الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إننا لا نحمل لهؤلاء المشائخ ولا لأولادهم ولا لأحفادهم حقدًا ولا نضطغن عليهم شيئًا، ولا ننفس عليهم مالًا من الأمة ابتزوه، ولا جاهًا على حسابها أحرزوه، وليس بيننا وبينهم ترات قديمة، ولا ذحول متوارثة، ولا طوائل مغرومة. وإنما هو الغضب لله ولدينه وحرماته انطقنا فقلنا، وشنناها غارة شعواء على الآباء والأبناء، ما دام هذا الغصن من تلك الشجرة، ولو كنا من الشعريات بسبيل لقلنا مع القائل:
لَا أَذُودُ الطَّيْرَ عَنْ شَجَرٍ
…
قَدْ بَلَوْتُ الْمُرَّ مِنْ ثَمَرِهْ
أول صيحة ارتفعت بالإصلاح في العهد الأخير:
لا نزاع في أن أول صيحة ارتفعت في العالم الإسلامي بلزوم الإصلاح الديني والعلمي في الجيل السابق لجيلنا هي صيحة إمام المصلحين الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده- رضي الله عنه وأنه أندى الأئمة المصلحين صوتًا وأبعدهم صيتًا في عالم الإصلاح. فلقد جاهر بالحقيقة المرة، وجهر بدعوة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى الرجوع إلى الدين الصحيح والتماس هديه من كتاب الله ومن سنة نبيه، وإلى تمزيق الحجب التي حجبت عنا نورهما وحالت بيننا وبين هديهما مبينًا بصوت يسمع الصم، وبلاغة تستنزل العصم، ان علة العلل في سقوط المسلمين وتأخرهم وراء الأمم، وانحطاطهم عن تلك المكانة التي كانت لهم في سالف الزمن هي بعدهم عن ذلك الهدي الروحاني الأعلى. وانه لا يرجى لهم فلاح في الدنيا ولا في الآخرة، ولا صلاح حال يستتبع صلاح المآل، ولا عزة جانب، ترد عنهم عادية الغاصبين من الأجانب، إلّا إذا راجعوا بصائرهم، واسترجعوا ذلك الهدي الذي لم يغصبه منهم غاصب، وإنما هجروه عن طوع أشبه بالكره، واختيار أشبه بالاضطرار، فباءوا بالمهانة والصغار، والضعة والخسار.
كانت تلك الصيحة الداوية من فم ذلك المصلح العظيم صاخّة لآذان المتربصين بالإسلام، ولآذان المبطلين من تجار الولاية والكرامات وعبدة الأجداث والأنصاب، ولآذان الجامدين من العلماء. وجموا لها وملكتهم غشية الذهول علمًا منهم أن أول آثارها إذا تغلغلت في النفوس هو قطع الطريق على المتربصين وهدم سلطان المبطلين الزائف، ومكانتهم الكاذبة، وجاههم الخادع، وجفاف المراعي الخصبة التي كانوا يسيمون فيها شهواتهم ولذاتهم، ونضوب المنابع الروية من المال التي كانوا يعلّون منها وينهلون.
ولقد وقفوا بعد زوال تلك الغشية صفًا واحدًا في وجه ذلك المصلح يجادلونه بالبهت، ويكايدونه بالإفك، وألبوا عليه الألسنة والأقلام، ووقفوا له بكل مرصد، ورموه بكل نقيصة. فلم ينالوا منه نيلًا إلّا قولهم إنه كافر، وهنة وهنة، وهذه هي النغمة المرددة التي كان فقهاء
الجيل البائد في وطننا هذا وفي غيره يرددونها مقرونة بالسب واللعن، وقد ورثها عنهم أهل هذا الجيل واشتقوا منها اشتقاقات غريبة، وهي أسلحتهم التي يقذفون بها في وجوه المصلحين كلما أعيتهم الحجة، وأعوزهم الدليل.
وكان الأستاذ الإمام أعجوبة الأعاجيب في الألمعية وبعد النظر وعمق التفكير وحدة الخاطر واستنارة البصيرة وسرعة الاستنتاج واستشفاف المخبآت، حكيم بكل ما تؤديه هذه الكلمة من معنى.
منقطع النظير في صدق الإلهام وسداد الفهم، وصدق العزيمة، وخصب القريحة واستقلال الفكر، ونصاعة الاستدلال، وتمكن الحجة.
