الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ختم الدروس السنوية «بدار الحديث» *
-
1
-
الدعوة إلى الكتاب الكريم والسنة المطهرة من الأعمال التي تسجّل بماء الذهب لجمعية العلماء على الوطن الجزائري بعد أن قضت عليهما خرافة الطرقية وضعف المنتسبين للعلم عن إدراك حقائقهما.
ولقد سنّ هؤلاء للقرآن سننًا ابتدعوها للانتفاع به وكل أموال الناس باسمه، ولولا ذلك لما بقي يحفظ حتى اليوم.
وأما السنة فلم يبق لها أثر إلا في المجلدات- على قلّتها- عند من يقرأها على سبيل التبرك، ولقد أدركنا من هؤلاء مَن إذا دخل "الطبّالون" داره لمناسبة: كانت "النوبة" الأولى على صحيح البخاري بعد وضعه على كرسي وقيام "المعلمين" وقوفًا إجلالًا لما بين أيديهم، وكأنهم وضعوا لهذا الغرض "نوبة" يتفننون في تأديتها بغير المعتاد.
كما أدركنا مَن إذا ألمّ به ملمّ فزع إلى ضريح الشيخ أبي مدين طالبًا اللطف من الله (قطعًا) على يده بعد أن يقدّم بين يديه سلكة من القرآن (1).
وإنك لَتعجب كل العجب إذا حدّثتك عن صاحبنا: إنه ممن يدرس علم التوحيد، ويقرأ صحيح البخاري بالجامع الأعظم.
أما اليوم وقد عمّت الدعوة القطر كله، وكان حظ تلمسان منها كبيرًا بسبب مَن اختاره الله لها، فقد كثرت دروس التفسير وكتب السنّة حتى من إخواننا الطرقيين الذين كانوا في
* جريدة "البصائر"، العدد 180، 25 أوت 1939، ولعل هذا الوصف بقلم الأستاذ محمد بابا أحمد من تلامذة الشيخ.
1) أي ختمة من القرآن.
غفلة عنهما، مشتغلين بخلواتهم وجلواتهم، وكأنهم شعروا بضعف ما في أيديهم فاغتنموها فرصة أضافوها إلى مذهبهم.
ونحن نتفاءل بهذه الإضافة كيفما كانت، معتقدين قرب اليوم الذي يظهر الله كتابه على سائر الكتب ولو كره المشعوذون.
…
كان يوم الجمعة 17 جمادى الثانية موعدًا لختم سورة إبراهيم- عليه السلام الذي صادف إتمامها العطلة الصيفية بهذا العام، وقد شاركت العمالة الوهرانية في حضوره، وما غربت شمس ذلك اليوم حتى كانت تلمسان تتماوج بزرافات المصلحين الذين ساقهم حادي القرآن إلى الاقتباس من نور هذا الختم الميمون، وما أفل سراج السماء حتى بزغ وجه العلّامة الأستاذ الشيخ عبدالحميد ابن باديس الذي وفد على تلمسان ممثلًا لعمالتي قسنطينة والجزائر في هذا الختم المبارك.
وما دقّت الساعة التاسعة حتى كان باطن «دار الحديث» كظاهرها يتلألآن بنوري الإصلاح والمصباح، وعلى المنصّة من قاعة المحاضرات جلس الشيخان كفرسي رهان في حلبة البيان، محاطين بكواكب العرفان، وبعد أن شخصت الأبصار وخشعت الأصوات دوّى صوت الإبراهيمي مفتتخا لدرسه بقوله: الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين:{هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} .
وقبل أن نتعرض لما التقطناه من جواهر هذا الدرس، أذكر بكل إعجاب ما للهجة الأستاذ في تلاوة الآيات المراد تفسيرها من التأثير على السامعين، لقد تعوّدنا أن نفهم الآيات من تلاوته قبل تفسيره وبيانه الشافي.
ولنقتصر على ما استطعت تقييده من توطئة الدرس معتذرًا بسرعة الأستاذ في التقرير، قال لا فُضَّ فوه: المقارنة بين فاتحة السورة وبين خاتمتها وبين قصّة إبراهيم- عليه السلام تشعرنا بالصلة الوثيقة بين إبراهيم ومحمد- عليهما السلام، إذْ كل منهما قد ابتلي لمحاربة الأوثان وبثّ التوحيد الخالص في البشر.
واستعرض الكثير مما قصه الله علينا من شأن إبراهيم في القرآن، وانه أكثر الأنبياء ذكرًا، وما كثر ذكر شيء في القرآن إلا للاعتبار.
وقد ناضل إبراهيم- عليه السلام في محاربة الأوثان، واستدل بالمكونات على المكوّن إلى أن أعياه أمرها، فهاجر إلى ربّه وترك قومه وما يعبدون، والعبرة الكبرى في نقل إسماعيل- عليه السلام إلى أرض الحجاز، وسكنى إسحاق بأرض كنعان، إذ أخرج الله من صلبيهما فرقتين عظيمتين العرب وبني إسرائيل، وقد جدّد الله لهما دين أبيهما على يد الرسل- عليهم السلام، فأما بنو إسرائيل فقد كانوا يقابلون رسلهم بما قصّه الله علينا في القرآن مثل قوله تعالى:{اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} ، {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا} ، {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} ، زيادة على قتلهم الأنبياء بغير الحق، فكانت العاقبة عليهم وضربت عليهم الذلّة والمسكنة، وأما بنو إسماعيل من العرب فقد آووا ونصروا وأوذوا في نشر الدعوة إلى الله بما هو معلوم، وما دخلت عليهم الدخائل إلا بعد موت محمد صلى الله عليه وسلم على يد علماء السوء من أمته، وبهذه النظرة الملقاة على تاريخ الأمتين يتبين نجاح دعوة محمد- عليه السلام ومحاربته للأوثان، فإنه ما مات حتى هدّمها بيده الشريفة، وطهّر وطنه منها بيد أن إبراهيم- عليه السلام هاجر من أرضها.
