الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رجاء العبد في سيده، من تلك الطائفة التي لا ترعى للعلم حرمة، ولا تشعر له في نفوسها بعزة ولا كرامة، وقد اجتمعوا كلهم على النداء من كل صوب كضوال الإبل، وحشروا في غمرة من الذهول أوهمتهم أنهم سيصبحون بفضل سادتهم مشائخ الطرق، وبجاه موالاتهم للحكومة (6) موظفين (مُنَيْشَنِين)(7).
دخل الجميع- لأول مرة في تاريخ حياتهم- جمعية لا يدرون بمن تدار ولا كيف تدار، وسمعوا لأول مرة كلمات: النظام، والاشتراك، والمواد، واللجان، وسمعوا خطبًا مأجورة لا فرق عندهم بينها وبين عزائم الجان، ثم تقاضتهم الجمعية ما لا عهد لهم به ولا ألفته نفوسهم وهو المال- الاشتراك- التبرع- الاعانة، فقالوا في أنفسهم إن هذا لشيء لم نخلق له، ان هذا لشيء يراد، ان آباءنا عودونا أن نأخذ ولا نعطي، ان زوايانا "قائمة" فما معنى هذه الزاوية "المنفرجة" التي اسمها جمعية علماء السنة، ان نكاية الإصلاح فينا لأهون علينا مما تدعوننا إليه.
اصطدمت هذه الجمعية المفروضة على الدهر بأسباب التفرق الجوهرية في أول يوم، وأراد حاو تلميذ أن يلاعب أساتِذَتَه الحواة، فكان الضحية وحده.
ثم خرج مجلس هذه الجمعية بمواكبه إلى الأمة يسألها المال والتأييد، فقابلته بما يستحق من طرد ومقت، ولم يمض إلّا قليل حتى حلّ الله ما عقدوا، وتَبَّرَ ما شيدوا، ورأى الناس عبرة العبر في انهيار الباطل وانخذال أهله، وعدوها من عجائب صنع الله لجمعية العلماء المسلمين، وقرأوا قوله تعالى:{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} .
موقف جمعية العلماء المسلمين من الطرق:
مبدأ جمعية العلماء المسلمين هو الإصلاح الديني بأوسع معانيه، الذي كان يعمل له المصلحون فرادى، وإنما كانوا مسيرين بفكرة لا تستند على نظام فأصبحوا مسيرين بتلك الفكرة نفسها مستندة على نظام مقرر، وبرنامج محرر.
وقد كان حال المصلحين مع الطرق ما علمه القارئ من الفصول السابقة، فلما تأسست جمعية العلماء لم يزيدوا على تلك الحال ولم ينقصوا منها، لأن هؤلاء المصلحين لا يعملون - مسالمين ومحاربين- إلّا عن إيمان وعقيدة، وعقيدتهم في الطرق هي أنها علة العلل في الافساد ومنبع الشرور، وأن كل ما هو متفش في الأمة من ابتداع في الدين، وضلال في
6) معناها الولاية الفرنسية العامة.
7) من (النيشان) وهو الوسام، أي مُوَسَّمِين .. حاملى الأَوْسِمة.
العقيدة، وجهل بكل شيء، وغفلة عن الحياة، والحاد في الناشئة، فمنشؤه من الطرق، ومرجعه إليها كما علمت بعض ذلك من فصل آثار الطرق السيئة وستعلم بعضه.
فلا يجهلن جاهل، ولا يقولن قائل: ان المصلحين شغلوا أوقاتهم بالطرق واستنفدوا قوتهم في مقاومتها حتى ألهتهم عن كل شيء، وربما كان فيما شغلوا عنه ما هو أحق بالاهتمام مما شغلوا به، وهذه نقطة يجب إيضاحها دفعًا للأوهام.
اننا علمنا حق العلم، بعد التروي والتثبت ودراسة أحوال الأمة ومناشئ أمراضها، ان هذه الطرق المبتدعة في الإسلام هي سبب تفرق المسلمين، لا يستطيع عاقل سلم منها ولم يبتل بأوهامها أن يكابر في هذا أو يدفعه، وعلمنا أنها هي السبب الأكبر في ضلالهم في الدين والدنيا، ونعلم أن آثارها تختلف في القوّة والضعف اختلافًا يسيرًا باختلاف الأقطار، ونعلم أنها أظهر آثارًا وأعراضًا وأشنع صورًا ومظاهر في هذا القطر الجزائري والأقطار المرتبطة به ارتباط الجوار القريب منها في غيره، لأنها في هذه الأقطار فروع بعضها من بعض، ونعلم أننا حين نقاومها نقاوم كل شر، وأننا حين نقضي عليها- ان شاء الله- نقضي على كل باطل ومنكر وضلال، ونعلم زيادة على ذلك أنه لا يتم في الأمة الجزائرية إصلاح في أي فرع من فروع الحياة مع وجود هذه الطرقية المشئومة، ومع ما لها من سلطان على الأرواح والأبدان، ومع ما فيها من افساد للعقول وقتل للمواهب.
ان كاتب هذه الأسطر قدر له أن يقيم في الحجاز سنوات عديدة في العهد العثماني، والحجاز معرض الأمم الإسلامية، فرأى أن هذه الطرق لم تسلم منها بقعة من بقاع الإسلام، ورأى أنها تختلف في التعاليم والرسوم والمظاهر كثيرًا، ولا تختلف في الآثار النفسية إلّا قليلًا، وتجتمع كلها في نقطة واحدة وهي التخدير والإلهاء عن الدين والدنيا.
ولقد- والله- كنت أرى المسلمين المختلفي الأقطار والأجناس واللغات يجتمعون في حرم رسول الله وفي مهبط الوحي الجامع، فلا أجد بينهم ذلك الأنس الذي كان يجده المسلم حين يلتقي بالمسلم، ولا أقرأ في وجوههم تلك البشاشة التي كانت تسابق الألسنة إلى التحية، فلا أعلِّل تلك الظاهرة الجافية بتباعد الديار، إذ لو كان الشعور بالأخوة صادقًا صحيحًا لكان بعد الدار أدعى إلى الشوق والحنين في الغيب، وإلى كرم اللقاء وبشاشة الوجه في المشهد، ولا أعلله باختلاف اللغات لأن النفوس والوجوه والأسارير لا تحتاج إلى ترجمان. ولكني كنت أعلل هذا اللقاء العابس بما أحدثته فينا المفرقات الروحية- وهي الطرق والمذاهب- من تنافر عَظُمَ على الزمان حتى جعل الإخوة أعداء.
وكم كنت أمتعض حين أرى الحنفي لا يصلي خلف الشافعي، والشافعي لا يصلي خلف المالكي! بل كنت أمتعض لتعدد الأئمة من أصله، ولتعدد الحلق الطرقية التي لا