الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من حياتها العامة: فتجلى في الناحية الاقتصادية بالدخول في ميادين الكسب التي كانت وقفًا على غير المسلم الجزائري، وتجلى في الناحية الأدبية بتأسيس النوادي والجمعيات المختلفة، وتجلّى في الناحية العلمية بالإقبال على القراءة والتعلم باللغتين العربية والفرنسية وبالبذل على العلم والتغرب في سبيله، وتجلّى في الناحية الدينية بتشييد المساجد في القرى والانفاق عليها من مال الأمة الخالص، وتجلّى في الناحية النفسية بالتفكير الجدّي المستقيم. ومن مظاهره الاعتماد على النفس في الأعمال التي ذكرنا والإيمان بجود شيء اسمه الأمة، بعد أن كانت هذه الأمة تعتمد في دنياها على الحكومة، وفي آخرتها على "المرابطين"(5) وشيوخ الطرق وتشعر أنها ذائبة في هاتين القوتين. ومن الحق أن نقول إن شعور الأمة الجزائرية وإن ظهرت آثاره في جهات حياتها المختلفة ولكنه يبدأ فوّارًا حارًّا بصفة خصوصية في جهتي الدين واللسان العربي، وهما الجهتان اللتان عرفت الأمة الجزائرية بالتمسك بهما والغيرة عليهما. ومن الحق أيضًا أن نقول إن أكثر الفضل في تنبيه ذلك الشعور في الأمة يرجع إلى ما كان يبثه رجال الإصلاح الديني فرادى بين الأمة، فلم يمض إلّا قليل من الزمن حتى غمر الأمة شعور عام بلزوم إصلاح عام يشمل الدين والعلم والاجتماع، ورأت نهج الإصلاح في هذه المقومات الثلاثة واضحًا. فكانت دواعيه أسبق وأسبابه أوثق، وأصبحت فكرة تأسيس جمعية من علماء الأمة لتشرف على هذا الإصلاح، وتتولى تخطيط مناهجه عقيدة راسخة مستولية على عقول العوام والخواص، وأصبحت بواعث تأسيسها صادرة من الأمة لا من العلماء وحدهم، فانقاد الجميع أمة وعلماء إلى تأسيس هذا المشروع العظيم بما يشبه الاضطرار، وتَمَّ ذلك بكل سهولة وبدون كلفة.
جمعية العلماء حقيقة واقعة:
رأيت الآن أن السر في تأسيس جمعية العلماء بتلك السهولة وبتلك المحاولة الهينة هو استعداد الأمة لظهور هذا المشروع العظيم فيها. فانقادت إليه بشعرة، وانجرت إلى بناء صرحه بنملة، وعلمت مما أجملناه لك من مراحل هذا المشروع أن الشعور به كان من نصيب طبقات مخصوصة وهم المتأثرون بالإصلاح، وفي ناحية محدودة من القطر وهي إقليم قسنطينة، ثم تغلغل في الأقاليم الثلاثة في بضعة أعوام وتحوّل التفكير في مكان التأسيس من قسنطينة التي هي الجناح إلى الجزائر التي هي القلب، ومعنى هذا كله أن الأمة الجزائرية استيقنت سفه الأيدي التي كانت تقودها باسم الدين فصممت على التفلت منها وإلقاء المقادة إلى أيدي العلماء لتبتدئ السير في نهضتها على هدى وبصيرة، فقالت للعلماء اجتمعوا فاجتمعوا.
5) لا يقصد بها المرابطون المعروفون في تاريخ المغرب الإسلامي، ولكنها مرادف للطرقيين.
لم يكن تأسيس جمعية العلماء المسلمين خفيف الوقع على الجماعات التي ألفت استغلال جهل الأمة وسذاجتها وعاشت على موتها، ولكن التيار كان جارفًا لا يقوم له شيء، فما كان من تلك الجماعات إلّا أن سايرت الجمعية في الظاهر وأسرت لها الكيد في الباطن، وكان المجلس الإداري الذي تألف بالاختيار في السنة الأولى غير منقح ولا منسجم لمكان العجلة والتسامح، فكان من بين أعضائه أولو بقية يخضعون للزوايا وأصحابها رغبًا ورهبًا، وكان وجودهم في مجلس الإدارة مسليًا لشيوخ الطرق ومخففًا من تشاؤمهم بالجمعية لسهولة استخدامهم لهم عند الحاجة، فإما أن يتخذوهم أدوات لإفساد الجمعية وإسقاطها، وإما أن يتذرعوا بهم لتصريفها في مصالحهم وأهوائهم.
أما المصلحون فقد صرحوا من أول يوم بأنهم سائرون بهذه الجمعية على مبدإ الذي كانوا سائرين عليه من قبلها، ومنه محاربة البدع والخرافات والأباطيل والضلالات ومقاومة الشر من أي ناحية جاء.
وانقضت السنة الأولى في التنظيم والتنسيق وبدأت الأعمال تظهر مراتب الرجال، فاضطلع المصلحون وحدهم بالأعمال التمهيدية- وما هي بالحمل الخفيف- ولما جاء أجل الانتخاب للدورة الثانية هجم العليويون ومن شايعهم على ضلالهم تلك الهجمة الفاشلة بعد مكائد دبروها، وغايتهم استخلاص الجمعية من أيدي المصلحين، وجعلها طرقية عليوية واستخدامهم هذا الاسم الجليل في مقاصدهم الخاطئة كما هي عادتهم في إِلباس باطلهم لباس الحق، ووقف المصلحون لتلك الهجمة وقفة حازمة أنقذت الجمعية من السقوط ومحصتها من كل مذبذب الرأي مضطرب المبدإ، وتألف المجلس الإداري من زعماء الإصلاح وصفوة أنصاره، ورأى الناس عجيب صنع الله في نصر الحق على الباطل.
لم يقف العليويون وأذنابهم عند حدّ ذلك الهجوم الذي كان أوله كيدًا وآخره فضيحة، بل أجمعوا أمرهم وشركاءهم وقرروا في اجتماع تولى كبره رئيسهم الأكبر أحمد بن عليوه محاربة جمعية العلماء بكل وسيلة وبكل قوّة. وتقاسموا على ارتكاب ما يحل وما يحرم في هذا السبيل، وانفتقت لهم الحيلة بإرشاد بعض أذناب الإدارة على تأسيس جمعية طرقية في معناها وحقيقتها، حلولية في باطن باطنها، علمية في ظاهرها وما يراه الناس منها ليوهموا العامة أنهم يحاربون العلم بالعلم، لا العلم بالجهل، فبثوا في الزوايا وعبيدها دعوة جامعة إلى تكوين هذه الجمعية التي وصفوها بأنها جبهة قوية تقف في وجه الإصلاح وتنازل جمعيته وجهًا لوجه ودارًا لدار بعد أن لم يبق أمل في إسقاطها بالحيلة، أو الاستيلاء عليها بالمكر.
وكان من هذا كله أن تأسست جمعية علماء السنّة من علماء مأجورين، وطلبة مدحورين، من كل من في عنقه للزوايا مِنَّةُ الخبز، ولها عليه فضل التعليم الأشل، وله فيها