الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مستند العدلية في اعقال الأستاذ العقبي:
كان القاتل "عكاشة" في بدء التحقيق معه اعترف بالقتل، وانه إنما قتل بدافع وجداني لا أثر لإيعاز الغير فيه، وذكر السبب الذي أثار هذا الدافع في نفسه، وذكر أنه اشترى السلاح الذي قتل به من محل سماه، ونشرت البلاغات الرسمية تفاصيل هذا التحقيق. ثم بعد أيام، ولأسباب يعلمها علّام الغيوب، رجع عن هذا كله وأدلى للمحققين برواية جديدة ذات فصول وهي: ان الشيخ الطيب العقبي هو الذي أوعز إليه بارتكاب هذه الجريمة، وانه هو الذي أعطاه الموسى التي قتل بها، وانه وعده بثلاثين ألف فرنك أجرة على القتل، وكان ذلك كله بحضور رجلين لم يسمهما ولكنه وصفهما بصفات سطحية تنطبق على كثير من الناس- وان ذلك كله وقع في "نادي الترقي" في عشية يوم معين- فاستندت العدلية على هذا واعتقلت الأستاذ العقبي على الصورة التي ذكرناها بعد أن فتّشت خزائن الإدارات التي ذكرناها وحجزت الكثير من دفاترها وأوراقها.
وهنا محل اندهاش الرأي العام في القطر الجزائري وجمهور عظيم من العقلاء والمفكّرين في غيره ممن يعرفون الأستاذ العقبي معرفة عيان أو معرفة سماع، ويعرفون مكانته في العلم والدين والإصلاح، وممن يعرفون جمعية العلماء ومبادئها وأصول دعوتها، وانها إذا عادت فإنّما تعادي المبادئ لا الأشخاص، وإذا خاصمت فإنما تخاصم في العموميات لا في الشخصيات، وإن الأصول التي بنت عليها دعوتها هي التعليم والتحابب والتسامح.
ومنطق الرأي العام في اندهاشه واستغرابه ينبئ على اعتبارين يرجع أحدهما إلى الجاني عكاشة ويرجع الآخر إلى الشيخ العقبي.
فالاعتبار الأول هو أن عكاشة رجل جان معترف بالجناية، مجرم عريق في الإجرام، وله سوابق مسجّلة.
فينبغي أن تؤخذ أقواله بغاية التروّي والتعقّل وعدم الوقوف عند ظواهرها، وعرضها على ميزان المنطق وعلم النفس، وإلا فإن كل ذي مكانة كمكانة الشيخ العقبي سيتبوّأ مكانه في "بربروس" ما دام كل مجرم كعكاشة.
نعم يجوز أن يكون عكاشة ارتكب الجناية بإيعاز، ويحتمل أن يكون مأجورًا، ولكن الرواية التي قصّها على العدلية ذات أجزاء لا يستقلّ جزء منها عن الآخر ولا يمكن أن ينظر في كل واحد على حدة وإنما ينظر إليها مجموعة، وعمل العقل هنا إنما هو فيما بين هذه الأجزاء من ترابط أو تفكك، فإذا انهار منها جزء انهارت بقية الأجزاء.
والرأي العام لا يهضم هذه الأجزاء التي تألفت منها رواية عكاشة لا مجتمعة ولا مفترقة، ويستحيل في نظره أن موعزًا بالقتل يعطي السلاح للقاتل ويتحكّم في قوّته واختصاصه، وان موعزًا بالقتل مهما كانت درجته في الذكاء والبلادة يتّصل بمجرم لا يعرفه ويفضي إليه بسرّ مثل هذا، وان مؤامرة مثل هذه تدبر في لحظة، وفي "نادي الترقّي" الذي لا ينقطع روّاده وفي يوم جمعة، وبعد درس في الوعظ الديني وتفسير لكلام الله يرقّق القلوب ويسيل المدامع من خشية الله، ومن الواعظ الذي لم يزل لسانه رطبًا بكلام الله.
كما يستبعد أن قاتلًا يقتل للمال ثم لا يأخذ الأجرة بعد تمام العمل، فهل أخذ عكاشة الثلاثين ألفًا؟ ..
وممن أخذها؟ وقد بقي طليقًا مدة يتيسّر له فيها أن يأخذ الأجرة أو بعضها
…
وأما الاعتبار الثاني الراجع إلى الأستاذ العقبي وجمعية العلماء التي هو من أكبر الممثلين لهديها وسيرتها والقائمين بدعوتها، بل هو أبعد رجالها صيتًا في عالم الإصلاح الديني وأعلاهم صوتًا في الدعوة إليه، فإن الرأي العام في القطر الجزائري- من المسلمين وغير المسلمين- ولا نستثني من خصوم الإصلاح إلا القليل، يعرف حق المعرفة من هو الأستاذ العقبي في ورعه وتقواه وعلمه وهداه؟ ويعرف أن ما وصمه به عكاشة هو شيء مصنوع لا مطبوع، وان العقبي لم يخلق قتّالًا وإنما خلق قوالًا للحق أمّارًا بالمعروف، نهاءًا عن المنكر، وقّافًا عند حدود دينه، وان شدّته في الحق لا تعدو بيان الحق وعدم المداراة فيه وعدم المبالاة بمن يقف في سبيله وأنه رجل كفاح ولكن في غير هذه الميادين، وأن الغيلة والدسّ والتحريش كلها مياه لا ترشح من هذا الإناء، وأن رجلًا مثل العقبي أدّبته الأخلاق الإسلامية الصحيحة وطبعته الهداية القرآنية العالية على غرارها يستحيل أن تخالط هذه المقاصد السافلة قلبه أو تجمعه بأصحابها سبيل.
