الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السياق التاريخي (1929 - 1940)
بسم الله الرحمن الرحيم
إن مثل العلماء العاملين المصلحين كمثل الماء المعين؛ هذا يسوقه الله إلى الأرض الجرز فتهتز بعد همود، وتربو بعد جمود، فتنبت ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأولئك يبعثهم الله في أمتهم فيؤذنون فيها فتستيقظ بعد رقود، وتتحرك بعد ركود، وتنهض بعد قعود، وتنشط بعد خمود، وترشد بعد غواية، وتتآلف بعد تخالف، وتتعارف بعد تناكر، وتتصالح بعد تدابر، وتنسجم بعد تنافر، وتتوحد بعد تفرق، وتلتئم بعد تمزق، وتتخلق بعد انحلال، وتنتظم بعد اختلال، وتصح بعد اعتلال، وتهتدي بعد ضلال. وتتذكر بعد نسيان، وتتآخى بعد عدوان.
لقد كان الناظر إلى الشعب الجزائري- قبل أن يؤدن فيه العلماء المصلحون- يحسبه يقظا وهو راقد، متحركا وهو هامد، نشطا وهو خامد، حيا وهو جامد، متحدا وهو متفرق، مهتديا وهو ضال، ذاكرا وهو ناس، واعيا وهو غافل، شاهدا وهو غائب. وقد استمر على تلك الحال حينا من الدهر حتى بعث الله- عز وجل فيه أئمة راسخين في العلم مخلصين في العمل، أمارين بالمعروف، نهائين عن المنكر، فدعوه إلى الخير فأقبل، ونادوه إلى الكرامة فاستجاب، وعلموه من حقائق الدنيا والدين ما لم يكن له به علم، فاتخذ إلى ربه سبيلا، فأولئك "العلماء هم الذين أيقظوا الرأي العام من سباته"(1) و"إن مجددي فكرة الوطن الجزائري هم بالأحرى هؤلاء الذين أسسوا جمعية العلماء، أي الشيخ عبد الحميد بن باديس وأشد أتباعه حماسة كالشيخ الإبراهيمي "(2)، و " ان ما قدمه العلماء لإثارة إحساس
1) شارل أندري جوليان: افريقيا الشمالية تسير. تعريب: المنجى سليم وآخرين، الجزائر: الشركة الوطنبة للنشر والتوزيع، تونس: الدار التونسية للنشر، 1976، صلى الله عليه وسلم 133.
2 محمود قاسم: الإمام عبد الحميد بن باديس، الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية، القاهرة، دار المعارف، 1968، ص28، وهو ينقل عن lacouture في كتابه 5 hommes.
الجزائريين بالوعي الديني والقومي يفوق ما قدمه غيرهم " (3).
لقد كان الإمام محمد البشير الإبراهيمي "فخر علماء الجزائر"(4) - كما وصفه الإمام ابن باديس- في الصف الأول من أولئك العلماء الذين أذنوا في الشعب الجزائري لينهض من سباته، ويأخذ للحياة سلاحها، ويخوض الخطوب لاسترجاع حقوقه، واستعادة استقلاله، والثأر لكرامته.
لا يهون على ذوي المروءة والشمم وأصحاب الكرامة والهمم الانتقال من يسر المعيشة إلى ضنكها، ومن الحرية إلى عكسها إلا هدف سام وغاية نبيلة ومبدأ شريف؛ وذلك هو مثل الإمام الإبراهيمي الذي ترك دمشق- عام 1920 - حيث هناءة العيش، واطمئنان الجنب، والوجاهة الاجتماعية، والصدارة العلمية، والحرية النسبية، وعاد إلى الجزائر وهو يعلم أن سيكون في سموم وحميم وظل من يحموم الاستعمار الفرنسي.
لم يرجع الإمام الإبراهيمي ليتفرج على محنة قومه، ويذرف الدمع على مأساة وطنه، ولكنه رجع ليخوض معركة إحقاق حق الجزائر وإزهاق باطل فرنسا، مهما يكلفه ذلك من أتعاب، ويصبه من أوصاب، وينله من عذاب. وقد قدر الإمام ابن باديس لأخيه الإمام الإبراهيمي هذه الوطنية السامية والتضحية الغالية فسارع إلى لقائه بتونس، معبرا بذلك عن حبوره بعودته وسروره برجوعه (5)
استقر الإمام الإبراهيمي بنواحي سطيف، وكان على يقين أنه مراقب من السلطات الفرنسية، فكان يتحرك بحذر، ويعمل بحكمة، ويتصرف ببصيرة حتى لا يعطي أي مبرر لتلك السلطات لتبطش به، وتجهض مشروعه، خاصة وأن الجزائر كانت محكومة ببقية من قانون "الأنديجينا" الفظيع الذي يعطي الحق لأبسط موظف فرنسي أن يبطش بأي جزائري، ويسلط عليه ما شاء له الهوى من تعذيب أو تغريم أو سجن أو نفي.
كان الإمام الإبراهيمي يراقب الأوضاع ويتحسس درجة الوعي عند مختلف فئات الشعب، وكان يتنقل في البلاد تحصيلا لرزق عياله، واتصالا بشرائح الشعب في المناسبات الاجتماعية والدينية، ولم تنقطع الاتصالات بينه وبين الإمام عبد الحميد بن باديس، فيتبادلان الآراء، ويناقشان المستجدات. وقد ساعد الإمام الإبراهيمي على الحركة عدم
3) ، Alistair Horne: Histoire de la guerre d'Algérie. Traduit de l'anglais par Yves du Guerny 39. Paris، Albin Michel، 1980، p39
4) آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، الجزائر، وزارة الشؤون الدينية، 1994، ج 6، صلى الله عليه وسلم 136. ومن المعلوم أن قيمة الوصف والموصوف تعرف من قيمة الواصف.
5) انظر مقال "الاستعمار الفرنسي في الجزائر" ومقال: "خلاصة حياتي العلمية والعملية" في الجزء الخامس من هذه الآثار.
ارتباطه بأية وظيفة، كما ساعده عدمُ انتمائه إلى أية هيئة على اتساع مجال رؤيته وحرية تفكيره. ومن الأدلة على حرص الإمام على أن يكون على بيّنة من الأمور- حتى لا يقفو ما ليس له به علم- حضوره - سنة 1921 - إحدى جلسات المجلس المالي (6) بمدينة الجزائر.
إن ذلك الاحتكاك بفئات الشعب المختلفة، وذلك الاطلاع على الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية في الجزائر، ومعرفة الأحوال النفسية المهيمنة على أفراد المجتمع؛ كلّ ذلك جعل الإمام الإبراهيمي يرى الوقت غير مناسب لتأسيس "جمعية الإخاء العلمي" التي اقترح الإمام ابن باديس تأسيسها سنة 1924 "لأن استعدادنا لمثل هذه الأعمال لم ينضج بعد"(7)، رغم اقتناعه بجدواها.
