الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والسجود جاءا في أكثر من سورة.
وهذا يوصلنا إلى أصل عظيم في الدعوة والتربية: إن كثيرا من الأمور إذا لم تستند إلى أرضية واسعة فإنها تكون معرضة للخطر، فلا إله إلا الله مثلا إذا لم يكن أساسها متينا فإن الطغيان يحاول استئصالها، ولذلك نجد القرآن قد تحدث عنها كثيرا، ولقد ورث المسلمون في العصور المتأخرة شعائر الإسلام دون أن يرثوا مع ذلك الأرضية الواسعة للشعائر فكاد أن يتغلب أعداء الإسلام على الإسلام، لولا أن الدعوة الإسلامية المعاصرة قد أعادت الأمر إلى نصابه.
كلمة أخيرة في سورة الواقعة:
سورة الواقعة هي أول سورة تبدأ بقوله تعالى: إِذا ثم تأتي بعد ذلك سور مبدوءة بهذه الكلمة أكثر من مرة إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وبعد التأمل في محل هذه السور بالنسبة لما قبلها وما بعدها. وبعد التأمل في مضامينها نلاحظ أن هذه السور لا تأتي في بداية مجموعات، وليس شرطا أن تأتي في نهاية مجموعات كذلك، قد يكون وقد لا يكون، فسورة الواقعة نهاية مجموعة، وسورة المنافقون نهاية مجموعة، بينما سورة النصر ليست نهاية مجموعة مثلا كما سنرى. وحيثما جاءت سورة مبدوءة بإذا فإنك تجدها مهيجة على العمل والعبادة والتقوى من خلال ذكر ما يبعث على ذلك، فالتشابه كثير جدا بين مضمون هذه السور.
…
لقد لاحظنا أن سورة الواقعة فصلت في حيز قوله تعالى من سورة البقرة:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
…
بأن فصلت قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
…
فلنتذكر أن بداية سورة الحج هي: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ولنلاحظ أن أكثر السور المبدوءة بقوله تعالى: إِذا* فيها حديث عن الساعة إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها مثل هذا يجعلنا نستأنس أن
محور هذه السور هو محور سورة الحج أو حيزه، وهو الشئ الذي وجدناه من خلال سورة الواقعة، وسنجده من خلال السور المشابهة لها.
..
ومن تأمل لهذه السور نجد أنها تعظ، ومن الوعظ تنقلنا إلى معنى هو من باب العبادة أو التقوى، ففي سورة الواقعة نجد قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ وفي سورة النصر وهي آخر سورة مبدوءة ب (إذا) نجد قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً وقبل ذلك في سورة المنافقون نجد لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
…
وفي سورة التكوير إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ* لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وفي سورة الانشقاق فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ
…
وفي سورة الزلزلة فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ كل ذلك يجعلنا نستأنس بأن محور هذه السور، هو إما الأمر يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
…
في سورة البقرة، أو في الآيات الآتية في حيزه، وعلى كل فالمعنى هو الذي يرينا إن كانت هذه القاعدة كلية أو أغلبية، وهو موضوع سنراه أثناء سيرنا. وقد رأينا محور سورة الواقعة.
…
ونلاحظ من خلال المعاني أنه بسورة الواقعة تنتهي المجموعة الأولى من قسم المفصل، لتبدأ مجموعات متوالية، هي مجموعات المسبحات المبدوءة بسورة الحديد التي بدايتها سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
…
ونلاحظ أن سورة الواقعة منتهية بقوله تعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ وأن سورة الحديد مبدوءة بقوله تعالى:
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مما يذكرنا بالقاعدة أن نهاية كل سورة من سور القرآن مرتبطة ببداية ما بعدها نوع ارتباط، أحيانا يكون واضحا جدا، وأحيانا يحتاج إلى تأمل، فسور القرآن إذن من ابتدائها إلى انتهائها متعانقة عناقا عجيبا. لاحظ مثلا أن نهاية سورة الفاتحة هي: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
…
وأن بداية سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
…
لاحظ ذكر لفظة (الهداية) في نهاية الفاتحة، وبداية سورة البقرة. لاحظ مثلا نهاية سورة آل عمران يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ولاحظ بداية سورة النساء يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ لاحظ وجود لفظ (اتقوا) في النهاية
والبداية، ولم نحاول فيما قبل المجموعات السابقة أن نقف وقفات طويلة عند هذا الموضوع، لأن تركيزنا الرئيسي كان منصبا على النسق الذي تمشى عليه أقسام القرآن ومجموعاته، وهو نفس النسق الذي سارت عليه سورة البقرة.