ويعتقد الرأي العام أن الأستاذ العقبي لو لم يمنعه دينه وتقواه مما وصمه به عكاشة لمنعه شرفه وهمّته ومروءته، ولو لم تمنعه هذه الثلاثة لمنعه عقله وذكاؤه. فهل يعقل أن تهمة سخيفة كهذه من مجرم كعكاشة تعلق بمتحصّن بهذه الحصون المنيعة كالعقبي ويكون لها من القيمة ما يصيره متهمًا بالإجرام، ومن الأثر ما يدخله سجن "بربروس"، ومن النتيجة أن يقال له بعد ستة أيام قضاها في السجن: أنت حر ولكن تحت الطلب؟
…
هذا هو محل اندهاش الرأي العام الجزائري واستغرابه وتساؤله، مع الاحترام الكامل للعدالة الفرنسية، وان استغراب هذه الحادثة لم ينحصر في الجزائر وحدها بل جاوزها إلى حيث تبلغ سمعة الأستاذ العقبي ويصل ذكر جمعية العلماء، فقد قرأنا في مئات البرقيات
والرسائل الخاصة الواردة علينا من مختلف الأقطار، وقرأ الناس معنا في الصحف السيّارة، عربية وفرنسية، ان اعتقال الأستاذ العقبي قوبل في جميع الأقطار بامتعاض عام، وان ذلك الامتعاض هو الذي أنطق الألسنة وحرّك الأقلام.
ومعلوم أنه لا يذكر اسم الأستاذ العقبي إلّا وتذكر بذكره جمعية العلماء، وأن الناس ليعرفون من رجال هذه الجمعية المسيّرين لها ما يعرفونه عن الأستاذ العقبي، ويعلمون من مكانتها العظيمة وسمعتها الشريفة وصيتها البعيد مثل ما يعلمون من مكانته وسمعته وصيته، ويعرفون مواقفها المشرّفة في خدمة الإسلام والعربية، وان دعوتها الإصلاحية التي رسخت في القطر الجزائري وتغلغلت في جميع أوساطه وطبقاته دعوة واضحة المعالم بيّنة الحدود مبنية على البرهان لا على السفسطة، وعلى الإقناع لا على المشادَّة، وعلى التحابب لا على التنافر، وعلى الجمع في الحق لا على التفريق في الباطل. وهي تعمل لغايات شريفة بوسائل شريفة، وفي النهار الضاحي لا في الليل المظلم، ومن مباديها أن لا تنتصر بالباطل ولا تنتصر للباطل، ولا تتكثّر بالمبطلين ولا تتزوّد بالكذب ولا تأمر بالشيء حتى تكون أول فاعل له، ولا تنهى عن الشيء حتى تكون أول تارك له.
وإذا كان أساس عملها كله تطهير المجتمع الإسلامي من العقائد الباطلة والأخلاق السافلة ومحاربة الشرّ من أي طريق جاء، فمحال أن ترضى عن الأشرار أو تقبل بالشرّ. وقد لقيت في تاريخ حياتها خصومات عنيفة وواجهت خصومًا أقوياء. وكانت في جميع ذلك مظلومة واحتملت من الأذى والكيد والعدوان والتهم الباطلة ما تنوء به الجبال، فلم تلجأ في جميع مواقفها إلا إلى الحق والصبر.
وإذا نسي الناس فإنهم لم ينسوا حادثة الاعتداء على الأستاذ "عبد الحميد بن باديس" الذي هو رئيس هذه الجمعية منذ تأسست إلى اليوم، فقد تآمر العليويون على اغتياله حيث ثقلت عليهم وطأة الحق الذي كان يقوله ولا زال يقوله فيهم وفي أمثالهم، وانتدب أشقاها لقتله في قسنطينة وضربه الضربة القاضية لولا وقاية الله ولطفه، ففي ذلك المشهد الذي تطيش فيه الألباب وتتفشى فيه روح الانتقام قوى الله الأستاذ- وهو أعزل- فأمسك خصمه الفاتك المسلّح ولبّبه بثيابه، ثم تجلّى على قلبه المطمئن بالرحمة فقال- وجرحه يثعب دمًا- للجمهور المتألّب المتعطّش لدم الجاني:"إياكم أن يمسّه أحد منكم بسوء" حتى تسلموه للمحافظة، ولولا هذه الكلمة لقطعوا الجاني إربًا إربًا، وقد خلد هذه الحادثة شاعر الجزائر الأستاذ محمد العيد في قصيدة يقول فيها:
وكادت يد الجاني المُسَخَّرِ تعتلي
…
يد الشيخ لولا الله أدركه لولا
وان أنس لا أنس الذين تضافروا
…
على الفتك بالجاني فقلت لهم مهلا