الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَعُلِّلَ فِي الْمِنْهَبِ عَدَمُ الْجَوَازِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْدُمَهُ
(وَالْأَصَحُّ اشْتِرَاطُ لَفْظٍ كَأَعَرْتُكَ أَوْ أَعِرْنِي، وَيَكْفِي لَفْظُ أَحَدِهِمَا مَعَ فِعْلِ الْآخَرِ) كَمَا فِي إبَاحَةِ الطَّعَامِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ مَا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَفْظٌ حَتَّى لَوْ أَعْطَى عَارِيًّا قَمِيصًا فَلَبِسَهُ تَمَّتْ الْإِعَارَةُ، وَكَذَا لَوْ فَرَشَ لِضَيْفِهِ بِسَاطًا لِمَنْ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ إعَارَةً لِمَنْ جَلَسَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الْمُسْتَعِيرِ اهـ. (وَلَوْ قَالَ: أَعَرْتُكَهُ) أَيْ حِمَارِي مَثَلًا (لِتَعْلِفَهُ) بِعَلَفِك، (أَوْ لِتُعِيرَنِي فَرَسَك فَهُوَ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ تُوجِبُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ) ، أَيْ بَعْدَ الْقَبْضِ مُدَّةَ الْإِمْسَاكِ، وَقِيلَ: هُوَ إعَارَةٌ فَاسِدَةٌ، وَهَذَا نَاظِرٌ إلَى اللَّفْظِ وَفَسَادِهِ لِذِكْرِ الْعِوَضِ، الْأَوَّلُ نَاظِرٌ إلَى الْمَعْنَى، وَفَسَادِهِ لِجَهَالَةِ الْمُدَّةِ وَالْعَلَفِ. وَلَوْ قَالَ: أَعَرْتُك هَذِهِ الدَّارَ شَهْرًا مِنْ الْيَوْمِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ لِتُعِيرَنِي ثَوْبَك شَهْرًا مِنْ الْيَوْمِ فَهَلْ هِيَ إجَارَةٌ صَحِيحَةٌ أَوْ إعَارَةٌ فَاسِدَةٌ؟ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِاللَّفْظِ أَوْ بِالْمَعْنَى.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ الْفَسَادِ فِي أَعَرْتُكَهُ لِتَعْلِفَهُ أَنْ يَكُونَ الْعَلَفُ فِي الْإِعَارَةِ عَلَى الْمَالِكِ، وَمِثْلُهُ طَعَامُ الرَّقِيقِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْبَيَانِ عَنْ الصَّيْمَرِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: عَلَى الْمُسْتَعِيرِ عَلَفُ الدَّابَّةِ وَسَقْيُهَا، وَطَعَامُ الْعِيدِ
ــ
[حاشية قليوبي]
اسْتِهْلَاكِهَا، وَبِذَلِكَ فَارَقَ نَحْوَ الثَّوْبِ، وَخَرَجَ بِهِ اسْتِهْلَاكُ عَيْنٍ مِنْهَا فَتَصِحُّ إعَارَةُ شَجَرَةٍ لِأَخْذِ ثَمَرِهَا، وَشَاةٍ لِأَخْذِ لَبَنِهَا، وَدَوَاةٍ لِلْكِتَابَةِ مِنْهَا، وَهَذِهِ الْأَعْيَانُ مَأْخُوذَةٌ بِالْإِبَاحَةِ. وَالْمُعَارُ مَحَالُّهَا عَلَى الرَّاجِحِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ رَجَعَ الْمُعِيرُ قَبْلَ الِانْتِفَاعِ بِالْمَذْكُورَاتِ ضَمِنَهَا الْمُنْتَفِعُ، وَلَوْ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالرُّجُوعِ كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ كَذَا قَالُوا، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْعَارِيَّةِ لَيْسَ فِيهِ إبَاحَةُ عَيْنٍ، وَلَا تَصِحُّ الْإِبَاحَةُ بِهِ فَإِنْ كَانَتْ الْإِبَاحَةُ صَدَرَتْ قُبِلَ بِشَرْطِهَا فَهُوَ مُحْتَمَلٌ فَتَأَمَّلْ، وَتَصِحُّ إعَارَةُ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَلَوْ مِنْ نَجَاسَةٍ، وَالذَّاهِبُ مِنْهُ كَانْمِحَاقِ الثَّوْبِ نَعَمْ إنْ تَنَجَّسَ الْمَاءُ لِقِلَّتِهِ لَمْ يَصِحَّ قَالَهُ شَيْخُنَا، وَالْوَجْهُ خِلَافُهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا لِخِدْمَةِ ذَكَرٍ) وَمِثْلُهَا الْأَمْرُ وَلَوْ لِمَنْ لَا يُعْرَفُ بِالْفُجُورِ أَوْ عِنْدَهُ حَلِيلَةٌ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (غَيْرِ مَحْرَمٍ) إلَّا إنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ إلَى خِدْمَتِهِ. قَوْلُهُ: (فَتَجُوزُ) أَيْ فِيهِمَا، وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ فَجَوَّزَهُ فِي الصَّغِيرَةِ لَا فِي الْقَبِيحَةِ كَالْإِسْنَوِيِّ، وَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ مُسْلِمَةٍ لِكَافِرَةٍ لِحُرْمَةِ نَظَرِهَا، وَلَا يَصِحُّ كَوْنُ الْخُنْثَى مُعِيرًا وَلَا مُسْتَعِيرًا وَإِعَارَةُ عَبْدٍ لِامْرَأَةٍ كَعَكْسِهِ. قَوْلُهُ:(الْفَسَادُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ، قَالَ شَيْخُنَا: وَتَجِبُ الْأُجْرَةُ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَكَذَا يُكْرَهُ أَنْ يَسْتَعِيرَ الْوَلَدُ وَالِدَهُ إلَّا لِتَرَفُّهِهِ، وَالْإِعَارَةُ كَالِاسْتِعَارَةِ وَلَوْ مِنْ أَصْلِهِ لَهُ، نَعَمْ إنَّ خِدْمَةَ أَصْلِهِ بِغَيْرِ طَلَبِهِ لَمْ يُكْرَهْ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ إعَانَةٌ عَلَى مَكْرُوهٍ وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا، وَيَدُلُّ لَهَا قَوْلُ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ: إنَّهَا لَيْسَتْ عَارِيَّةً حَقِيقَةً، وَعَلَيْهَا يُحْمَلُ مَا فِي الْمَنْهَجِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ:(وَيُكْرَهُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْكَرَاهَةِ وَالْحُرْمَةِ هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَقْدِ، وَأَمَّا خِدْمَةُ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ فَحَرَامٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ بِعَقْدٍ أَوْ بِغَيْرِ عَقْدٍ كَمَا صَرَّحُوا بِهَا فِي بَابِ الْجِزْيَةِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ إلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ، وَأَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ بِقَوْلِ الرَّوْضَةِ: الْأَصَحُّ الْجَوَازُ أَيْ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَفِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِعَدَمِ ذِكْرِ الْخِلَافِ هُنَا، وَتَعْلِيلُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ حُرْمَةُ الْعَقْدِ الْمَذْكُورَةُ عَنْ الْجُرْجَانِيِّ وَآخَرِينَ بِحُرْمَةِ الْخِدْمَةِ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ جَوَازُهَا وَلَا وُجُودُهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ جَوَازِ عَقْدِهَا، وَلَا يُمَكَّنُ الْكَافِرُ مِنْ اسْتِخْدَامِ الْمُسْلِمِ، بَلْ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْهُ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ. وَيَسْتَنِيبُ الْمُسْلِمُ كَافِرًا يَقُومُ عَنْهُ بِهَا فِي غَيْرِهَا، فَقَوْلُ شَيْخِنَا بِجَوَازِ الْخِدْمَةِ هُنَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فَرَاجِعْ وَحَرِّرْ. وَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ سِلَاحٍ لِحَرْبِيٍّ وَنَحْوِ مُصْحَفٍ لِكَافِرٍ، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ الصِّحَّةُ فِيهِمَا مَعَ الْحُرْمَةِ، وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا وَهُوَ الْوَجْهُ. وَلَا يَصِحُّ إعَارَةُ صَيْدٍ لِمُحْرِمٍ، تَنْبِيهٌ: لَوْ اسْتَعَارَ كِتَابَ عِلْمٍ أَوْ مُصْحَفًا أَوْ كِتَابَ حَدِيثٍ فَوَجَدَ فِيهِ خَطَأً وَجَبَ إصْلَاحُهُ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مُطْلَقًا، وَكَذَا فِي غَيْرِهِمَا إنْ كَانَ وَقْفًا وَإِلَّا جَازَ ظَاهِرُهُ، وَلَوْ مَنَعَهُ مَالِكُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَا يَجُوزُ إلَّا بِرِضَا مَالِكِهِ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ وَالْوُجُوبِ فِي خَطٍّ مُنَاسِبٍ لِذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا فِي الْجَمِيعِ.
قَوْلُهُ: (لَفْظُ أَحَدِهِمَا مَعَ فِعْلِ الْآخَرِ) فَلَا يَكْفِي سُكُوتُ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ، وَلَا الْفِعْلُ مِنْهُمَا إلَّا فِي نَحْوِ ظَرْفِ مَبِيعٍ أَوْ هَدِيَّةٍ جَرَتْ عَادَةٌ بِهِ، وَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْمُعَارِ فَيَكْفِي خُذْ مِنْ دَوَابِّي مَا شِئْت، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْفَوْرُ فِي الْقَبُولِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْعَقْدَ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، وَكَوْنُ الْعَارِيَّةِ مِنْ الْإِبَاحَةِ مِنْ حَيْثُ جَوَازُ الِانْتِفَاعِ، وَلِذَلِكَ صَحَّتْ بِلَفْظِ الْإِبَاحَةِ. قَوْلُهُ:(حَتَّى لَوْ أَعْطَى إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ إبَاحَةٌ فِيهِمَا.
