الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدّمة سجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء*
انعقد المؤتمر السنوي الخامس لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بنادي الترقي بالجزائر في يوم الأحد السادس عشر من جمادى الثانية عام 1354 والأيام الثلاثة الموالية له.
فاجتمعت فيه الجزائر العربية المصلحة المجاهدة في سبيل العلم الصحيح والدين الحق واللسان المبين. وكان ذلك الاجتماع الذي ثوب داعيه فأسمع، وسمع واعيه فأهطع، تعبيرًا فصيحًا على تقدير المؤتمرين لدينهم ولغتهم ودليلًا ملموسًا على ما وصلت إليه حركة الإصلاح الديني من قوة وتغلغل في القطر الجزائري، فقد ضمّ هذا المؤتمر بين حناياه أبناء المدن والقرى والخيام، وجمع أبناء السواحل بأبناء الجبال وأبناء الصحاري، وسكّان الشرق بسكّان الغرب وتجلت كرامة جمعية العلماء في اجتماع قطر في ناد، وبحر في واد، ووطن في عطن.
حضر ذلك الجمع الحافل- وهو ما بين عضو عامل في جمعية العلماء وعضو مؤيد لها- لسائق واحد إلى اتجاه واحد، وهو تأييد مبدإ الذي تعمل له جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهوّن عليهم ما لاقوا من مس اللغوب، وخفة الجيوب إيمانهم بمبدإ وفرحهم بنجاحه وعرفانهم لقيمته، جزاهم الله أحسن ما يجزي العاملين المخلصين لدينهم ولغتهم.
تقدم المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين أمام المؤتمرين فأدى الحساب لا على المال ومآخذه ومصارفه فقط، بل وعلى تلك الأعمال الجليلة التي قام بها، والأمانة الثقيلة التي حملها، فشكروه معترفين بجميله، وأولوه ثقتهم الكاملة فيما مضى وفيما يأتي.
* من كتاب سجلّ مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذي انعقد بنادي الترقّي بالعاصمة في سبتمبر سنة 1935، المطبعة الإسلامية الجزائرية، قسنطينة، [ص:1 - 4].
وقد سنّ رئيس جمعية العلماء في هذه السنة سنّة صالحة فعهد (في ظرف ضيّق) إلى طائفة من أعضاء الجمعية الإداريين والعاملين أن يضعوا تقارير محدودة في مسائل مهمّة لها الشأن الأول في اجتماعيات الجزائر، ولها المقام الأول من اهتمام جمعية العلماء، وهي:
1 -
الأمية وآثارها وطرق مقاومتها.
2 -
التعليم بقسميه المسجدي والمكتبي، وشرح أحواله وعوارضه التي هو عليها الآن وكيف ينبغي أن يكون.
3 -
الإسراف المالي ومظاهره من الولائم والمآتم.
4 -
الوعظ والإرشاد والطرق التي ينبغي أن يؤدى بها. على أن تلقى تلك التقارير في المؤتمر لتكون نموذجًا للأعمال التي تقوم بها الجمعية وليبدي ذوو الرأي آراءهم في طرق تنفيذها.
قام كل واحد من المقرّرين بما عهد إليه، وسمع المؤتمر تقارير بليغة مؤثرة تحمل روح الخطابيات وقوّتها. ولا ندّعي أن تلك التقارير كانت كلّها وافية، ولكنها منبّهة على أغراض لها خطر ولها بال، وإن لم يبلغ البحث فيها حد الكمال. وستكون هذه التقارير معوانًا للباحثين العاملين وحملة الأقلام على طرق هذه المواضيع والإفاضة فيها والتوسّع في تفاريعها.
وإنما بادرنا إلى الاعتراف بأنها غير وافية اعتذارًا معجلًا للناقدين بعد ظهور هذه النشرة. فالحق أن معظم تلك التقارير ينقصها عنصر ضروري من عناصر الكمال، ونعني به (الإحصاءات المدققة) وهو الأساس الذي تبنى عليه التقارير في هذا العصر. وأن بناء التقارير على أساس الإحصاء، استحضار للواقع بشواهده وبيّناته، وعرض محسوس يصير الغائب مشهودًا. ولكن عذر المقرّرين عن كل تقصير هو أن الوقت الذي حدّد لهم لا يتّسع للتبسّط في البحث والتقصّي والاحصاء والاستنتاج، وستعطى هذه المسألة في السنة الآتية كل ما تستحقّه من العناية، فتوزّع المواضيع على أهل الكفاءة والاختصاص في وقت واسع وتراعى فيها العمليات دون النظريات.
