الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يوم الجزائر*
من الوفود؟ تترامى بهم قطر الحديد، من كل فج سحيق، وتتهادى بهم السيارات، من مختلف النواحي والجهات، تهوي أفئدتهم إلى مدينة الجزائر، ولو كان وراء البحر مطلب لخاضوا البحر إليه، أو كان في أعماقه مأرب لغاصوا في لججه عليه.
من الوفود؟ يعلو وجوههم البشر والابتهاج، وتلوح على قسماتهم أَمارات الفرح والسرور، وترتسم على أساريرهم سمات الطرب والارتياح. لم يزدادوا على النصب إلا نشاطًا، ولم يورثهم اللغوب إلا عزمًا ومضاءً، لم يعقهم شغل، ولم تثبطهم حاجة، ولم يثنهم بعد شقة.
من الوفود؟ تواردت توارد القطا على منهل، وتزاحمت تزاحم الحجيج على منسك، تحدثك عنهم سيماهم انهم قوم تنازعتهم آمال دافعة، وأشغال قاطعة، فهجروا الأشغال وانقادوا للآمال، وتقرأ من حركاتهم واتجاهاتهم، وتطلعهم، وتحسبهم أنهم قدموا لغاية واحدة وأنهم كانوا فيها على ميعاد، وتستعرضهم تصعيدًا وتصويبًا، فلا ترى فيهم إلا المغوار وأبا المغوار فتقول إنهم جمعوا على تثويب متجاوب الأصداء وحشروا لميقات يوم معلوم، وأن الذي جمع هذه الأشتات على اتحاد الوجهة وائتلاف المنزع كما تجمع طاقة الزهر على الحسن والشذى لا على التئام الألوان، واتساق الأوراق والأغصان، لأمر خطير ونبأ عظيم.
من العلماء؟ يزجرون المواكب ويقودون الكتائب، ويقدمون الصفوف ويمهدون لأنفسهم مكان العامل في الجملة والطليعة من الحملة. والبسملة من اللوح يشاركون في الرأي
* بيان شامل للمؤتمر الإسلامي الجزائري، مجلة "الشهاب"، الجزء الرابع، المجلد 12، جويلية 1936م
ويساهمون في المشورة ويرتجلون الفتيا في المشاكل المستعصية فتأتي كفلق الصبح. وتعلو أصواتهم بالدعوة إلى الاجتماعات، والخطابة في المجتمعات، يُراع حمى الدين فإذا هم ذادة، وتُدعى الأمّة إلى العظائم فإذا هم قادة، ويمثّلون للأمّة علماء سلفها الذين كانوا معاقلها المنيعة عند حلول النوائب، وأعلامها الهادية عند اشتباه المسالك، ومراجعها إذا ناب خطب أو حزب كرب بعد أن كان الظن بهم أنهم قرّاء فواتح وكتاب "خواتم" وأحلاس معابد كبر شأنهم في الأمّة أن يقولوا هذا حرام وهذا حلال.
من النواب؟ الموفون بالعهد على شيوع الختر، المنجزون للوعد على كثرة الإخلاف، الحاملون للأمانة على انتشار الخيانة والغدر، المضطلعون بما حملوا من أعباء على فشو القصور والتقصير، المسيّرون للسفينة في موج كالجبال وليل خافت الذبال، وعواصف هوجاء، وطريق محفوفة بالأخطار ملتوية عوجاء، السائرون بالقافلة في صحراء طامسة الاعلام دامسة الظلام على هداية الرأي الأصيل إذا أعوز الدليل، والبصيرة النافذة إذا غش المستشار، والحق البين إذا اشتجرت المطامع والأهواء، والصبر الجميل إذا تقولت السياسة، والعزيمة الصادقة إذا ساور اليأس.
من الشبان؟ فتيان الحمى وجنود الحق ورعاة الماضي وبناة المستقبل ومعاقد الأمل الباسم، وطلائع العهد الجديد، ومستودع القوة في الأمّة، وسرّ التجدّد والاستمرار فيها، ومبعث النشاط والحياة منها.
ما لهم يتدفقون تدفق السيل، ويندفعون اندفاع الأَتِيِّ المزبد؟
ما بالهم ينبعثون انبعاث السهام المسدّدة فلا يطيش منهم سهم ولا تخطى لهم رماية؟
ما بالهم متساوين كأسنان المشط، مستوسقين ككعوب الرمح متسقين كنجوم الجوزاء؟ كأن لم تكفهم قوة الشباب ولم يقنعهم سلطان الشباب فأرادوا أن يسندوهما بقوة الاتحاد وسلطان الاتحاد؟
ما بالهم يخرجون عن طبع الشباب ويتنصلون من غرارة الشباب فيتّسمون بوقار الشيخوخة وجلالها ويظهرون بمظهر الحنكة والتمرّس؟
مهلًا فلذات الأكباد، وثمرات الأفئدة، وتزوّدوها نصيحة خالصة محضتها التجربة ومحّصها الاختبار، قد مضى أمسكم بخيره وشرّه، وسينطوي يومكم هذا على غرّه، وإنما أنتم أبناء الغد والغد محجوب، فتدرعوا له بالأخلاق الفاضلة تملكوا أزمته وتتقوا مذمته، وإنما أنتم موكولون إلى العمل والعمل محسوب، فأعيذكم أن يقول التاريخ عنكم ما قال عنا، وإنما أنتم أبناء العروبة والإسلام فكونوا للعروبة والإسلام.