فَرْعٌ: لَوْ قَالَ: احْمِلْ مَتَاعِي عَلَى دَابَّتِك فَفَعَلَ فَهُوَ عَارِيَّةٌ، أَوْ أَعْطِنِي مَتَاعَك لِأَحْمِلَهُ عَلَى دَابَّتِي فَهُوَ وَدِيعَةٌ، وَاسْتُشْكِلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّ فِيهِ تَقَدُّمَ الْقَبُولِ عَلَى الْإِيجَابِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ الْوَدِيعَةِ فِي الثَّانِيَةِ هُوَ الْمَحْمُولُ، وَإِنَّ الدَّابَّةَ مُعَارَةٌ كَالْأُولَى، وَحِينَئِذٍ فَالْمَتَاعُ أَمَانَةٌ فِيهِمَا، وَالدَّابَّةُ مُعَارَةٌ فِيهِمَا فَلَا مُخَالَفَةَ. قَوْلُهُ:(بِعَلَفِك) لَيْسَ قَيْدًا فَبِعَلَفِي كَذَلِكَ لِجَهَالَةِ الْفِعْلِ، وَتَقْيِيدُهُ بِهِ لِأَجْلِ التَّنْبِيهِ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ فِيمَا ذَكَرَهُ لِيَأْتِيَ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ. قَوْلُهُ:(هِيَ إجَارَةٌ صَحِيحَةٌ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَا يَضُرُّ فِيهَا جَهَالَةُ الْعَمَلِ كَالتَّقْدِيمِ لِلدَّابَّةِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ فَهُوَ مُغْتَفَرٌ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْمَالِكِ) وَهُوَ كَذَلِكَ، فَلَوْ عَلَفَهَا الْمُسْتَعِيرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَّا إنْ
ــ
[حاشية عميرة]
يُوَكِّلَ امْرَأَةً فِي اسْتِخْدَامِهَا.
[إعَارَةُ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ]
قَوْلُهُ: (وَعُلِّلَ إلَخْ) يُرِيدُ بِهَذَا أَنَّ مَنْعَهُ بِقَرِينَةِ التَّعْلِيلِ خَاصٌّ بِالْإِعَارَةِ لِلْخِدْمَةِ، وَلِهَذَا جَمَعَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فَقَالَ: التَّحْرِيمُ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْخِدْمَةِ وَالْكَرَاهَةُ عَلَى غَيْرِهَا.
فَرْعٌ: يَحْرُمُ إعَارَةُ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ، وَلَوْ فَعَلَ حَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ الْإِرْسَالُ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ هُوَ إعَارَةٌ فَاسِدَةٌ) قَضِيَّتُهُ أَنْ لَا يَجِبَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى هَذَا، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمَطْلَبِ وَاسْتَبْعَدَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَبْذُلْ الْمَنْفَعَةَ مَجَّانًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَإِنْ تَلِفَتْ) كُلًّا أَوْ بَعْضًا، وَلَوْ اسْتَعَارَ عَبْدًا
وَشَرَابُهُ
(وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ) لِلْعَارِيَّةِ (عَلَى الْمُسْتَعِيرِ) مِنْ الْمَالِكِ أَوْ الْمُسْتَأْجِرِ إنْ رُدَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ رُدَّ عَلَى الْمَالِكِ فَالْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ رَدَّ عَلَيْهِ الْمُسْتَأْجَرَ
(فَإِنْ تَلِفَتْ لَا بِاسْتِعْمَالٍ ضَمِنَهَا، وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ) قَالَ النَّبِيُّ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» . «وَقَالَ فِي أَدْرُعٍ أَخَذَهَا مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ: عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَسَيَأْتِي أَنَّهَا تُضْمَنُ بِقِيمَةِ يَوْمَ التَّلَفِ، وَتَلَفُ بَعْضِهَا مَضْمُونٌ.