ولم يكتف نبيّنا من هدم الأصنام حتى هدّم محبّتها من القلوب، وشيّد بدلها إيمانًا صحيحًا مكانها، ثم عرج الأستاذ على ما وصلت إليه أمة محمد- عليه السلام من انحطاط الأخلاق، وإن السبب الوحيد في هذه الوثنية التي لا تزال القلوب تحنّ إليها هو البعد عن القرآن وما جرّ على المسلمين هذا البلاء الذي ملك عليهم أمر دينهم ودنياهم إلا سكوت علمائهم وضعفهم عن مقاومة الحجّة بالحجّة والدليل بالدليل إلى آخر ما قال، وبعد أن أتمّ الدرس قدّم الأستاذ الشيخ عبد الحميد ابن باديس ليلقي كلمة على الحاضرين، فكانت تلك الكلمة درسًا عظيمًا يجدر بنا أن ننبّه عن نقط هامة من هذا الدرس الجليل. قال - حفظه الله- بعد الحمدلة والتصلية:
هذه كلمة ليست درسًا مستقلًا بنفسه، وإنما هي تتميم لدرس الأخ الأستاذ الإبراهيمي، اقتضاها حديث مجلس دار فيه كلام بيني وبين الإخوان على أن الاسم دليل على المسمّى، واننا كثيرًا ما وجدنا مطابقات بين الاسم والمسمّى، وذلك مطرد حتى في تسمية الأولاد.
وقد عرف العرب هذا، واستشهد بتسمية عبد المطلب لنبيّنا- عليه السلام، وبما قيل له في ذلك وبما أجاب. والقصد من هذا الاستدلال أن المسمىّ للشيء يلاحظ معنى ذلك الاسم.
وإننا نجد في القرآن أسماء الله تعالى من هذا القبيل، كما نجد ذلك في أسماء النبي صلى الله عليه وسلم التي في القرآن والتي في حديث: لي خمسة أسماء الخ الحديث.
ومن تفقّه في أسماء القرآن كان له الحظ العلمي والعملي، ذكّرني هذا قوله تعالى: {هَذَا بَلَاغٌ
…
}، فقد سماه الله كتابًا، وقرآنًا، وفرقانًا، وذكرًا، وبلاغًا، ونورًا.
فتسميته له بالكتاب تنبيه لنا بما في الكتابة والخط من الفوائد لنكون أمّة كاتبة، فإن أول ميزان توزن به الأمة هو ما فيها من النسبة المائوية بين الذين يكتبون والذين لا يكتبون. هذا هو الحظ العلمي، أما العملي فقد نفّذ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في قصّة أسرى بدر.
وتسميته بالقرآن تنبيه لنا بما في القراءة من فوائد بعد معرفة الكتابة، لأنهما الأساسان اللذان تنبني عليهما أمور الدنيا والآخرة.
وتسميته بالفرقان لينبهنا بالعلوم الكونية والعلوية لنفرّق بين الأسباب الشرعية والكونية، أما الذي يكتب ويقرأ ولكنه لا يفقه أسرار الكون فإن كتابته وقراءته حجّتان عليه. وتسميته بالذكر لأنه كتاب غير خارج عن سنّة الوجود، ولأنه يكشف لنا الحجب عما حجب عنا، فمن رام أن يذكر الناس فالقرآن هو الذكر.
وتسميته بالنور لأنه يكشف لنا عن الحقائق المعنوية كما أن النور يكشف عن الحسّيات.
هذه جملة مختصرة على أسماء القرآن وشينا بها هذا الدرس، وهي حظّنا من العلم.
أما حظّنا من العمل فهو فتح هذه المدرسة لأن الدعوة إلى العلم لا يردّها عقل.
إن تلمسان ظُلمت ظلمين: ظُلمتْ بإغلاق مدرستها، وظُلمتْ بعدم إعطاء الرخصة، لقد سلك التلمسانيون السبل المشروعة، أشهد أنهم قد أدّوا واجبهم في دائرة القانون.
ثم إني لا أخاطب المصلحين دون الطرقيين، لأن المدرسة لتلمسان لا للمصلحين. الطرقية التلمسانية لم تكن بأقلّ ظلمًا من المصلحين، أقول هذا وأجدّد القول، وما بقي لنا إلّا أن نقرأ، ولو أغلقتْ علينا أبواب المدرسة. ألا فليشهد التاريخ!
انتهى كلام الأستاذ بعد أن أسال الدموع الحارة بهذه العبارات النافذة لأعماق القلوب.
وعلى الساعة العاشرة والنصف انفض الجمع يحمل بين جوانحه حبّ القرآن والعلم ويحسّ بوخز العار الذي لحقه من تعطيل «دار الحديث» .