الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"
لا يبني مستقبل الامّة إلا الأمّة
"*
-
1
-
أي أبنائي!
إني أنا الأم الولود المنجبة
…
للطرف الغرّ الحسان المعجبة
...... فلم غدت محاسني محجبة؟ ......
ولدت الغرّ الميامين، من آبائكم الأولين، فأوسعوني برًّا وتكرمة، وكافأوني وفاءً وإحسانًا. وفد عليّ الإسلام فكنت له حصنًا، ووفدت معه اللغة العربية فقلت لها حسنًا. ثم اتخذتهما مفخرتي دهري، ووضعتهما بين سحري ونحري، وأقسمت أن أتلقب بهما طول عمري. ألا لستم لي حتى ترعوا عهدي برعاية عهدهما، وتحقّقوا وعدي بالاستماتة في سبيلهما.
أنا الأم، ومن حق الأم أن تسمّي ولدها، وقد سمّيتكم العرب المسلمين وأشهدت التاريخ فسجّل. فلستم مني إن عققتموني بتبديل الاسم أو تفريق المسمّى.
إني قريرة العين بيومكم هذا إذ وسمتموه بوسمي، وسميتموه باسمي، وشرّفتموه بالإسلام، وزنتموه بالعروبة.
"لسان حال الجزائر"
هبّت الأمّة الإسلامية الجزائرية بجميع طبقاتها على تلك الدعوة الجامعة التي أذاعها "الأستاذ عبد الحميد بن باديس" رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والدكتور "ابن جلول" رئيس جمعية النواب بعمالة قسنطينة إلى عقد مؤتمر إسلامي جزائري عام، تُعرض فيه
* جريدة "البصائر"، السنة الأولى، العدد 23، الجمعة 22 ربيع الأول 1355هـ/ 12 جوان 1936م.
مطالب الأمة وحقوقها، وتتبادل فيه الآراء بين علماء الأمة ونوابها وذوي الرأي منها فيما يتفق من هذه المطالب والحقوق مع الأوضاع الحكومية الحاضرة.
هبّت الأمّة كلّها على صوت الداعي فأعلنت يقظتها وشعورها واستعدادها، وتضامنها واتحادها، وساعدها (اعتدال الزمان) على إظهار قواها الكامنة، وعلى انطلاق ألسنتها بالتعبير الواضح عن آلامها، فتجلّت جزائريتها وإسلامها للعيان في يوم مشهود هو يوم 17 ربيع الأول سنة 1355هـ الموافق ليوم 7 جوان 1936، وفي مدينة تاريخية هي مدينة الجزائر، وفي صالة "الماجستيك" الفسيحة.
لم يمض على الجزائر الإسلامية، في تاريخ ارتباطها السياسي بفرنسا، يوم أغرّ محجل، تمثّلت فيه الأمّة روحًا وجسمًا، وتلاشت فيه الفوارق الاعتبارية كهذا اليوم. ففيه التقى، عن فكرة وعقيدة، الجزائري بأخويه القسنطيني والوهراني، وفيه اجتمع- على تلك الفكرة- المصلحون والطرقيون وعلماء الدين ورجال السياسة، والشيوخ والشبان والتجار والفلاحون والعمال، جمعت الكل صفتا الإسلام والجزائرية، ووحّدتهم قسوة الأيام، وألّفت بينهم المحن والهموم، فاندفعت ألسنتهم تعبّر عن رغائب الدين بلغة الدين، وعن رغائب الدنيا بلغة السياسة.
والنقطة التي يلتقي عندها الكل، هي الإسلام والجزائرية، لذلك كان ضروريًا أن يكون مدار البحث على الإسلام ولسانه، والمسلم وحقوقه في الحياة.
…
انعقد المؤتمر برئاسة الزعيم السياسي الدكتور ابن جلول، نائب قسنطينة المالي (1) ومستشارها العمالي (2) ورئيس جمعية نوابها، ومثّل فيه نواب العمالات الثلاث جميع منتخبيهم، ومثّلت فيه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، المعنى العالي الذي هو سمة المؤتمر، وهو الإسلام، فحق أن يقال: إن الأمة الجزائرية كلها حُشرت في هذا المؤتمر، وإن قدرت الجرائد الفرنسية من ضمتهم قاعة المؤتمر بخمسة أو ستة آلاف شخص وحزرناهم نحن بسبعة آلاف أو يزيدون.
سبق يوم المؤتمر يوم تمهيدي بنادي الترقّي اجتمع فيه أنصار المؤتمر من شبّان العمالات الثلاث، قدموا في شكل جمعيات مفوّضة من طبقات الشباب الراقي العامل ليمثّلوا عنصر
1) نسبة إلى المجلس العالي الذي أسّسته فرنسا سنة 1900 بالجزائر، ليشرف على ماليتها، وقد كان بمثابة البرلمان. أُلْغِيَ سنة 1947، وعُوّض بما يسمّى "المجلس الجزائري".
2) نسبةً إلى العَمَالَة وهي المحافظة أو الولاية.