…
غير أن ظهور الصلات بشكل واضح في السور الست التي مرت معنا فيما بين نهايات السورة السابقة وبدايات السورة اللاحقة، جعلنا نركز على هذا المعنى هنا، وهي ظاهرة تجدها في القرآن كله: أن السورة السابقة توصلك إلى السورة اللاحقة وتمهد لها، لاحظ مثلا نهاية سورة يونس وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ وبداية سورة هود الر* كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ
…
تجد الصلة، لاحظ نهاية سورة هود فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ
…
ثم ادرس سورة يوسف بعدها، تجد سورة يوسف درسا في التوكل وهكذا، إلا أنه كما قلنا: أحيانا تكون الصلة واضحة، وأحيانا تحتاج إلى تأمل، ومن هذا المعنى والمعاني الأخرى التي ذكرناها حول ترتيب القرآن نجد أن هذا الترتيب للقرآن فيه من أنواع الإعجاز ما لا يحيط به البشر، فما أكثر جنون أولئكم الذين لا يدركون أسرار هذا الترتيب، ويطالبون بترتيب آخر أو يعترضون على هذا الترتيب، وما أكثر ما أخطأ- وغفر الله له- من حاول أن يفسر القرآن على غير ترتيبه الحالي، كأن فسره على حسب ترتيب النزول في زعمه، وهو موضوع لا توجد أدواته أصلا ولا أدلته بشكل يستقصي القرآن كله، وذلك من فعل الله لهذا القرآن؛ حتى لا تفكر الأمة إلا بهذا الترتيب الخاص لما يحويه من إعجاز ويترتب عليه من مصالح.
…
لقد رأينا في المجموعة المارة معنا- وهي المجموعة الأولى من المفصل- كيف أنها فصلت في مقدمة سورة البقرة، والمقطع الأول من القسم الأول من السورة، ورأينا أدلة ذلك وتوجيهه، ورأينا صلة نهاية السورة منها ببداية ما بعدها، وسنلاحظ في كل المجموعات الآتية من المفصل أنها تفصل في حدود هذه الآيات من سورة البقرة، ولا تتجاوزها لما بعدها، بينما رأينا أن مجموعات القسم الأول والثاني وبعض مجموعات القسم الثالث تفصل في هذا، وفيما يأتي بعده من سورة البقرة، واقتصار المفصل على هذا الحد من التفصيل يشير إلى أن تفصيل هذه الآيات هو الأساس الذي يبنى عليه
غيره، كما أن هذا يشير إلى أن المعاني الأولى من سورة البقرة هي البداية والنهاية، وأنها المعاني التي تحتاج النفس البشرية إلى أن تذكر بها مرة بعد مرة، كما أن هذا يشير إلى كثرة المعاني المستكنة في الآيات الثلاثين الأولى لسورة البقرة حتى احتاج تفصيلها إلى عشرات السور.
…
وسنلاحظ فيما سيأتي معنا من السور أن المجموعة الواحدة تفصل في معنى متسلسل مرتبط بالآيات الأولى من سورة البقرة، ثم تأتي المجموعة الأخرى فتفصل في معنى يتكامل مع السياق بحيث يتم تكامل متعدد الجوانب في قسم المفصل، بشكل معجز وبديع.