إنَّ أهمَّ ما استخلصه الإمامُ الإبراهيمي من ملاحظاته للأوضاع ودراسته لنفسية الشعب الجزائري أنه- الشعب- محكومٌ "بعالَم الأشخاص"- بتعبير الأستاذ مالك بن نبي، فقد كان متعلقًا برجال السياسة لا ببرامجهم وأفكارهم، وكان في الميدان الديني متعلقًا بشيوخ الطرق الصوفية ولو شَرعوا له من الدين ما لم يأذن به الله فمَثَلُ الشعب الجزائري في ذلك العهد كَمَثَل الجاهليين الذين قال قائل يصفهم:
لَا يَسْأَلُونَ أخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ
…
فِي النَّائِبَاتِ عَلى مَا قَالَ بُرْهَانَا
أكدت الملاحظة الدقيقة والدراسة المتأنية للإمام الإبراهيمي ما كان مقتنعًا به من أن الأمة غير المُهَيَّأة لا تتقبل الصالح من الأفكار، كما لا تُنبت الأرض غير المستصلحة الجيِّدَ من البذور، ولا تخرج الطيبَ من الأثمار. وكان مقتنعًا أنه لا شيء يهيئ الأمة للأعمال الجليلة ويُعدُّها للمشروعات العظيمة كنشر العلم، الذي يمحو الجهل، ويطرد الخرافة، ويحرّر العقل، وينجح العمل، ويزكي النفس.
من أجل ذلك سعى الإمام الإبراهيمي إلى إحداث حركة تعليمية بمدينة سطيف، فتمكَّن من فتح مدرسة "لتنشئة طائفة من الشبان نشأة خاصة، وتمرينهم على الخطابة والكتابة وقيادة الجماهير بعد تزويدهم بالغذاء الضروري من العلم "(8).
6) هو أعلى المجالس الفرنسية في الجزائر من سنة 1900 إلى سنة. ثُلُثا أعضائه فرنسيون وثُلُث من الجزائريين، وهذا المجلس هو الذي يشرف على ميزانية الجزائر ويوزعها بكيفية لا يستفيد منها إلا الأوربيون. وعن حضور الإمام الإبراهيمي جلسة هذا المجلس، انظر مقال "الاستعمار الفرنسي في الجزائر" في الجزء الخامس من هذه الآثار.
7) انظر مقال "فلسفة جمعية العلماء" في هذا الجزء من الآثار.
8) انظر مقال: "خلاصة حياتي العلمية والعملية " في الجزء الخامس من هذه الآثار.
وقد تقبل أولو العلم وأهل النُّهى هذا العمل بقبول حسن، واستبشروا به خيرًا، وهنَّأوا مدينة سطيف وأهلها بما مَنَّ الله عليهم، إذْ بَعَث فيهم عالِمًا من أنفسهم، عزيز عليه ما عنتوا، حريصٌ عليهم، وحثُّوهُم على الالتفاف حوله لاستفادة مما آتاه الله من العلم والحكمة. وقد حفظ لنا التاريخ شيئًا من ذلك، حيث نشر الأستاذ عبد الحميد معيزة (1893 - 1927) قصيدة سجَّل فيها ملامح من تلك الحركة ومعالم من ذلك العمل فقال:
سطيف لكِ البشرى فطيري سرورا
…
وجاري إذا شئتِ الدراري نورا
فهذا (بشير) العلم ألقى بك العصى
…
فبري به جارًا، وسري مجيرا
لنشر علوم الدين قام مشمرا
…
بعزمة صدق لا تلاقي فتورا
إذا شئتَ علوم الأولين فأمَّه
…
فسَلْ بعلوم الأولين خبيرا
(موطَّأٌ) كما شاء الإمام مهذب
…
وحكمة لقمان تفيض غزيرا
وتفسير قرآن ستنفخ روحه
…
فتبعث في كل البرايا نشورا
وإذا أردت البحث في علم عصرنا
…
تجده بكُنه الكهرباء بصيرا
نعم، حل في أرجائك الفيح ناصح
…
أمين، فزيدي يا سطيف شعورا
وأذَّن في الأرواح والقوم نُوَّمٌ
…
وقد خيّم الجهل المميت دهورا
ويحضّ الأستاذ معيزة الناس على الإقبال على الإمام لنيل المعارف التي تمحو الجهل وتنير العقول كما تمحو آية النهار غَسَق الليل، فيقول:
أقول لقومي حين شاهدت درسه
…
مقالاً يعيه العارفون خطيرا
هلموا إلى نيل المعارف والعلى
…
فقد أسفر الصبح المنير سفورا
وأنهى الأستاذ معيزة قصيدته بحثِّ الإمام الإبراهيمي على الصبر على ما يعترضه من عواثير، مبشرًا إياه بالفوز والنُّجْحِ:
فيا أيها الشهم الذي شاع ذكره
…
فأنجد في كل البلاد ظهورا
تصبَّر إذا ما الأمر صعب فإنما
…
يلاقي نجاحًا من يكون صبورا
وداوم على هدي، وكن خير مرشد
…
ستحظى بفوز المصلحين أخيرا (9)
9) جريدة "النجاح"، عدد 144، قسنطينة: 1924/ 2/1، وقد صدرت القصيدة بهذا التعليق:"ونحن بمعرفتنا لهذا العلامة نتحقق أن بلاد سطيف المتعطشة للعلوم العربية سيكون لها شأن في ميدان العلم والأدب. وكيف لا والشيخ البشير من النبغاء المحرزين على إجازات علمية من مشائخ الأزهر الشريف، فعسانا نرى من رجال سطيف وضواحيها إسعافاً وتأييدًا لهذا المبدإ الحسن والعمل المبرور حتى ينتشلوا أبناءهم من مصائب الجهل، والنوايا في أولئك الفضلاء حسنة".
ولم يكن الأستاذ عبد الحميد معيزة هو الوحيد الذي أشاد بجهود الإمام الإبراهيمي في هذه الفترة بسطيف؛ بل كانت الإشادة بجهوده واسعة، وكان الاعتراف بفضله كبيرًا، شارك في ذلك ثلة من الأدباء والعلماء منهم محمد بن الحاج إبراهيم السطيفي، وأحمد الغزالي، ومحمد الموهوب. ومما جاء في قصيدة الشيخ محمد بن الحاج إبراهيم السطيفي:
بني وطني عوجُوا نحو سطيفكم
…
وحيوا (بشيرا) في الصباح وفي المسا
(بشير) ينادي رافع الصوت جهرة
…
يقول: هلموا نَجْبُر الصدع والأسا (10)
وبعد بضع سنين تمكن الإمامُ من تأسيس مسجد ببلدة رأس الوادي، ودعا - لافتتاحه - الإمام ابن باديس، الذي أشار إلى أن الأستاذ الإبراهيمي ألقى خطابًا عظيمًا (11)، ثم تعزز المشروعان- مدرسة سطيف ومسجد رأس الوادي- بمشروع ثالث سنة 1931 وهو مسجد كبير بمدينة سطيف (12). وبالرغم من أننا لم نعثر- حتى الآن- على أخبار بتأسيس مشروعات أخرى قبل تأسيس جمعية العلماء، فليس مستبعدًا أن يكون الإمام الإبراهيمي قد أسس مساجد أو مدارس أخرى أو وجّه غيره إلى تأسيسها. وكم أهمل التاريخ من أعمال!