…
وفي الاجتماع الإداري السابق للمؤتمر قرّر المجلس أن يسنّ في اجتماع هذا العام سنة أخرى صالحة حتى تكون له ميّزات محسوسة. تلك السنّة هي أن يخصّص يوم كامل في آخر الاجتماع للخطب والقصائد، وفتح هذا الباب لكل مستعدّ من الحاضرين بشرط أن تكون الخطبة مكتوبة قابلة للنشر، غير خارجة عن دائرة الأدب والعلم والدين. فقرّر المجلس
تمديد أيام الاجتماع إلى أربعة يخصّص آخرها لسماع الخطب رغمًا عما في ذلك من تضييق على الوافدين من أطراف القطر البعيدة.
وقد تلقّى المؤتمر هذا القرار بالارتياح ورأى فيه تحقيقًا لغرض طالما جال في نفوس الأدباء، وهو إقامة عكاظ سنوي تتدرّب فيه ناشئتنا الإصلاحية على الكلام في العموميات، وتتمرّن على الخطابة ومناحيها لتستعدّ للقيام بالدعوة والإرشاد. وإن الخطابة لركن الإصلاح الركين.
وقد نفّذ هذا القرار- مع ضيق الوقت أيضًا- وتمّت أعمال المؤتمر الرسمية في الأيام الثلاثة الأول، وكان اليوم الرابع حافلًا بالخطب المتنوّعة على نظام مقرّر، خطب فيه نحو من عشرين خطيبًا، وجاء دور الشعر فألقيت عدة قصائد.
…
ولما انفضّ المؤتمر محققًا للآمال التي كانت معلّقة عليه، ونجح نجاحًا بعيد المدى برغم المتشائمين والمعاكسين. وكانت الظواهر التي امتاز بها عن الاجتماعات السابقة محسوسة ملموسة شهد بها كل من حضر وكل من سمع. وكافية لتسميته (مؤتمر) بعد أن كان يسمّى (الاجتماع العام) عهد إليّ إخواني أعضاء المجلس الإداري بجمع تلك التقارير التي ألقيت في المؤتمر والخطب التي تليت والقصائد التي أنشدت في اليوم الأخير، وترتيبها ونشرها في كتاب يطبع على نفقة الجمعية.
اتفق المجلس الإداري على تسميته وشكله وعدد ما يطبع منه. وكذلك عهدوا إليّ بكتابة فصل يكون تصديرًا للنشرة وبتعقيب كل تقرير بكلمة في خلاصته وبيان كيفية تنفيذ ما فيه، لتكون مرجعًا للمكلفين بالتنفيذ من رؤساء شعب الجمعية وغيرهم. وقد امتثلت وفعلت، بقدر ما استطعت، إلا أن حوادث مفاجئة لم تكن تخطر لي ولا لإخواني على بال حالت بيني وبين تقديمه للطبع في الوقت المحدد فتأخّر عن منتظريه والمتشوّقين إليه أشهرًا.
وإني الآن أتقدّم به إلى القرّاء معتذرًا لهم آسفًا على أن لم يكونوا قرأوه قبل اليوم، مؤكّدًا لهم أنه لا يد لي في هذا التقصير، جازمًا أن هذا التأخير لا يقلّل من قيمة هذا السجلّ ككتاب تاريخي، يسجّل درجة من الدرجات التي صعدتها الجمعية من سلّم الحياة ومرحلة من المراحل التي قطعتها. وإن كان يقفل من قيمته كنشرة سنوية. بل أزعم في ثقة أنه قد يأتي من المكروه محبوب، وأن نشره في وسط السنة هو بمثابة مؤتمر ثان، فلم يكد الناس ينسون روعة المؤتمر وبهجته حتى تفاجئهم ممثلة في سجلّ المؤتمر. ثم لا ينتهون من التأثر بهذا السجل الحافل حتى يغشاهم المؤتمر الآتي إن شاء الله على حال أتمّ، وشكل أكمل.