وَقِيلَ: لَا كَتَلَفِهِ بِالِاسْتِعْمَالِ، (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا يَنْمَحِقُ) مِنْ الثِّيَابِ. (أَوْ يَنْسَحِقُ بِالِاسْتِعْمَالِ) . وَالثَّانِي: يَضْمَنُهُمَا. (وَالثَّالِثُ: يَضْمَنُ الْمُنْمَحِقَ) أَيْ الْبَالِيَ دُونَ الْمُنْسَحِقِ أَيْ التَّالِفِ بَعْضِ أَجْزَائِهِ، وُجِّهَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ مَا بِهِمَا حَدَثَ عَنْ سَبَبٍ مَأْذُونٍ فِيهِ، وَالثَّانِي قَالَ: حَقُّ الْعَارِيَّةِ أَنْ تُرَدَّ، وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا فِي الْأَوَّلِ فَتُضْمَنُ فِي آخِرِ حَالَاتِ التَّقْوِيمِ، وَفَاتَ رَدُّ بَعْضِهَا فِي الثَّانِي فَيَضْمَنُ بَدَلَهُ، وَالثَّالِثُ فَرَقَ بِوُجُودِ مَرْدُودٍ فِي الثَّانِي
ــ
[حاشية قليوبي]
عَلَفَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ أَوْ إشْهَادٍ، وَشَمِلَ ذَلِكَ مَا لَوْ اسْتَعَارَ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ الْمُسْلِمَةَ لَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا مِنْ سَيِّدِهَا فَمُؤْنَتُهَا عَلَى السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ اسْتَحَقَّ مَنْفَعَتَهَا بِالْإِعَارَةِ، وَلَوْ اسْتَعَارَ زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ صَحَّ كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهَا فِي إعَارَةِ نَفْسِهَا لِغَيْرِهِ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ فِيهِمَا، وَيُتَّجَهُ أَنَّهُ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا كَمَا لَوْ سَافَرَتْ لِغَرَضِهَا وَحْدَهَا قَالَهُ شَيْخُنَا وَفِيهِ نَظَرٌ لِعَدَمِ خُرُوجِهَا هُنَا، وَهَلْ تَبْطُلُ الْعَارِيَّةُ إذَا طَلَّقَهَا؟ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ:(وَقَالَ الْقَاضِي) هُوَ مَرْجُوحٌ. فُرُوعٌ: الضَّمَانُ الْوَاقِعُ فِي بِلَادِ الرِّيفِ تَقَدَّمَ فِي الشَّرِكَةِ فَرَاجِعْهُ، وَلَوْ أَعْطَى دِرْهَمًا لِمَنْ يَسْقِيهِ أَوْ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَسْقِيَهُ بِعِوَضٍ أَوْ مُطْلَقًا نَظَرًا إلَى أَنَّ الْغَالِبَ الْعِوَضُ فَأَعْطَاهُ الْمَاءَ فِي ظَرْفٍ، فَالظَّرْفُ مَأْخُوذٌ بِالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ فَهُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ، وَالْمَاءُ مَأْخُوذٌ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَهُوَ مَضْمُونٌ إنْ كَانَ بِقَدْرِ مَا يَشْتَرِيهِ، فَإِنْ زَادَ فَالزَّائِدُ أَمَانَةٌ فَلَا يَضْمَنُهُ وَلَوْ سَقَاهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ لَمْ يَضْمَنْ الْمَاءَ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ، وَيُضَمُّ الظَّرْفُ؛ لِأَنَّهُ مُعَارٌ، فَلَوْ كَانُوا جَمَاعَةً فَفِي الْعَارِيَّةِ يَضْمَنُ الْكُلَّ وَالْقَرَارُ عَلَى مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ التَّلَفُ، وَفِي الْإِجَارَةِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا فَاسِدَةٌ بِأَنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ أَوْ قَصَرَ كَأَنْ وَضَعَهُ فِي غَيْرِ مِلْكِ الْمَالِكِ أَوْ فِيهِ فِي مَحَلٍّ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِوَضْعِهِ فِيهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ أَعْطَى سَائِلًا مَثَلًا طَعَامًا فِي إنَاءٍ لِأَكْلِهِ مَثَلًا، وَمِثْلُهُ إعْطَاءُ دَوَاةٍ لِيَكْتُبَ مِنْهَا، أَوْ مُكْحُلَةٍ لِيَكْتَحِلَ مِنْهَا، أَوْ أَقْلَامًا لِيَكْتُبَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، أَوْ كِتَابًا لِيَنْسَخَ مِنْهُ، أَوْ مُصْحَفًا كَذَلِكَ، أَوْ قِنْدِيلًا لِيَسْتَضِيءَ بِهِ، وَكُلُّ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ مَا شُرِطَ أَمَانَةٌ كَبَقِيَّةِ الْمَاءِ، وَلَوْ دَفَعَ إلَى بَيَّاعٍ أَوْ طَبَّاخٍ مَثَلًا ظَرْفًا لِيَضَعَ لَهُ فِيهِ مَا يَشْتَرِيهِ فَوَضَعَهُ فِيهِ فَتَلِفَ الظَّرْفُ، فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مُعَيَّنًا أَوْ أَفْرَزَهُ بِنَحْوِ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ لَمْ يَضْمَنْ الظَّرْفَ وَإِلَّا ضَمِنَهُ، وَلَوْ دَفَعَ لَهُ الثَّمَنَ فَوَجَدَهُ زَائِدًا عَدَدًا أَوْ كَيْلًا أَوْ غَيْرَهُمَا ضَمِنَ الزَّائِدَ؛ لِأَنَّهُ أُخِذَ لِغَرَضِ نَفْسِهِ كَالْمُقْتَرِضِ، وَلَوْ وُجِدَ فِي الطَّعَامِ بَعْدَ وَضْعِهِ فِي الظَّرْفِ نَحْوَ فَأْرَةٍ وَادَّعَى كُلٌّ أَنَّهَا كَانَتْ فِي ظَرْفِ الْآخَرِ، صُدِّقَ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعِي الصِّحَّةَ، وَلَوْ اشْتَرَى نَحْوَ سَمْنٍ مِنْ ظَرْفَيْنِ مِنْ شَخْصَيْنِ وَوَجَدَ فِي أَحَدِهِمَا نَجَاسَةً وَاشْتَبَهَ، نَقُولُ لَهُ: اجْتَهِدْ وَاعْمَلْ بِاجْتِهَادِك، فَإِنْ تَحَيَّرَ قُلْنَا لَهُ: نَحْنُ مُفْتُونَ لَا مُجْبِرُونَ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه.