قد يقول قائل: وهل في فتح مدرسة أو تأسيس مسجد ما يدعو إلى هذا الاهتمام وإلى هذه الإشادة؟
لا ريب في أن هذا القائل- إن وُجِد- يجهل الوضع الذي كان سائدًا بالجزائر في ذلك العهد المظلم، فقد كان الفرنسيون يعتبرون فتح مدرسة أو تأسيس مسجد صغير أكبر جريمة، ويعتبرون مَن فعل ذلك أو دعا إليه قد جاء شيئًا إدًّا، لأن فيه عرقلة لهدفهم في الجزائر وهو الفَرْنسة والتنصير، ومَن عرف هذه الحقيقة اعترف. كما أن الأوضاع الإقتصادية المأساوية التي كان الشعب الجزائري ينوء تحتها- بسبب سياسة التفقير والتجويع التي سلّطها عليه الفرنسيون- تجعل من الصعب إقناعه بتقديم قليل مَوْجُوده لمثل هذه المشروعات، لأن في ذلك تحميله ما لا طاقة له به.
كانت الركبان والأخبار قد طيّرت اسم الإمام الإبراهيمي في آفاق الجزائر، وأذاعت رسوخه العلمي في أطرافها، فاختير سنة 1929 لرئاسة لجنة الاحتفال بذكرى الدكتور محمد ابن شنب بالجزائر العاصمة (13)، وهو اختيار له دلالته.
10) جريدة "النجاح"، عدد 145، في 1924/ 2/8. أما قصيدة الشيخ أحمد الغزالي فقد نشرت في عدد 146 من جريدة "النجاح" في1924/ 2/15. ونُشر تشطير محمد الموهوب لقصيدة الأستاذ معيزة في عدد 149 من جريدة "النجاح".
11) مجلة " الشهاب"، جزء1، مجلد6، قسنطينة، فبراير1930.
12) انظر مقال " افتتاح مسجد سطيف " في هذا الجزء من الآثار.
13) مجلة " الشهاب" جزء3 مجلد5، قسنطينة، أبريل1929.
لا شك أنه روعي في هذا الاصطفاء قيمة المحتَفَل بذكراه، فهو ليس شخصًا عاديًا، ولكنه شخصية علمية عالمية، فهو أستاذ بجامعة الجزائر، وعضو مجمع اللغة العربية بدمشق، ومحاضر بالمؤتمرات العلمية العالمية، ومحرّر كثير من مواد دائرة المعارف الإسلامية، ومؤلف كثير من الكتب الأكاديمية، ومحقق عديد من المخطوطات القيّمة، فإسناد رئاسة الاحتفال بذكراه إلى الأستاذ الإبراهيمي - رغم كثرة تلامذة الدكتور وأصدقائه من أساتذة جامعة الجزائر وغيرها من المعاهد العليا- اعتراف بأنه كفُؤها القدير وجُذَيْلُها المحكك، وأنه "نابغة الشرق الجزائري، العبقري الفذ رسول البيان "(14).
ولا شك- أيضا- أن العلماء والأدباء الذين حضروا ذلك الاحتفال سمعوا من الإبراهيمي أروع مما سمعوا عنه، فأكبروه، وقَدَرُوهُ حق قدره، وهو ما دعا المشرفين على نادي الترقّي- وهو أهم نادٍ ثقافي وأدبي في الجزائر- إلى دعوته ليحاضر جمهوره وروّاده في موضوع "بيان فوائد الاجتماع "(15).
أعمى الطغيان أعين الفرنسيين، وأصمّ الاستكبار آذانهم، وران الحقد على قلوبهم، فأقاموا سنة1930 احتفالات ضخمة بمناسبة مرور قرن على احتلالهم الجزائر، وصرّحوا بأقوال وقاموا بأعمال جددت في نفوس الجزائريين آلامًا نُسِيَتْ، وفتقت جروحًا رُتقَتْ، وكانت اللازمة التي ردّدها الفرنسيون قبل تلك الاحتفالات وفي أثنائها وعقبها، هي أنهم لا يحتفلون بنصر عسكري حققوه؛ ولكنهم يحتفلون بالقضاء على الإسلام واللغة العربية في الجزائر التي أعادوها إلى النصرانية وريثة الوثنية الرومانية، وإلى الفرنسية وريثة اللغة اللاتينية. وقد لخّص كاردينال الجزائر ذلك كله بقوله: " إن عهد الهلال في الجزائر قد غبر، وإن عهد الصليب قد بدأ وسيستمر إلى الأبد (16).
استغلت ثلة من علماء الجزائر، أيقاظ الشواعر، وأحياء الضمائر، وأصفياء البصائر تلك الاستفزازات الفرنسية ليُنَبّهوا الجزائريين إلى ما يُراد بهم من كيد، وما يُدبر لهم من مكر، وليُحْيوا في أنفسهم الأمل الدافع إلى العمل، ويقتلوا اليأس المميت للبأس. وتنادى أولئك العلماء إلى لقاء أثمر تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي كانت بِدْعًا من الجمعيات، فأنارت الجزائر وأضاءت ما حولها، وبصّرت الجزائريين بما لم يبْصُروا به، وغيّرت ما بأنفسهم فغير الله - بعد حين- ما بهم، وتحوّلوا من "أَنْدِيجان"، (17) إلى شعب، ومن قبائل إلى أمّة.
14) نفس المرجع.
15) انظر مقال "التعاون الاجتماعي" في هذا الجزء من الآثار.
16) د. محمد فتحي عثمان: "عبد الحميد بن باديس، رائد الحركة الإسلامية في الجزائر المعاصرة" الكويت، دار القلم، 1987، ص69.
17) كلمة فرنسية معناها "أَهْلي"، وكان الفرنسيون يطلقونها على الجزائريين احتقارًا لهم، وسخرية منهم، واستهزاء بهم.
وقد قام الإمام الإبراهيمي في ذلك الاجتماع التاريخي بدور فعّال، وبذل مجهودًا كبيرًا في أشغاله، وأسهم مساهمة نوعية في مناقشاته، فأبان علمًا، وأظهر حزمًا، وأبدى عزمًا، فَعُهِد إليه إعداد قانون الجمعية، فأعدّه بحكمة وبصيرة، فأكبره المؤتمرون، واعترفوا بفضله، فأسندوا إليه نيابة رئاسة الجمعية، فكان القوي الأمين.