التجديد في الأمّة، ولينصروا المؤتمر ويؤيّدوا النواب ويعينوهم بالقول والعمل، وشاركهم في هذا الاجتماع كثير من نواب العمالات الثلاث أيضًا. وكم كان جميلًا من أولئك الشبان ومن أولئك النواب أن يلوذوا بجمعية العلماء المسلمين، ويسترشدوا بها ويمزجوا رأيها برأيهم، ويظهروا مجتمعين على معنى الوفاء لها والإخلاص لمبادئها والاعتراف بفضلها على هذه الأمّة فيما أيقظت من مشاعر، ونبّهت من إحساسات وجمعت على المصلحة العامة من قلوب!
وكانت الليلة التي أسفر صباحها عن المؤتمر، تمهيدية أيضًا، تقاربت فيها وجوه النظر المختلفة حتى اتفقت، وكانت ليلة بهيجة اجتمعت فيها عناصر القوة الثلاثة: العلماء والنواب والشبان، وتمثلت فيها العمالات الثلاث أكمل تمثيل.
وخلاصة ما استقر عليه الرأي في هذه الليلة، أن المطالب الجزائرية تنقسم إلى قسمين:
قسم لا يختلف فيه نظر ولا يتشعب فيه رأي، لأنه عبارة عن مظالم صريحة وأوضاع شاذة كانت تعامل بها الجزائر بصورة استثنائية، كحرية القول والفكر والكتابة والاجتماع والتنقل والتعليم العربي والمساجد وكرفع القوانين الاستثنائية الشاذة الخ.
وقسم يحتاج إلى تأمل ودقة نظر، وهي الحقوق السياسية، وأشد مسائل هذا القسم تعقيدًا مسألة النيابة في البرلمان.
وقد كانت تغمر المحافل الجزائرية أسماء برامج عتيقة في وضعها أو في معناها، ولكل برنامج أشياع وأنصار، وكان من رأي كاتب هذه الأسطر وجماعة من المفكرين، إلغاء تلك البرامج كلها، لأنها وُضعت في ظروف ضيقة وبُنيت على اعتبارات فردية، وفي بعضها ما لا يتفق مع الرغائب الجزائرية الإسلامية، وفي بعضها ما يتصادم مع الذاتية الجزائرية الإسلامية ووضع برنامج إسلامي جزائري روحًا ومعنًى واسمًا، ينتزع من حالة المسلم الجزائري التي هو عليها الآن، وكان من حسن التوفيق أن رجعت الآراء إلى هذا الرأي، فاجتمع الحاضرون في تلك الليلة التمهيدية على تسمية المؤتمر باسم "المؤتمر الجزائري الإسلامي"، وعلى عدم اعتبار البرامج القديمة أساسًا له، وعلى المطالبة بحقوق المسلم الجزائري السياسية تامة غير منقوصة مع المحافظة التامة على أحواله الشخصية الإسلامية تامة غير منقوصة مع إصلاح الخلل الواقع فيها الآن، وعلى إعطائه حق النيابة في البرلمان على أساس الانتخاب المشترك المتحد بحيث ينتخب المسلمون مع الفرنسيين نائبًا واحدًا سواء كان مسلمًا أو فرنسيًا، وكل مسلم له حق الانتخاب اليوم في المجالس الجزائرية من بلدية وغيرها، له حق الانتخاب في النيابة البرلمانية.
ثم المساواة في الحقوق التي تتبع هذا التساوي في الانتخاب النيابي البرلماني.
وتفاوض الحاضرون في جميع المسائل التي يجب عرضها في المؤتمر وتقديمها باسمه، وفي نظام المؤتمر ومكتبه وخطبائه، فوقع الاتفاق الإجماعي على إسناد رئاسة المؤتمر للزعيم
السياسي الدكتور ابن جلول، وتأليف المكتب من النواب والعلماء والشبان، فمن النواب على الجزائر: الدكتور تامزالي النائب المالي، والدكتور البشير عبد الوهاب النائب العمالي، والسيد محمد الطاهر طيار، والصيدلي عبد الرحمن بوكردنّه، النائبان البلديان.
وعن قسنطينة: السيد عبد الرحمن بن خلاف، والدكتور سعدان، والصيدلي عباس فرحات، النواب العماليون.
وعن وهران: السيد محمد بن سليمان النائب البلدي بتلمسان، ونائب رئيس جمعية النواب بوهران، والدكتور الجيلاني بن التهامي، والسيد محمد لالوت، النائبان البلديان.
وعن العلماء: الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والشيخ محمد البشير الإبراهيمي، والشيخ الطيب العقبي.
وعن الشبان والهيئات الاجتماعية جماعة منهم.
ووقع الاتفاق، على أن يتكلم باسم وهران الدكتور ابن التهامي، فيعلن للمؤتمر تضامن وهران مع العمالتين في جميع المطالب، ويتكلم باسم الجزائر الدكتور عبد الوهاب بمثل ذلك، ويتكلم باسم قسنطينة الصيدلي عباس فرحات، ثم يتعاقب الخطباء.