موفور الحظ من طهارة الدخلة، والانطباع على الفضيلة، مستكمل الأدوات من فصاحة المنطق، وذلاقة اللسان، وقرطسة الفراسة، ودقة الملاحظة، وسلاسة العبارة، ومطاوعة البديهة، ورباطة الجأش، وكبر الهمة ووفرة الملكة الخطابية، وقوة العارضة في البيان، واتساع الصدر لمكاره الزمان وأهله.
حجة من حجج الله في فهم أسرار الشريعة ودقائقها وتطبيقها، وفي البصر بسنن الله في الأنفس والآفاق، وفي العلم بطبائع الاجتماع البشري وعوارضه ونقائصه.
وبالجملة، فالرجل فذ من الأفذاذ الذين لا تكونهم الدراسات وإن دقت، ولا تخرجهم المدارس وإن ترقت، وإنما تقذف بهم قدرة الله إلى هذا الوجود وتبرزهم حكمته في فترات متطاولة من الزمن على حين انتكاس الفطرة، واندراس الفضيلة وانطماس الحقيقة، فيكون وجودهم مظهرًا من مظاهر رحمة الله بعباده وحجة للكمال على النقص، وإصلاحًا شاملًا وخيرًا عميمًا.
ولو أن قول الشاعر:
هَيْهَاتَ لَا يَأْتِي الزَّمَانُ بِمِثْلِهِ
…
إنَّ الزَّمَانَ بِمِثْلِهِ لَبَخِيلُ
لم يبتذله المترجمون للرجال بوضعه في غير موضعه حتى صاروا ينشدونه في حق أشخاص يتكرم الزمان علينا بمآت من مثلهم في كل جيل، لولا هذا الابتذال السخيف لهذا البيت لقلنا: إن أحق رجل بانطباقه وصحة إطلاقه عليه هو الأستاذ الإمام. فرضي الله عن الأستاذ الإمام.
حمل لواء الإصلاح بعد موت الإمام تلميذه الأكبر ووارث علومه السيد محمد رشيد رضا. وقد كان في حياة الإمام ترجمان أفكاره باعتراف الإمام، والمنافح عنه والمدافع دونه. واضطلع بعد موته بحمل أعباء الإصلاح حين نكل عن حملها أقوام، وضعف عن حملها
أقوام، واستقل بتسيير سفينته فكان الربان الماهر وأقام على مبادئ أستاذه وفيًا لها وله، فتمادى على إصدار التفسير على منهاج الإمام من حيث وقف الإمام، وجمع تاريخ حياة الإمام فكان أضخم عمل استقل به فرد، وليس تاريخ الأستاذ الإمام بالأمر الهين الذي يقوم به فرد، لو لم يكن ذلك الفرد (رشيدًا).
كان أكمل آثار الشيخ رشيد في حياة الإمام إنشاء مجلة المنار، وأنفس ذخر علمي اشتملت عليه هو دروس الإمام في التفسير التي هي النواة الأولى لتفسير المنار. وتلك الفتاوى الجليلة التي كان ينشرها في أمهات العقائد والأحكام على ذلك النحو العجيب من الاستقلال في الاستدلال.
ولعمري، لو أن رشيدًا قصر كما قصر غيره ولم يجمع خلاصات دروس الإمام، لأضاع على العالم الإسلامي كنزًا علميًا لا يُقوّم بمال الدنيا.
بارك الله في أوقات الأستاذ رشيد، فاستمر بعد موت الإمام على إصدار المنار واتسق أفق انتشاره في الأقطار الإسلامية وكثر قراؤه- أو تلامذته كما كان يقول رحمه الله وأحدث، حتى في أصلبها عودًا وأشدها جمودًا، انقلابًا فكريًا في فهم الدين وصلته بالدنيا، وألف المؤلفات الكثيرة، ونشر من مؤلفات المصلحين من القدماء ما زاد به الإصلاح الحاضر تمكينًا ورسوخًا، فكانت تلك المؤلفات غذاء صالحًا للنهضة العلمية، وساهم في الإصلاح العلمي والإصلاح السياسي لقومه، وبني وطنه، وإن كانت بعض آرائه في هذا الأخير لا تخلو من الشذوذ.
وكان طول حياته بلاء مسلطًا على طاثفتين: دعاة التدجيل من المسلمين ودعاة النصرانية من المسيحيين. فلم نعرف في التاريخ من فضح الطائفتين شر فضيحة غير الأستاذ السيد رشيد.
وإن أزهر الصحائف في سجل حياته هي تلك المواقف العاتية التي كان يقفها في الدفاع عن الإسلام ونصره، ورد عوادي الكفر والضلال عنه.