رأت الجمعية أن توزّع كُبَراءها على مناطق البلاد الرئيسية للإشراف على أعمالها، وتسيير شؤونها، فتولى الإمام ابن باديس الناحية الشرقية، وعُهِد إلى الشيخ الطيب العقبي بالناحية الوسطى، واختير الإمام الإبراهيمي للإشراف على الناحية الغربية، متخذًا من مدينة تلمسان مقرًا ومثابة. وما كان اختيار الإبراهيمي لهذه المقاطعة إلا لأنها "المعقل الحصين للمرابطين والطرقيين المتعاونين تعاونًا مكشوفًا مع الإدارة الاستعمارية، لذلك فقد كان لا بد لإنجاح الدعوة الإصلاحية في هذه المنطقة من وجود شخصية لها قيمتها العلمية والفكرية، وتتسم بالشجاعة والنشاط"(18). وفعلًا فقد كان الإمام الإبراهيمي كالشهاب الثاقب فيه النار المحرقة للبدع وأوليائها، وللإستبداد وزبانيته؛ وفيه النور المبين لمن كان له قلب أو ألقى السمع.
أما سبب إقامته في تلمسان، وليس في وهران عاصمة المقاطعة الغربية، فيبدو أنه تحكم فيه ثلاثة اعتبارات هي:
1 -
أهمية مدينة تلمسان التاريخية والحضارية، فهي عاصمة لإحدى أهم الدول الجزائرية هي الدولة الزيانية، وهي حاضرة علمية أنجبت واستقطبت كثيرًا من العلماء والأدباء.
2 -
وجود إحدى المدارس العربية الثلاث بها، وهي مدارس أنشأتها فرنسا في منتصف القرن التاسع عشر، فهي أحد المراكز الاستشراقية الفرنسية في الجزائر، فكان لا بد من وجود شخصية علمية كبيرة تستطيع مواجهة تأثير الفكر الاستشراقي.
3 -
تنفيذ موعدة وعَدَ بها الإمام ابنُ باديس مصلحي تلمسان، حيث سبق له أن زارها- سنة 1932 - وألقى بها درسًا، فأعجب به التلمسانيون، وأرادوا إبقاءه بينهم، فاعتذر، ووعدهم أن يرسل إليهم من هو أعلم منه (19).
ألقى الإمام الإبراهيمي عصاه بمدينة تلمسان في بداية سنة 1933 فإذا هي تَلَقَّف الجهل والبدع، فقد كان القوم عاكفين على القبور، داعين إلى الثبور، متفرقين إلى شِيعَ، منقسمين إلى
18) أحمد الخطيب: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأثرها الإصلاحي في الجزائر. الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب1985، ص151. وكلمة المرابطين هنا لا صلة لها بالمرابطين الذين أسسوا الدولة المعروفة في المغرب العربي، وهي هنا مرادف لكلمة المتصوفين والطرقيين.
19) هذه القصة متواترة بين أعضاء جمعية العلماء، وحدثني بها أصحاب الفضيلة الشيوخ: بومدين التاجر، إمام مسجد دار الحديث- رحمه الله وعبد الرحمن شيبان، ومحمد الصالح رمضان.
ـ[صفحة 32 ناقصة من المصور]ـ
ـ[صفحة 33 ناقصة من المصور]ـ
المقيم العام الفرنسي، فرفض المؤتمرون ذلك، وعقدوا مؤتمرهم في مدينة تطوان التي كانت تحت الإدارة الإسبانية.
وفي هذه السنة أيضًا-1935 - عقد المؤتمر الرابع لجمعية العلماء، وقد كان مؤتمرًا متميزًا بما قُدّم فيه من بحوث، وما ألقي فيه من خطب، وما أنشد فيه من شعر، ولذلك قرر المجلس الإداري للجمعية أن تجْمَع تلك البحوث والخطب والأشعار وتنشر في كتاب بعنوان "سجل مؤتمر جمعية العلماء
…
" يسجل المراحل التي قطعتها، والأعمال التي أنجزتها.
وقد عهد المجلس الإداري إلى الإمام الإبراهيمي بالإشراف على ذلك السجل، وكتابة تصدير له، وتلخيص عن كل تقرير، وبيان كيفية تنفيذ اقتراحاته. وقد كتب الإمام الإبراهيمي في هذا السجل بحثًا قيّمًا في فلسفة جمعية العلماء، شخص فيه أدواء المسلمين، وأخطرها هجر القرآن الكريم، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، ووصف فيه الدواء الشافي لتلك الأدواء، وفصل القول عن الحركة الإصلاحية في الجزائر وما أنجزته من عظيم الأعمال في وقت قصير.
وعرفت سنة 1936 نشاطًا سياسيًا كبيرًا في الجزائر، ومن أبرز مظاهر ذلك النشاط عقد "المؤتمر الإسلامي الجزائري"، الذي جمع- لأول مرة- مختلف التيارات السياسية الموجودة بالجزائر في ذلك العهد. وقد شكّل المؤتمر وفدًا سافر إلى باريس لتقديم الحد الأدنى من مطالب الشعب الجزائري إلى السلطة الفرنسية الجديدة، وهي حكومة الجبهة الشعبية.
وقد اختلفت وجهات نظر المشاركين في المؤتمر في البرنامج الذي يتّخذ أساسًا للمطالب، حيث سبق لبعض الفرنسيين تقديم برامج لحل القضية الجزائرية. وكان لكل برنامج أشياع من السياسيين الجزائريين. كان ذلك الاختلاف عقبة كؤودًا في طريق المؤتمر لم يتجاوزها إلا باقتراح قدّمه الإمام الإبراهيمي وهو "أن تُلغى- تلك البرامج- كلها، وأن لا يتّخذ واحد منها أساسًا للمطالب الجزائرية، وذلك لأنها كلها وضعت في ظروف خاصة، وبنيت على اعتبارات خاصة
…
بل الواجب أن نضع لمطالبنا برنامجًا مستقلًا منتزعًا من حالة الأمة الجزائرية، منطبقًا على نفسيتها وميولها الخاصة" (33)، مع تقييد أي برنامج يوضع وأية مطالب تقدّم بـ "مسألة واحدة يُعَدُّ التساهل أو الغلط فيها جريمة، بل كفرا، وهي مسألة الحقوق الشخصية الإسلامية" (34)، لأن فرنسا كانت تشترط على الجزائريين التخلي عن الإسلام ونَبْذَ أحكامه في أحوالهم الشخصية مقابل مساواتهم في الحقوق بالفرنسيين.
33) مجلة " الشهاب"، الجزء 4، المجلد 12، قسنطينة، جويلية 1936 وانظر مقال "يوم الجزائر" في هذا الجزء من الآثار.
34) نفس المرجع.