قَوْلُهُ: (وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ) وَيَجِبُ الرَّدُّ فَوْرًا مَتَى بَطَلَتْ الْعَارِيَّةُ، فَإِنْ أَخَّرَ لَزِمَهُ الْأُجْرَةُ مَعَ مُؤْنَةِ الرَّدِّ وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ إنْ قَصَرَ، وَلَهُ الرُّكُوبُ فِي الرَّدِّ، وَإِنْ لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ لِلُزُومِهِ لَهُ وَيَبْرَأُ بِهِ إنْ وَصَلَتْ إلَى الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ أَوْ لِمَحَلِّ أَخْذِهَا مِنْهُ إنْ عَلِمَ بِهَا الْمَالِكُ وَلَوْ بِخَبَرِ ثِقَةٍ. قَوْلُهُ:(فَإِنْ رَدَّ عَلَى الْمَالِكِ) أَيْ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُدَّةِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ رَدُّهَا لَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُسْتَأْجِرِ لِفَوَاتِ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَزِمَتْ مُؤْنَةُ الرَّدِّ فِي الْعَارِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا إحْسَانٌ، فَلَوْ لَمْ تُجْعَلْ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ لَرُبَّمَا امْتَنَعَ النَّاسُ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَلِفَتْ) وَلَوْ بِإِتْلَافِ الْمَالِكِ بِنَحْوِ صِيَالٍ. قَوْلُهُ: (لَا بِاسْتِعْمَالٍ) أَيْ مَأْذُونٍ فِيهِ، وَمِثْلُ الْمَأْذُونِ فِيهِ عَقْرُهَا وَعَرَجُهَا وَعُثُورُهَا بِثِقَلِ حَمْلٍ أُذِنَ فِيهِ، وَيُصَدَّقُ الْمُسْتَعِيرُ فِي دَعْوَى تَلَفِهَا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ عَكْسُ مَا لَوْ أَقَامَا بِبِنْتَيْنِ. قَوْلُهُ:(ضَمِنَهَا) وَإِنْ شَرَطَ أَنَّهَا أَمَانَةٌ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُفْسِدٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَشُرِطَ رَهْنٌ بِهَا أَوْ ضَمَانُهُ لَهَا بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ كَذَلِكَ، وَشُرِطَ أَنْ لَا ضَمَانَ فَاسِدَ لَا مُفْسِدٌ، وَيَضْمَنُ نَحْوَ إكَافِهَا أَيْضًا وَلَا يَضْمَنُ وَلَدُهَا الْمَوْجُودَ حَالَ الْعَارِيَّةِ وَإِنْ صَرَّحَ بِاسْتِعَارَتِهِ، إلَّا إنْ اسْتَحْفَظَهُ عَلَيْهِ أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، أَوْ كَانَتْ أُمُّهُ لَا تَمْشِي إلَّا بِهِ كَذَا عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَلَوْ وَلَدَتْ حَالَ الْعَارِيَّةِ فَالْوَلَدُ أَمَانَةٌ شَرْعِيَّةٌ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ إنْ تَمَكَّنَ وَيَضْمَنُهُ إنْ قَصَّرَ، وَلَا يَضْمَنُ ثِيَابَ رَقِيقٍ وَلَا جِلْدَ أُضْحِيَّةٍ مَنْذُورَةٍ كَالنَّاذِرِ وَلَا مُسْتَعَارًا لِلرَّهْنِ، وَلَا صَيْدًا مُسْتَعَارًا مِنْ مُحْرِمٍ، وَعَكْسُهُ يَضْمَنُ الْجَزَاءَ وَالْقِيمَةَ، وَلَا كِتَابًا وَقْفًا عَلَى طَائِفَةٍ هُوَ مِنْهُمْ، وَلَا مَا أَخَذَهُ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَلَهُ فِيهِ حَقٌّ، وَالْحُكْمُ بِأَنَّ هَذَا مِنْ الْعَارِيَّةِ مَجَازٌ. قَوْلُهُ:(فِي أَدْرُعٍ) بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ أَوْ مُعْجَمَةٍ جَمْعُ دِرْعٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ. قَوْلُهُ: (بِقِيمَةِ يَوْمِ التَّلَفِ) وَلَوْ مِثْلِيَّةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْمِثْلِ يُؤَدِّي إلَى ضَمَانِ مَا تَلِفَ بِالِانْتِفَاعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ. قَوْلُهُ: (مَضْمُونٌ) أَيْ بِمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا عَلَى وِزَانِ مَا قَبْلَهُ قَوْلُهُ: (مِنْ الثِّيَابِ) وَمِنْهُ أَوْ مِثْلُهَا نَحْوُ سَرْجِ فَرَسٍ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي إعَارَتِهَا لِتَوَقُّفِ انْتِفَاعِهِ عَلَيْهِ، وَشَمِلَ مَا ذُكِرَ مَا لَوْ لَمْ يَبْقَ فِي الْبَاقِي مَنْفَعَةٌ أَوْ تَلِفَ