…
ومن مثل ما مر معنا ندرك كيف يأخذ كل إنسان حظه من هذا القرآن، فمن لا يدرك إلا المعاني الحرفية لكل آية يأخذ حظه كاملا، ومن يدرك مع هذا محل الآية مع ما قبلها وما بعدها يأخذ حظا آخر، ومن يدرك وحدة السورة يأخذ حظا زائدا، ومن يدرك صلة السورة بمجموعتها يأخذ حظا جديدا، ومن يدرك صلة المجموعة بقسمها،
وصلة الأقسم بسورة البقرة، وسر سياق سورة البقرة الخاص يأخذ حظوظا ومعاني أخرى، ثم الناس يتفاوتون في هذا كله، فمن إدراك محدود إلى أوسع منه إلى أوسع، بما لا يلغى فيه فهم أوسع من فهم دونه، وكل ذلك هو بعض الشأن في هذا القرآن.
…
هذا كله إذا نظرنا إلى المسألة من خلال قراءة واحدة، ولكن هناك قراءات، وأوسع من ذلك أن القرآن أنزل على سبعة أحرف سنرى معناها في كتاب (الأساس في السنة وفقهها) وفي ذلك أسرار كثيرة. فالوقف في قراءة يعطيك معنى، والوقف في قراءة أخرى يعطيك معنى جديدا، والإعراب المتعدد للكلمة الواحدة في القراءة الواحدة- أو في القراءات- يعطيك معاني جديدة، وكل معنى من هذه المعاني هو صحيح في بابه، وباجتماعها مع بعضها تتولد عندك معان لا تتناهى، ولا يستطيع أحد لها حصرا وليس هذا هو كل شئ في هذا القرآن، بل هذا بعض الشئ.
…
فكتاب هذا شأنه هل يشك إلا مجنون جاهل أعمى في أنه من عند الله عز وجل، كيف ومع تقادم العصور تجد معانيه تسبق العصور، وتتحدى أن يستطيع أحد أن ينقض معنى منها. وقبل أن ننتقل إلى المجموعة الثانية من قسم المفصل نحب أن نذكر بما يلي:
1 -
هناك تكامل بين معاني السورة الواحدة ودليله وحدة معانيها، وهناك تكامل بين سور المجموعة الواحدة، والمجموعة التي بين أيدينا تصلح نموذجا على ذلك، فقد بدأت المجموعة في الذاريات التي تحدثت عن القيامة، وختمت المجموعة بسورة الواقعة، ولقد تكامل الكلام عن التقوى في سور الذاريات والطور والنجم، وجاءت سورة القمر- وفيها إنذار- لتدفع نحو التقوى، وجاءت سورة الرحمن- وفيها تذكير بالنعمة- لتدفع نحو التقوى، ثم جاءت سورة الواقعة لتكمل الدفع نحو الوصول.
2 -
وكما أن هناك تكاملا بين معاني السورة الواحدة، وتكاملا بين سور المجموعة، فإن تكاملا بين مجموعات القسم كائن، وسنتعرض لهذا أثناء عرضنا لهذا القسم، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.
3 -
وكل قسم من الأقسام يكمل بقية الأقسام، فقسم المفصل يكمل تفصيل قسم المثاني، وقسما المثاني والمفصل يكملان تفصيل قسم المئين، والأقسام الثلاثة تكمل تفصيل قسم الطوال، ولهذا كله قواعده وأسرار انتظامه، وكل ذلك قد ربط بخيوط إلى سورة البقرة، فكأنها الأصل الذي ينبثق عنه بانتظام فروع أولى، ثم فروع ثانية، ثم فروع ثالثة، ثم فروع رابعة، فكأنها شجرة فيها أربع وعشرون طبقة، كل طبقة لها فروعها وثمارها، وكل طبقة ترتبط بآيات سورة البقرة بخيوط منتظمة.
***