وعاش ما عاش مرهوب شباة اللسان مرهوب شباة القلم، إلى أن لحق بربه راضيًا مرضيًا في هذا العام. فشعر العالم الإسلامي بأن خسارته فيه لا تعوض.
وان من واجب الوفاء والاعتراف بالفضل لأهله، أن نجري ذكره بما يتسع له المقام في هذه النشرة الإصلاحية التي تمت إلى أعماله ومبادئه بالنسب العريق، وتتصل إلى علومه ومعارفه الواسعة بالسبب الوثيق. وقد فعلنا. ولكن أين تقع هذه الجمل مما يوجبه الوفاء لرجل، هو في بناء الاصلاح الركن والدعامة، وفي هيكل الإصلاح الرأس والهامة؟ وعسى أن تساعد الأقدار فنوفيه بعض حقه.
لقيته- رحمه الله ببلدة دمشق على أثر انتهاء الحرب العظمى وقد جاءها ليتصل بالهيئات العاملة لخير العرب، وليزور أهله في القلمون من لبنان الشمالية.
ونزل ضيفًا على صديقنا العالم السلفي الشيخ بهجت البيطار. وبيت آل البيطار في دمشق هو مبعث الإصلاح ومطلعه. ولعميدهم الشيخ عبد الرزاق البيطار ورفيقه الشيخ جمال الدين القاسمي صداقة باذخة الذرى، وصلة وثيقة العرى بالأستاذ الإمام، تجمع الثلاثة وحدة الفكرة والرأي والسلفية الحقة والاستقلال في العلم. والبيطار والقاسمي عالمان جليلان لم أدركهما حين دخلت دمشق. ولكني قرأت من آثارهما في الكتب التي كتباها، ورأيت من آثارهما في النفوس التي ربياها، ما شهد لي أنهما ليسا من ذلك الطراز المتعمم الذي أدركناه بدمشق، ولثانيهما آثار مطبوعة هي دون قدره، وفوق قدر علماء مصره.
كنا نذهب ليلًا إلى دار صديقنا البيطار للسمر مع الشيخ رشيد. ورفيقي إذ ذاك الأستاذ الشيخ الخضر بن الحسين، المدرس الآن في الأزهر. وأشهد أنها كانت ليالي ممتعة يغمرنا فيها الأستاذ رشيد بفيض من كلامه العذب في شؤون مختلفة. وإن أنس فلا أنس إحسانه في التنقل ولطف تحيله في الخروج بنا من معنى آية إلى شأن من شؤون المسلمين العامة.
وكان في الليالي التي اجتمعنا به فيها يستولي على المجلس ويملك عنان القول، فلا يدع لغيره فرصة للكلام إلّا أن يكون سؤال سائل، مع اشتمال المجلس على طائفة عظيمة من أهل الأفكار المستقلة والألسنة المستدلة. وأخبرني عارفوه أن تلك عادته، فإن كان ما قالوه حقًا فهي غميزة في فضله وأدبه.
وبمناسبة لقائي للشيخ رشيد، فأنا ذاكر قصة لها تعلق به، وهي تنطوي على ضروب من العبر وتكشف عما يضمره العلماء الجامدون للعلماء المصلحين من كيد وسوء نية، وما يصمونهم به من عظائم، مما لا يصدر من مسلم عامي فضلًا عن العالم. وإنني أذكر القصة، بدون تعليق.
صادف قدوم الشيخ رشيد إلى الشام عزمي على الرجوع إلى الجزائر، وخرج الشيخ رشيد إلى القلمون فخرجت بعده إلى بيروت في وجهتي إلى المغرب. وكان من رفاقي في هذه الوجهة الأستاذ محمد المكي بن الحسين شقيق الشيخ الخضر المتقدم. فاجتمعنا ذات صباح بالشيخ يوسف النبهاني الخرافي المشهور في دكان أحد التجار، وكان النبهاني سمع بي فجاء مسلمًا قاضيًا لحق الجوار بالمدينة المنورة، إذ كنا قد تعارفنها فيها، فإنا لكذلك إذ مر بنا الشيخ رشيد ولم يرنا ولم نره. وما راعني إلّا النبهاني يلفت رفيقي ويسأله: أتعرف هذا؟ فأجابه: وكيف لا؟ هذا الشيخ رضا. فما كان من النبهاني إلّا أن قال: هذا أضر على الاسلام من ألف كافر، فكان امتعاض قطعت نتائجه سرعة الانفضاض.