إن المدرك لروح فلسفة جمعية العلماء، العارف بمنطلقاتها الفكرية، العالِمَ بمقاصدها. المطّلع على أدبياتها يستيقن أن إسهام العلماء في هذا المؤتمر لم يكن إلا موقفًا مرحليًا، هدفوا من ورائه- في حال استجابة فرنسا لمطالب المؤتمر- إلى تخفيف الضغط عن الشعب الجزائري، وتحسين حالته الاقتصادية المتردية وأوضاعه الاجتماعية المأساوية، ورفع القيود عن التعليم العربي، ونيل نصيب من الحرية يمكّنهم من تثبيت أسس مشروعهم الحضاري الذي يُعد الشعب الجزائري ليوم الفصل، الذي يحق الحق ويبطل الباطل؛ فإن لم تستجب فرنسا لتلك المطالب - وهو ما كان العلماء يعلمونه علم اليقين، ويرونه رأي العين- اتخذوا من ذلك الرفض حجة أخرى يقنعون بها الذين يحسنون الظن بفرنسا أنهم لن ينالوا منها شيئًا، وأن وعودها برق خُلب. أما الموقف الحقيقي للجمعية فهو ما عبر عنه الإمام، الإبراهيمي في ذلك الوقت بقوله: "إن الحقوق التي أخذت اغتصابًا لا تُسْتَرجَعُ إلا غلَابا، (35).
لم تخش فرنسا المطالب التي أقرها المؤتمر الإسلامي، فقد سبق للجزائريين أن قدموا - مَثْتى وفُراد - مثلها، ولكن الأمر الذي أَقَض مضجعها وأطار النور من عينيها، وأوجست منه خيفة هو تجمُّع الجزائريين في هيئة، واتحاد كلمتهم.
كانت فرنسا تعلم أن الذي استطاع جمع الجزائريين على كلمة سواء هي جمعية العلماء، لأنها- فرنسا- تعرف "أن العربي في الجزائر، الذي لا يملك شيئًا يقتات به، ليس له إمكانية للتعبير عما يريده وما يرفضه في المجال السياسي سوى السير وراء ما يعتقده أنه طبقًا لعقيدته الإسلامية
…
ومن هنا كانت استجابته لتوجيه العلماء" (36)، لذلك قررت أن تقضي عليها، وأن تتخلص من رؤوسها المفكرة، وأن تئد عقولها المدبرة، وأن تسكت ألسنتها المعبرة، فدبرت مؤامرة في غَسَق الليل ونفذتها في وضح النهار.
كانت المؤامرة ذات ثلاثة فصول، وعُيّن لكل فصل ميقات زماني ومكاني؛ فكان الفصل الأول بمدينة الجزائر يوم 2 أغسطس1936، حيث اغتيل مفتي الجزائر، وأوحِيَ إلى القاتل أن يصرّح بأن الشيخ الطيب العقي هو الذي حرّضه على القتل. ثم حصحص الحق، وصحا ضمير القاتل فتراجع عن أقواله، فبرّأ الله العقبي والجمعية.
أما الفصل الثاني فقد جرى بمدينة قسنطينة بعد أسبوع من اغتيال المفتي بمدينة الجزائر؛ حيث أطلقت رصاصات على الشيخ الحبيباتني لاتهام الإمام ابن باديس باغتياله، ولكن الله عز وجل أنجى الشيخ الحبيباتني فلم يُصب بسوء، ورد الله الكائدين، فلم ينالوا ما أملُوا.
35) جريدة "البصائر"، عدد 37 الجزائر، 2أكتوبر وانظر مقال " الإصلاح الديني لا يتم إلا بالإصلاح الاجتماعي " في هذا الجزء من الآثار.
36) باول شميتز: الإسلام قوة الغد العالمية. تعريب: محمد شامهْ، القاهرة، مكتبة وهبة1974، صلى الله عليه وسلم 145.
وأما الفصل الثالث فكان مقررًا أن يُخْرَج بمدينة تلمسان، حيث أراد الفرنسيون بالإمام الإبراهيمي كيدًا. فجعلهم الله من الأخسرين، ودافع عن الإمام بشخص يكتم إيمانه، يسمّى يحيى بُوثمَنْ- من بني ورتلان بالقبائل الصغرى- كان موظفًا في نيابة العمالة بتلمسان، استرق السمع، فعلم بالمؤامرة، فأخبر الإمام بأن الملأ يأتمرون به، ونصحه بالخروج من تلمسان بضعة أيام (37)، فخسر هنالك المبطلون.
وشهدت سنة 1937حدثًا علميًا كبيرًا وتظاهرة إسلامية عظيمة بمدينة تلمسان، بمناسبة تدشين مدرسة دار الحديث التي وضع الإمام الإبراهيمي أساسها، ورقع قواعدها، وأعلى سمكها، وكان يعتبرها نواة لمشروع علمي كبير كانت تصوّره له الخواطر، يعيد به مجد تلمسان العلمي.
أذّن الإبراهيمي في الجزائريين ليشهدوا افتتاح دار الحديث يوم27 سبتمبر1937، فلبّى نداءه الآلاف، وأتوه من كل فج في الجزائر يتقدمهم الإمام عبد الحميد بن باديس الذي رأى من آيات أخيه الإبراهيمي ما جعله يصفه- فيما بعد- بـ "محيي تلمسان "(38).
عضت فرنسا على الإبراهيمي الأنامل من الغيظ؛ لأنه أحيا ما أماتته من دين ولغة، وأَنْشَر ما أقْبَرَتْه من أمجاد، ووحّد ما فرّقته من صفوف، ونزع من الصدور ما زرعته من خوف، فأمر الوالي العام الفرنسي بغلق دار الحديث يوم 31 ديسمبر وتحدّى الإمام الإبراهيمي السلطات الفرنسية و "رفض التوقيع على محضر الأمر بغلق المدرسة (40، وقدّم إلى المحاكمة بتلمسان يوم 27 يونيو 1939و " قُضي عليه بالغرامة " (41)، "وهو الحكم الذي كّدته محكمة استئناف الجزائر، ((42. ولكن هذا الترهيب، وهذا الترويع لم يُجد فرنسا، ولم يُقْعد الإمام عن مواصلة نشاطه، فاستمرّ في عمله، مؤمنًا بأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، مستيقنَا أن الله يدافع عن الذين آمنوا، ويثبت أقدامهم، ويربط على قلوبهم.
إن قيمة دار الحديث المعنوية والمادية، والأمل المعلّق عليها، ومكانة مؤسسها في قلب الإمام ابن باديس جعله يوليها اهتمامًا كبيرًا، فكان يذكرها في الخطب العامة والمجالس
37) من محاضرة للشيخ محمد الصالح رمضان يوم 1996/ 5/7 بالمعهد الوطني العالي لأصول الدين بالجزائر، وانظر محمد خير الدين: مذكرات
…
340/ 1.