ــ
[حاشية عميرة]
وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ لَمْ يَضْمَنْهَا بِخِلَافِ سَرْجِ الدَّابَّةِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِالِاسْتِعْمَالِ) قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَضْمَنُ إلَّا بِالتَّعَدِّي وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَنَا.
فَرْعٌ: لَوْ أَعَارَهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا ضَمَانَ لَغَا الشَّرْطُ وَصَحَّ الْعَقْدُ، كَمَا لَوْ أَقْرَضَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَرُدَّ مُكَسَّرًا عَنْ صَحِيحٍ. قَوْلُهُ:(يَضْمَنُهُمَا) أَيْ لِإِطْلَاقِ حَدِيثِ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» كَذَا عَلَّلَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَعَلَّلَهُ الشَّارِحُ بِمَا سَيَأْتِي.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ الثَّالِثُ أَضْعَفُ مِنْ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بَعْدَ الْمُنْمَحِقِ. قَوْلُهُ: (أَيْ الْبَالِيَ) عِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ الِانْمِحَاقُ هُوَ التَّلَفُ بِالْكُلِّيَّةِ، مِثْلُ أَنْ يَلْبَسَهَا إلَى أَنْ تُبْلَى، وَالِانْسِحَاقُ هُوَ النُّقْصَانُ.
قَالَ: وَتَلَفُ الدَّابَّةِ بِالرُّكُوبِ وَالْحَمْلِ إلَّا الْمُعْتَادَ كَالِانْمِحَاقِ، وَعَرَقُهَا وَعَرَجُهَا كَالِانْسِحَاقِ. قَوْلُهُ:(فَتُضْمَنُ فِي آخِرِ إلَخْ) يَعْنِي آخِرَ حَالَةٍ يُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ فِيهَا، وَمُقَابِلُهُ يَضْمَنُهَا كُلَّهَا.
دُونَ الْأَوَّلِ، وَنَشَأَ الثَّالِثُ الْمَزِيدُ عَلَى الْمُحَرَّرِ مِنْ جَمْعِ الْمَسْأَلَتَيْنِ
(وَالْمُسْتَعِيرُ مِنْ مُسْتَأْجِرٍ لَا يَضْمَنُ) التَّالِفَ (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُهُ، وَهُوَ لَا يَضْمَنُ. وَالثَّانِي قَالَ: يَضْمَنُ كَالْمُسْتَعِيرِ مِنْ الْمَالِكِ
(وَلَوْ تَلِفَتْ دَابَّتُهُ فِي يَدِ وَكِيلٍ بَعَثَهُ فِي شُغْلِهِ، أَوْ فِي يَدِ مَنْ سَلَّمَهَا إلَيْهِ لِيُرَوِّضَهَا) أَيْ يُعَلِّمَهَا، (فَلَا ضَمَانَ) عَلَى الْوَكِيلِ أَوْ الرَّائِضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا لِغَرَضِ نَفْسِهِ فَلَيْسَ مُسْتَعِيرًا
(وَلَهُ) أَيْ لِلْمُسْتَعِيرِ (الِانْتِفَاعُ بِحَسَبِ الْإِذْنِ، فَإِنْ أَعَارَهُ لِزِرَاعَةِ حِنْطَةٍ زَرَعَهَا، وَمِثْلَهَا) وَدُونَهَا فِي ضَرَرِ الْأَرْضِ (إنْ لَمْ يَنْهَهُ) عَنْ غَيْرِهَا، فَإِنْ نَهَاهُ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَرْعُهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ مَا فَوْقَهَا كَالذُّرَةِ وَالْقُطْنِ، (أَوْ الشَّعِيرِ لَمْ يَزْرَعْ مَا فَوْقَهُ كَحِنْطَةٍ) فَإِنَّ ضَرَرَهَا فَوْقَ ضَرَرِهِ، (وَلَوْ أَطْلَقَ الزِّرَاعَةَ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ وَيَزْرَعُ مَا شَاءَ) لِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ لِتَفَاوُتِ الضَّرَرِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَوْ قِيلَ: يَصِحُّ وَلَا يَزْرَعُ إلَّا أَقَلَّ الْأَنْوَاعِ ضَرَرًا لَكَانَ مَذْهَبًا، وَسَكَتَ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ.
