليلة خمسين صلاة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى قال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا تطيق ذلك،
وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم قال: فرجعت إلى ربي فقلت: أي رب خفف عن أمتي، فحطّ عنيّ خمسًا، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال: ما فعلت؟ فقلت: قد حطّ عني خمسًا، فقال: إن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ويحطً عني خمسً خمسًا، حتى قال: يا محمد هن خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت عشرًا، ومن همّ بسيّئة فلم يعملها لم تكتب، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد
رجعت إلى ربي حتى استحييت» . رواه أحمد، ومسلم.
وفي حديث أبي ذر: «ثم أُدخلت الجنة فإذا فيها حبال اللؤلؤ وإذا تربها المسك» . وفي حديث جابر: «لما كذّبتني قريش حين أسري بي إلى بيت
المقدس، قمت في الحجر فجلّى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» . وعند البيهقي عن سعيد بن المسيب: ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فأخبر أنه أسري به، فافتتن أناس كثير كانوا قد صلّوا معه، قال أبو سلمة: فقال ناس لأبي بكر: هل لك في صاحبك؟ يزعم أنه جاء إلى بييت المقدس ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة! فقال أبو بكر أَوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: فأنا أشهد لئن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: أفتصدقه في أن يأتي الشام في ليلة واحدة ثم يرجع إلى مكة قبل أن يصبح؟ قال: نعم أنا أصدّقه بأبعد من ذلك، أصدّقه بخبر السماء. قال أبو سلمة: فبها سمّي أبو بكر (الصديق) .
وقوله تعالى: {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} ، يعني: التوراة، {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي
إِسْرَائِيلَ أَلَاّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً} ، أي: معبودًا قال مجاهد: شريكًا.
وقوله تعالى: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} .
قال ابن كثير: فيه تهيج وتنبيه على المنبّه، أي: يا سلالة من نجّينا فحملنا مع نوح في السفينة، تشّبهوا بأبيكم، {إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} . وقد ورد في الحديث وفي الأثر من السلف:(أن نوحًا عليه السلام كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله فلهذا سميّ عبدًا شكورًا) .
عن ابن عباس في قوله: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} ، يقول: أعلمناهم. وقال قتادة: قضاه الله على القوم كما تسمعون. وقال ابن عباس: بعث الله عليهم جالوت فجاس خلال ديارهم، وضرب عليهم الخراج والذلّ، فسألوا الله أن يبعث لهم ملكًا يقاتلون في سبيل الله، فبعث الله طالوت فقاتلوا جالوت، فنصر الله بني
إسرائيل وقُتل جلوات بيدي داود، وأرجع الله إلى بني إسرائيل ملكهم.
وعن مجاهد: {فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ} ، قال: بعث ملك فارس ببابل جيشًا وأمّر عليهم بختنصر، فأتوا بني إسرائيل فدمّروهم. وعن ابن عباس قال: بعث عيسى ابن مريم يحيى بن زكريا في اثني عشر من الحواريين يعلّمون الناس، قال: فكان فيما نهاهم عن نكاح ابنة
الأخ، قال: وكانت لملكهم ابنة أخ تعجبه يريد أن يتزوجها، وكانت لها كل يوم حاجة يقضيها، فلما بلغ ذلك أمها قالت لها: إذا دخلت على الملك فسألك حاجتك فقولي: حاجتي أن تذبح لي يحيى بن زكريا، فلما دخلت عليه سألها حاجتها، فقالت: حاجتي أن تذبح يحيى بن زكريا، فقال: سلي غير هذا، فقالت: ما أسألك إلا هذا، قال: فلما أبت عليه دعا يحيى ودعا بطشت فذبحه، فبدرت قطرة من دمه على الأرض، فلم تزل تغلي حتى بعث الله بختنصر عليهم، فجاءته عجوز من بني إسرائيل فدّلته على ذلك الدم، قال: فألقى الله في نفسه أن يقتل على ذلك الدم منهم حتى يسكن فقتل سبعين ألفًا منهم من سنٍّ واحد فسكن.
وعن قتادة: {وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً} ، قال: يدمّروا ما علوا تدميرًا، قال: هو بخنتصّر أبغض خلق الله إليه، فسبى، وقتل، وخرب بيت المقدس وسامهم سوء العذاب. وعن ابن عباس قال: قال الله تبارك وتعالى بعد الأولى والآخرة: {عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} ، قال: فعادوا فسلّط الله عليهم المؤمنين.
وعن قتادة: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} قال: مجلسًا حصورًا. وقال ابن عباس: سجنًا.
قوله عز وجل: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9) وأَنَّ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (10) وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً (11)
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً (12) } .
قال ابن زيد: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ، قال: للتي هي أصوب، هو الصواب، وهو الحق. وعن قتادة:{وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً} ، قال: يدعو على نفسه بما لو استجيب له هلك، أو على خادمه أو على ماله. وعن رفيع بن أبي كثير قال: قال عليّ رضوان الله عليه: سلوا عما شئتم، فقام ابن الكواء فقال: ما السواد الذي في القمر؟ فقال: قاتلك الله هلا سألت عن أمر دينك وآخرتك؟ قال: ذلك محو الليل.
وعن قتادة: قوله: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} أي: منيرة، وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم {لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} قال: جعل سبحًا طويلاً: {وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} ، أي: بيّناه تبيينًا.
قوله عز وجل: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً (13) اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14) مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15) وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً (17) } .
عن ابن عباس: قوله: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} ، قال: عمله وما قدّر عليه فهو ملازمه أينما كان، فزائل معه أينما زال {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً
يَلْقَاهُ مَنشُوراً} قال: هو عمله الذي عمل أحصى عليه فأخرج له يوم القيامة ما كتب عليه من العمل.
{يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} ، قال قتادة: قد عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك، سيقرأ يومئذٍ من لم يكن قارئًا في الدنيا. وعن أبي هريرة قال:(إذا كان يوم القيامة جمع الله تبارك وتعالى نسم الذين ماتوا في الفترة، والمعتوه والأصم والأبكم، والشيوخ الذين جاء الإسلام وقد خرفوا، ثم أرسل رسولاً أن: ادخلوا النار. فيقولون: كيف ولم يأتينا رسول؟ وأيم الله لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا، ثم يرسل إليهم فيطيعه من كان يريد أن يطيعه قبل. قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} ) .
وقوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا} . قال ابن عباس: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} ، قال: بطاعة الله فعصوا. وعن قتادة:
قوله: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ} يقول: أكثر ناس فيها أي: جبابرتها، {فَفَسَقُواْ فِيهَا} عملوا بمعصية الله، {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} وكان يقال: إذا أراد الله بقوم صلاحًا بعث عليهم مصلحًا، وإذا أراد فسادًا بعث عليهم مفسدًا، وإذا أراد أن يهلكها أكثر مترفيها.
وقوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ} ، أي: كعاد وثمود وغيرهم ممن عصى الله وكذّب رسله، {وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً} .
عن قتادة: قوله: {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ} ، يقول: من كان الدنيا همّه وطلبه ونيّته، عجّل الله له فيها ما يشاء ثم اضطره إلى جهنم. قال:{ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً} في نعمة الله، {مَّدْحُوراً} في نقمة الله.
{وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} شكر الله لهم حسناتهم وتجاوز عن سيئاتهم، {كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً} ، أي: منقوصًا، وإن الله عز وجل قسم الدنيا بين البر والفاجر، والآخرة خصوصًا عند ربك للمتقين. وقال ابن جريج:{وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً} ، قال: ممنوعًا.
وقوله تعالى: {انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} ، أي: في الدنيا {وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} . والله أعلم.
* * *