38) جريدة "البصائر"، عدد 137الجزائر 28 أكتوبر 1938. وقد اختار الإمام الإبراهيمي موقع مدرسة دار الحديث في مواجهة الثانوية الفرنسية "دوسلان " ( de slane).
39) أبو القاسم سعد الله: الشيخ الإبراهيمي في تلمسان، مجلة "الثقافة"، عدد101، صلى الله عليه وسلم 93.
40) نفس المرجع، وهو ينقل عن تقرير والي ولاية وهران إلى الوالي العام الفرنسي.
41) مجلة "الشهاب"، جزء 8، مجلد14، قسنطينة، أكتوبر 1938.
42) أبو القاسم سعد الله: الإبراهيمي في تلمسان، مجلة " الثقافة"، عدد 101، ص93.
المقيم العام الفرنسي، فرفض المؤتمرون ذلك، وعقدوا مؤتمرهم في مدينة تطوان التي كانت تحت الإدارة الإسبانية.
وفي هذه السنة أيضًا-1935 - عقد المؤتمر الرابع لجمعية العلماء، وقد كان مؤتمرًا متميزًا بما قُدّم فيه من بحوث، وما ألقي فيه من خطب، وما أنشد فيه من شعر، ولذلك قرر المجلس الإداري للجمعية أن تجْمَع تلك البحوث والخطب والأشعار وتنشر في كتاب بعنوان "سجل مؤتمر جمعية العلماء
…
" يسجل المراحل التي قطعتها، والأعمال التي أنجزتها.
وقد عهد المجلس الإداري إلى الإمام الإبراهيمي بالإشراف على ذلك السجل، وكتابة تصدير له، وتلخيص عن كل تقرير، وبيان كيفية تنفيذ اقتراحاته. وقد كتب الإمام الإبراهيمي في هذا السجل بحثًا قيّمًا في فلسفة جمعية العلماء، شخص فيه أدواء المسلمين، وأخطرها هجر القرآن الكريم، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، ووصف فيه الدواء الشافي لتلك الأدواء، وفصل القول عن الحركة الإصلاحية في الجزائر وما أنجزته من عظيم الأعمال في وقت قصير.
وعرفت سنة 1936 نشاطًا سياسيًا كبيرًا في الجزائر، ومن أبرز مظاهر ذلك النشاط عقد "المؤتمر الإسلامي الجزائري"، الذي جمع- لأول مرة- مختلف التيارات السياسية الموجودة بالجزائر في ذلك العهد. وقد شكّل المؤتمر وفدًا سافر إلى باريس لتقديم الحد الأدنى من مطالب الشعب الجزائري إلى السلطة الفرنسية الجديدة، وهي حكومة الجبهة الشعبية.
وقد اختلفت وجهات نظر المشاركين في المؤتمر في البرنامج الذي يتّخذ أساسًا للمطالب، حيث سبق لبعض الفرنسيين تقديم برامج لحل القضية الجزائرية. وكان لكل برنامج أشياع من السياسيين الجزائريين. كان ذلك الاختلاف عقبة كؤودًا في طريق المؤتمر لم يتجاوزها إلا باقتراح قدّمه الإمام الإبراهيمي وهو "أن تُلغى- تلك البرامج- كلها، وأن لا يتّخذ واحد منها أساسًا للمطالب الجزائرية، وذلك لأنها كلها وضعت في ظروف خاصة، وبنيت على اعتبارات خاصة
…
بل الواجب أن نضع لمطالبنا برنامجًا مستقلًا منتزعًا من حالة الأمة الجزائرية، منطبقًا على نفسيتها وميولها الخاصة" (33)، مع تقييد أي برنامج يوضع وأية مطالب تقدّم بـ "مسألة واحدة يُعَدُّ التساهل أو الغلط فيها جريمة، بل كفرا، وهي مسألة الحقوق الشخصية الإسلامية" (34)، لأن فرنسا كانت تشترط على الجزائريين التخلي عن الإسلام ونَبْذَ أحكامه في أحوالهم الشخصية مقابل مساواتهم في الحقوق بالفرنسيين.
33) مجلة " الشهاب"، الجزء 4، المجلد 12، قسنطينة، جويلية 1936 وانظر مقال "يوم الجزائر" في هذا الجزء من الآثار.
34) نفس المرجع.
تحقيق الهدف الوطني، كانت له القدرة والذكاء والجرأة المستوحاة من حقده على فرنسا، كل ذلك ساعد على خدمة القضية التي يعمل من أجلها، في حين ضاعت القضية الفرنسية في الناحية" (47). وأكد المؤرخ الفرنسي شارل أندري جوليان- وهو معاصر لهذه الفترة وشاهد عليها- أن الإبراهيمي "صار يسيطر من تلمسان على جهة وهران ببصيرة وهدوء " (48).
إن هذا التأثير الكبير- دينيًا ووطنيًا- الذي أحدثه الإمام الإبراهيمي في الناحية الغربية من البلاد جعل السلطات الفرنسية- المحلية والجهوية والمركزية- توجس منه خيفة، وتعتبر صاحبه خطرًا على فرنسا إن هزم الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الثانية أو طال أمدها، وهذا ما أشار إليه وحذّر منه والي ولاية وهران في تقريره إلى الوالي العام الفرنسي في 15 مارس 1940، بقوله:" وليس هناك شك أنه إذا وقعت هزيمة الجّيش الفرنسي، أو استمرّت الحرب مدة طويلة ومؤلمة فإن الإبراهيمي سيكون مركز الخطر لكل دعوات الثورة السلمية أو المسلحة"(49)، فأصدر الوالي العام أمر "اعتقال الإبراهيمي في ساعة مختارة طبقًا للإجراءات المقررة حتى لا يقع تجمّع في الشوارع "(50).
وقبيل اعتقال الإمام الإبراهيمي جرب الفرنسيون وسيلة كانوا يستنزلون بها الهمم، ويشترون بها الذمم، وهي وسيلة الترغيب التي تعودوا استعمالها مع الذين أخلدوا إلى الأرض وأتبعهم الشيطان فلم يعيشوا لمبدإ، وقضوا حياتهم يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام، فبعثوا إليه القاضي ابن حورة يعرض عليه منصب شيخ الإسلام، الذي سيحدث لأول مرة في الجزائر في مقابل تصريح منه يؤيد فيه فرنسا التي كانت طرفًا في الحرب العالمية الثانية و "المشاركة في تحرير صحف أنشأوها، وفي كتابة محاضرات تسجل للإذاعة مقابل منح مغرية، فخيب ظنهم ورفض كل تعاون معهم "(51).
وكرّر الفرنسيون المحاولة "واستدعت إدارة تلمسان الشيخ، وحاولت إقناعه بسداد طلب الحكومة، فرفض
…
فقيل له: ارجع إلى أهلك ودِّعهم، وأحضر حقيبتك. فقال لهم: قد ودعتهم وها هي حقيبتي جاهزة" (52).