(وَإِذَا اسْتَعَارَ لِبِنَاءٍ أَوْ غَرْسٍ فَلَهُ الزَّرْعُ، وَلَا عَكْسُ) ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُمَا أَكْثَرُ، (وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَغْرِسُ مُسْتَعِيرٌ لِبِنَاءٍ، وَكَذَا الْعَكْسُ) لِاخْتِلَافِ جِنْسِ الضَّرَرِ، إذْ ضَرَرُ الْبِنَاءِ فِي ظَاهِرِ الْأَرْضِ أَكْثَرُ، وَضَرَرُ الْغِرَاسِ فِي بَاطِنِهَا أَكْثَرُ لِانْتِشَارِ عُرُوقٍ، وَالثَّانِي يَجُوزُ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ لِلتَّأْبِيدِ
(وَ) الصَّحِيحُ (أَنَّهُ لَا تَصِحُّ إعَارَةُ الْأَرْضِ مُطْلَقَةً، بَلْ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ نَوْعِ الْمَنْفَعَةِ) مِنْ زَرْعٍ أَوْ غَيْرِهِ كَالْإِجَارَةِ، وَالثَّانِي يَصِحُّ، وَيُحْتَمَلُ فِيهَا مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الْإِجَارَةِ، وَيَنْتَفِعُ بِهَا كَيْفَ شَاءَ.
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: يَنْتَفِعُ بِمَا هُوَ الْعَادَةُ فِيهَا. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَذَا أَحْسَنُ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ. وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ قَالَ: أَعَرْتُكهَا لِتَنْتَفِعَ بِهَا كَيْفَ شَاءَ.
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ، يَنْتَفِعُ بِمَا هُوَ الْعَادَةُ فِيهَا. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَذَا أَحْسَنُ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ قَالَ: أَعَرْتُكهَا لِتَنْتَفِعَ بِهَا كَيْفَ شِئْت فَوَجْهَانِ، يُؤْخَذُ تَصْحِيحُ الصِّحَّةِ مِنْ نَظِيرِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْإِجَارَةِ، وَكَالْأَرْضِ فِيمَا ذُكِرَ الدَّابَّةُ تَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ وَالْحَمْلِ، أَمَّا مَا يُنْتَفَعُ بِهِ بِوَجْهٍ وَاحِدٍ كَالْبِسَاطِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلْفَرْشِ، فَلَا حَاجَةَ فِي إعَارَتِهِ إلَى بَيَانِ الِانْتِفَاعِ
ــ
[حاشية قليوبي]
جَمِيعُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمِثْلُهُ مَاءُ الْوُضُوءِ وَنَحْوُهُ. قَوْلُهُ:(الْمَزِيدُ عَلَى الْمُحَرَّرِ) وَعَلَى الرَّوْضَةِ وَالشَّرْحِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ) أَيْ إجَارَةً صَحِيحَةً ظَاهِرَةً وَلَوْ بَعْدَ التَّعَدِّي فِيهَا مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ، وَيَلْحَقُ بِهِ كُلُّ مَالِكِ مَنْفَعَةٍ كَمُوصًى لَهُ وَمَنْفَعَةٌ هِيَ رَأْسُ مَالٍ، أَوْ صَدَاقٌ، أَوْ مَصَالِحُ بِهَا، أَوْ سَلَمٌ، أَوْ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (دَابَّتُهُ) أَيْ الْمَالِكِ، وَمِثْلُهُ الْمُسْتَعِيرُ حَيْثُ جَازَتْ لَهُ الْإِنَابَةُ. قَوْلُهُ:(يُعَلِّمَهَا) أَيْ السَّيْرَ الَّذِي يَسْتَرِيحُ بِهِ رَاكِبُهَا. قَوْلُهُ: (فَلَا ضَمَانَ) مَا لَمْ يَسْتَعْمِلْهَا فِي غَيْرِ الْمَأْذُونِ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ سَلَّمَهُ عَبْدًا لِيُعَلِّمَهُ حِرْفَةً وَاسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِهَا كَخِدْمَةٍ.