47) أبو القاسم سعد الله: الإبراهيمي في تلمسان
…
مجلة "الثقافة"، عدد 101، ص103 وهو ينقل عن تقرير فرنسي.
48) شارل أندري جوليان: إفريقيا الشمالية تسير
…
صلى الله عليه وسلم 135.
49) أبو القاسم سعد الله: المرجع السابق، صلى الله عليه وسلم 104.
50) نفس المرجع، ص. 1 O1 وأمر الوالي العام باعتقال الإمام الإبراهيمي مؤرّخ في 8 أفريل 1940 ورقمه 336
51) محمد خير الدين: مذكرات، ج 1، صلى الله عليه وسلم 415.
52) أحمد قصيبة: الشيخ الإبراهيمي في منفاه بمدينة آفلو، مجلة "الثقافة، عدد 87، الجزائْر، مايو- يونيو 1985ص278.
علم الإمام ابن باديس بموقف أخيه الإمام الإبراهيمي، فازداد إكبارًا له وإعجابًا به، وكتب إليه رسالة في 4 ربيع الأنور1349هـ (13 أفريل 1940م)، أي قبل ثلاثة أيام من وفاته، ونص هذه الرسالة هو:
" الأخ الكريم الأستاذ البشير الإبراهيمي، سلمه الله،
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد بلغني موقفكم الشريف الجليل العادل فأقول لكم: "الآن يا عمر"(53)، فقد صنت العدم والدين، صانك الله، وحفظك وتَرِكتك، وعظَّمتَهُما عظم الله قدرك في الدنيا والآخرة، وأعززتهما أعزك الله أمام التاريخ الصادق وبيّضت محيّاهما بيض الله محيّاك يوم لقائه، وثبتك عدى الصراط المستقيم، وجب أن تطالعني برغباتك، والله المستعان.
والسلام من أخيكم عبد الحميد بن باديس " (54).
وننبه القارئ غير المطلع على أوضاع الجزائر في هذه الفترة إلى أن هذه الأنشطة التي قام بها الإمام الإبراهيمي وإخوانه أعضاء جمعية العلماء من تعليم، وكتابة في الصحف، ودروس مسجدية، ومحاضرات في النوادي تمت في ليل من السياسة الاستعمارية غاسق، وفي جو من الإرهاب الفرنسي خانق، وفي بحر من القوانين الفرنسية الجائرة عائق، وتكفي الإشارة في هذا الشأن إلى منشور ميشال سنة 1933 وقرارات ريني وقانون شوطان في 1938 وجميعها يقضي بإغلاق المساجد في وجوه العلماء، وبمنعهم من التنقل في البلاد للوعظ والإرشاد، وبمنع تأسيس المدارس وتعليم اللغة العربية (55).
وسيلاحظ القارئ تركيزًا على الطرقية المنحرفة، وقد يظن غير العارفين أن هناك مبالغة من الإمام الإبراهيمي في الاهتمام بهذا الموضوع، أو أنه افتعل معركة؛ ولكن الحقيقة هي أن كثيرًا من البلايا التي أصابت الجزائر وأهلها إنما كانت بسبب هذه الطرقية المنحرفة، التي ضلت وأضفَت جِبِلَاّ كثيرًا من الجزائريين؛ ففرقت صفهم، وشتَّتَتْ جمعهم، حيث بلغ عددها " نحو خمسين طريقة، وكل طريقة مخالفة لطريقة أخرى"(56)، وشرعت لهم من الدين ما لم يوص به الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولا صلح المؤمنين، واستبدلت أورادها بالقرآن
53) كلمة قالها الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما قال له: "
…
إنك أحب إليَ من نفسي
…
".
54) مجلة "الموافقات"، العد د 4، الجزائر، المعهد الوطني العالي لأصول الدين، محرم 1414هـ (جوان 1995م)، ص766.
55) عن منشور ميشال، وقرارات ريني، وقانون شوطان، انظر: مازن صلاح مطبقاني: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
…
دمشق دار القلم، بيروت، دارة العلوم، 1988، صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم 193 - 224.
56) أبو يعلى الزواوي: جماعة المسلمين. مطبعة الإرادة، صلى الله عليه وسلم 32.) لا ذكر للناشر، ولا لمكانه، ولا لتاريخ النشر.
الكريم، وأفضلها من جعله عِضِينَ، وزهدت الناس في نيل نصيبهم من الدنيا، وظاهرت فرنسا عليهم، ويكفيها حطة أن يكون شعارها " أمُّنا باري- باريس- احفظها يا باري ". من أجل ذلك كان الإمام الإبراهيمي يعتبرها استعمارًا روحيًا، لا يمكن للشعب الجزائري أن يتحرر من عدوه، المحتل لأرضه، المستغل لخيراته، المهين لمقدساته إلا إذا تحرر من هذا الاستعمار الروحي، وشُفي من هذا الوباء الطرقي المنحرف الذي أعمى بصره، وأمات قلبه، وشل عقله، وأضل سعيه، وأهدر جهده.
وكما أزعج الإمام الإبراهيمي الفرنسيين، وأطار النوم من أعينهم بما بث في الناس من وعي وطني، وما غرس في قلوبهم من روح نضالية، وما أشاع في أنفسهم من أمل؛ أقَض مضاجع منحرفي الطرقيين، وأرَّق جفونهم، وكدَّر مشاربهم، وأكسد تجارتهم بما علَّم من دين قيم، وما أذاع من سنة صحيحة، وما نشر من هدي سليم، فصار الناس يميزون بين ما هو من عند الله وبين ما هو من عند غيره، وأصبحوا يفرقون بين ما هو من سنة محمد- ص- وبين ما هو من أهواء غيره، ولم يعودوا يلقون السمع إلا لآية بينة، أو سنة صحيحة.
ومع ذلك كله، فقد كان الإمام الإبراهيمي وجمعية العلماء يطبقون في محاربتهم الطرقية وبدعها قاعدة "أخف الضررين "، فقد ذكر العالم المغربي إبراهيم الكتاني، أن الإمام الإبراهيمي دعاه لحضور الاجتماع العام لجمعية العلماء بالجزائر العاصمة، وعرف " أن لجمعية العلماء قرارًا سريًا يقضي بمنع مقاومة الزوايا والمرابطين في بلاد القبائل- البربر- التي كان للكنيسة بها نشاط تخريبي هدام منظم "(57).
ونود أن نَلْفِتَ الأنظار إلي تلك العلاقة العميقة والمتينة التي كانت تربط بين الإمامين عبد الحميد ابن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي. لقد بدأت هذه العلاقة- على تقوى من الله ورضوان- في الحرم المدني الشريف، بالمدينة المنورة، وتجدرت في ميادين الجهاد ومقارعة العدو الفرنسي لاستخلاص الجزائر من بين أنيابه، ومقاومة الذين خانوا الله ورسوله وخانوا الوطن بموالاة عدوه، واسمّرت هذه العلاقة قوية نقية لم تشبها شائبة، ولم يعترها فتور، ولم يستطيع شياطين الإنس- رغم حرصهم- أن ينزغوا بينهما، وما ذلك إلا لأنها كانت علاقة خالصة لله عز وجل، خالية من حظوظ الذات ونوازع النفس، يحرسها تقدير متبادل وتتجلى هذه العلاقة- قبل تأسيس جمعية العلماء- في حرص الإمام عبد الحميد بن باديس على عودة أخيه الإمام الإبراهيمي من المشرق بعدما رأى غزارة علمه، وعرف قوة شخصيته، وأدرك عمق نظرته، وتبين صدق وطنيته، كما تتجلى في انتقال الإمام ابن باديس إلى
57) انظر شهادة إبراهيم الكتاني في محمد خير الدين: مذكرات
…
ج1، صلى الله عليه وسلم 406.
تونس لاستقبال أخيه الإبراهيمي عند عودته إلى الوطن سنة 1920، وفي تبادل الزيارات بينهما. وتتبين هذه العلاقة- بعد تأسيس الجمعية- في تردد الإمام ابن باديس على الإبراهيمي في تلمسان، رغم بعد الشقة وكثرة الأعمال، وفي تكليفه بكثير من القضايا الهامة (الإشراف على سجل مؤتمر الجمعية رئاسة الاحتفال بحفل ختم تفسير القرآن الكريم - عدد مجلة الشهاب الخاص بحفل ختم التفسير- الرد على الطرقيين- إعداد برنامج الكلية الإسلامية .. ).
أما من جانب الإمام الإبراهيمي فقد تجلت تلك العلاقة في الإخلاص لأخيه الإمام ابن باديس في حياته، والوفاء له بعد وفاته، فأطلق اسمه على المعهد الذي أسسه تخليدًا له، ورفع له ذكره بما كتبه عنه من كتابات كمًّا وكيفًا، وأشاد بفضله على الجزائر حتى اعتبر " كل ما يعلو فيها من أصوات صدى مردد للكلمات النارية التي كان يقذفها لسان مبين، يترجم عن علم مكين ودين متين، وهو لسان المرحوم باني النهضات الجزائرية من غير منازع الإمام عبد الحميد بن باديس "(58)، "الذي جمع الله فيه ما تفرق في غيره من علماء الدين في هذا العصر وأربىَ عليهم بالبيان الناصع، واللسان المطاوع، والذكاء الخارق، والفكر الولود، والعقل اللماح، والفهم الغواص على دقائق القرآن وأسرار التشريع الإسلامي، والاطلاع الواسع على أحوال المسلمين ومناشئ أمراضهم وطرق علاجها، والرأي السديد في العلميات والعمليات من فقه الإسلام وأطوار تاريخه، والإلمام الكافي بمعارف العصر مع التمييز بين ضارها ونافعها، وكان مع التضلع في العلوم الدينية واستقلاله في فهمها، إمامًا في العلوم الاجتماعية، يكمل ذلك كله قلم بليغ، شجاع، يجاري لسانه في البيان والسحر، فكان من أخطب خطباء العربية، وفرسان منابرها، كما كان من كتب كتابها"(59).
والإمام الإبراهيمي عندما كتب وقال ما قال عن أخيه ابن باديس لم يكتبه أو يقلهُ مُجامَلة: "فما كان مبنى الأمر بيننا- ما عشنا- على الرياء والمجاملة"(60).
لقد من الله على الجزائر، إذ بارك في علاقة هذين الإمامين، وألَّف بين قلبيهما، وجمع جهديهما، وبعثهما فيها في أيام محنتها، وفي ساعة عسرتها، فجدد لها بهما أمر دينه، وأحيا بهما لغتها، وأخرجها بهما من الظلمات إلى النور، وبعثها بسعيهما من مرقدها، وأنقذها بهما من الاضمحلال.
يضم هذا الجزء المقالات التي عُثِر عليها، وهي تغطي الفترة الممتدة من سنة 1929 إلى سنة 1940. ولا ريب في أن للإمام الإبراهيمي- قبل سنة 1929 - كتابات، ولكننا لم
58) انظر مقال "مذكرة إيضاحية" في الجزء الرابع من هذه الآثار.
59) انظر مقال "الاستعمار الفرنسي في الجزائر" في الجزء الخامس من هذه الآثار.
60) انظر مقال "ذكرى عبد الحميد بن باديس- الثامنة وموقع معهده منها" في الجزء الثاني من هذه الآثار.
نعثر- حتى الآن- على شيء منها؛ إما لأنها لم تنشر وضاعت ضمن ما ضاع من آثاره وآثار غيره من علمائنا، إهمالَاَ، أو مصادرة من الفرنسيين؛ وإما نشرت في جرائد ومجلات لم تصل إليها أيدينا، حيث أشار بعض المؤرخين المختصين في هذه الفترة من تاريخ الجزائر إلى أن الإمام الإبراهيمي "ابتدأ منذ عام 1925 في كتابة بعض المقالات في جريدة الشهاب (61) وهذا ما ذهب إليه المؤرخ الفرنسي شارل روبير أجْرُون (62)، والمؤرخ الجزائري محفوظ قداش 63))؛ وإما أنها نشرت بأسماء مستعارة حذر بطش الفرنسيين، وما كثر الكتابات التي لا تحمل أسماء أصحابها، أو موقعة بأسماء مستعارة في جرائدنا ومجلاتنا، وفي غير جرائدنا ومجلاتنا التي نشر فيها كُتَّابُنا؛ فإذا كان الإمام ابن باديس- وهو الذي كان يتمتع بحماية نسبية من والده- ينشر كثيرًا من مقالاته بأسماء مستعارة (العبسي - القسنطيني- الجزائري- الصنهاجي). فكيف لا يلجأ إلى هذه التقية من ليس له أد ى حماية.
هذه- باختصار- هي أهم أعمال الإمام الإبراهيمي في هذه الفترة (1929 - 1940) من تاريخ الجزائر، مذكّرًا- مرة أخرى- بأن تلك الأعمال تمت في أصعب الظروف، وأنجزت في أحرج الأوقات، فعلى القارئ أن يضع ذلك كله في اعتباره، وأن لا يحكم عليها بمعطيات فترة أخرى وظروفها، وخاصة في بلدان غير الجزائر.
محمد الهادي الحسني
البليدة (الجزائر): 8 أكتوبر 1996.
61) أحمد الخطيب: جمعية العلماء
…
مرجع سابق، صلى الله عليه وسلم 150.
62) Ch. R. Ageron: Histoire de l'Algérie contemporaine، Paris، P. U. F. ، 1979، T2 p325
M. Keddach: Histoire du nationalisme algérien، Alger، SNED، (63 1980، T1، p. 222