فَرْعٌ: لَوْ اسْتَعَارَ عَبْدَيْنِ مِنْ مَالِكِهِمَا فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَاقْتَصَّ الْمَالِكُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ. قَوْلُهُ:(بِحَسْبِ الْإِذْنِ) أَيْ بِحَسْبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْعُرْفُ فِيهِ، وَمِنْهُ تَكْرَارُ الِانْتِفَاعِ بِنَحْوِ لُبْسِ ثَوْبٍ، وَرُكُوبِ دَابَّةٍ، وَسُكْنَى دَارٍ مَا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَرَّةٍ أَوْ مُدَّةٍ، وَلَوْ عَدَلَ عَنْ الطَّرِيقِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، أَوْ جَاوَزَ مَحَلًّا أُذِنَ لَهُ فِي وُصُولِهِ صَارَ ضَامِنًا وَلَزِمَتْهُ أُجْرَةُ مَا جَاوَزَهُ فَقَطْ، وَلَهُ الرُّكُوبُ فِي الْعَوْدِ مِنْهُ كَمَا مَرَّ قَوْلُهُ:(وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ مَا فَوْقَهَا) وَإِذَا زَرَعَ ذَلِكَ صَارَ مُتَعَدِّيًا وَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَلِلْمَالِكِ قَلْعُهُ مَجَّانًا وَالْعَارِيَّةُ بَاقِيَةٌ فَلَهُ زَرْعُ مَا أُبِيحَ لَهُ بَعْدَ قَلْعِ الْأَوَّلِ.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا مَا يُفْهِمُ خِلَافَهُ فَرَاجِعْهُ، وَلَا يَزْرَعُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا إلَّا بِإِذْنٍ جَدِيدٍ. قَوْلُهُ:(كَحِنْطَةٍ) وَالْقَوْلُ دُونَهَا وَفَوْقَ الشَّعِيرِ. قَوْلُهُ: (مَا شَاءَ) أَيْ مِمَّا اُعْتِيدَ زَرْعُهُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَوْ نَادِرًا أَوْ مُضِرًّا. قَوْلُهُ: (لِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ) بِقَوْلِهِ زُرِعَ
قَوْلُهُ: (لِتَنْتَفِعَ بِهَا كَيْفَ شِئْت) هَذَا تَعْمِيمٌ قَوْلُهُ: (تَصْحِيحُ الصِّحَّةِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ مَا شَاءَ جَزْمًا، وَقَيَّدَهُ شَيْخُنَا بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ كَالْإِطْلَاقِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَا يَجُوزُ دَفْنُ الْمَيِّتِ إلَّا بِالنَّصِّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ:(يُنْتَفَعُ بِهِ بِوَجْهٍ وَاحِدٍ) وَكَذَا مَا الْمَقْصُودُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَجْهٌ وَاحِدٌ.
ــ
[حاشية عميرة]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْمُسْتَعِيرُ مِنْ مُسْتَأْجِرٍ) لَوْ كَانَ هَذَا الْمُسْتَأْجِرُ مُسْتَأْجِرًا مِنْ غَاصِبٍ، وَتَلِفَتْ الْعَيْنُ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ رَجَعَ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَهُوَ يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (زَرَعَهَا وَمِثْلَهَا) تَعَرَّضَ هُنَا لِمَا يَجُوزُ، وَتَرَكَ مَا لَا يَجُوزُ، وَعُكِسَ فِي الشَّعِيرِ إحَالَةٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ.
فَرْعٌ: لَوْ فَعَلَ مَا مُنِعَ مِنْهُ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الْمُتَّجَهُ أَنَّ عَلَيْهِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، لَا مَا زَادَ عَلَى الْمُسَمَّى مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ بِعُدُولِهِ عَنْ الْمُسْتَحَقِّ لَهُ كَالرَّادِّ لِمَا أُبِيحَ لَهُ، وَرَجَّحَ السُّبْكِيُّ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ عِنْدَهُ لَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ. قَوْلُ الْمَتْنِ:(وَلَوْ أَطْلَقَ الزِّرَاعَةَ) صُورَةُ الْإِطْلَاقِ أَنْ يَقُولَ: لِتَزْرَعْ مَا شِئْت فَهُوَ عَامٌّ. فَيَزْرَعُ مَا شَاءَ، وَلَا يَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ.
قَوْلُهُ: (وَيُحْتَمَلُ فِيهَا) أَيْ؛ لِأَنَّهَا مَكْرَمَةٌ وَمَعُونَةٌ، وَأَيْضًا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ. قَوْلُهُ:(كَيْفَ شَاءَ) قَالَ الرَّافِعِيُّ: إلَّا دَفْنَ الْمَوْتَى؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اللُّزُومِ، أَيْ فَلَا يُسْتَفَادُ إلَّا بِالنَّصِّ عَلَيْهِ. أَقُولُ: وَهَذَا يَجْرِي فِي مَسْأَلَةِ الشَّارِحِ الْآتِيَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.