الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لقد قيل لموسى عليه السلام: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى
…
وقيل له:
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي
…
وقيل له: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي. وكلها تعبيرات تدل على مقامات رفيعة. ولكنه قيل لمحمد- صلى الله عليه وسلم:
فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وهو تعبير فيه إعزاز خاص، وأنس خاص. وهو يلقي ظلا فريدا أرق وأشف من كل ظل
…
ولا يملك التعبير البشري أن يترجم هذا التعبير الخاص.
فحسبنا أن نشير إلى ظلاله، وأن نعيش في هذه الظلال).
…
وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ أي: للصلاة، أو من أي مكان قمت، أو من منامك
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ قال ابن كثير: أي اذكره واعبده بالتلاوة والصلاة في الليل وَإِدْبارَ النُّجُومِ أي: وإذا أدبرت النجوم آخر الليل فسبحه قال النسفي: (أي في أعقاب النجوم وآثارها إذا غربت) والمراد أن يقول: سبحان الله وبحمده في هذه الأوقات، وقيل التسبيح: الصلاة إذا قام من نومه وَمِنَ اللَّيْلِ صلاة العشاءين وَإِدْبارَ النُّجُومِ صلاة الفجر.
كلمة في السياق:
1 -
دلت الآيتان الأخيرتان بسبب كونهما معطوفتين على قوله تعالى:
فَذَكِّرْ على أن الدعوة إلى الله تحتاج إلى صبر وعبادة، وخص بالذكر التسبيح بحمد الله في الصلاة وغيرها، لما يتركه ذلك في النفس من تسليم، والملاحظ أن الذين يشتغلون بالدعوة إلى الله دون أن تكون لهم أورادهم لا يستطيعون الاستمرار، وإذا استمروا فإنتاجهم قليل، فلا بد أن يجتمع للداعية التذكير والصبر والعبادة.
2 -
نلاحظ أن السورة تألفت من ثلاث مجموعات واضحة التمايز، وواضحة الصلات، وكلها تخدم قضية التقوى، التي هي المضمون الرئيسي لمحور السورة من سورة البقرة.
الفوائد:
1 -
قدم ابن كثير لتفسير سورة الطور بما يلي: (قال مالك: عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه. أخرجاه من طريق مالك، وروى البخاري عن زينب
بنت أبي سلمة عن أم سلمة قالت: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي فقال:
«طوفي من وراء الناس وأنت راكبة» فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جنب البيت يقرأ بالطور وكتاب مسطور).
2 -
بمناسبة قوله تعالى: وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ قال ابن كثير: (ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الإسراء بعد مجاوزته السماء السابعة:
«ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم» يعني: يتعبدون فيه، ويطوفون به، كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم، كذلك ذاك البيت المعمور هو كعبة أهل السماء السابعة، ولهذا وجد إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مسندا ظهره إلى البيت المعمور، لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل، وهو بحيال الكعبة، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها ويصلون إليه، والذي في السماء الدنيا يقال له بيت العزة والله أعلم. وروى ابن جرير عن خالد ابن عرعرة أن رجلا قال لعلي: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له الضراح، وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، ثم لا يعودون فيه أبدا. وكذا رواه شعبة وسفيان الثوري، وعندهما أن ابن الكواء هو السائل عن ذلك ثم رواه ابن جرير عن عاصم عن علي ابن ربيعة قال: سأل ابن الكواء عليا عن البيت المعمور؟ قال: مسجد في السماء يقال له الضراح، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون فيه أبدا. ورواه من حديث أبي الطفيل عن علي بمثله. وقال العوفي عن ابن عباس: هو بيت حذاء العرش، تعمره الملائكة يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، ثم لا يعودون إليه. وكذا قال عكرمة ومجاهد وغير واحد من السلف. وقال قتادة والربيع بن أنس والسدي: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما لأصحابه: «هل تدرون ما البيت المعمور؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:«فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة لو خر لخر عليها، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم» ).
3 -
بمناسبة قوله تعالى: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ قال ابن كثير: (وقال الجمهور هو هذا البحر، واختلف في معنى قوله: المسجور فقال بعضهم: المراد أنه يوقد يوم القيامة نارا كقوله: وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ أي: أضرمت فتصير نارا تتأجج، محيطة بأهل الموقف. ورواه سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب، وروي
عن ابن عباس، وبه يقول سعيد بن جبير ومجاهد وعبيد الله بن عمير وغيرهم، وقال العلاء ابن بدر: إنما سمي البحر المسجور لأنه لا يشرب منه ماء، ولا يسقى به زرع، وكذلك البحار يوم القيامة، كذا رواه عنه ابن أبي حاتم، وعن سعيد بن جبير وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ يعني: المرسل، وقال قتادة: المسجور المملوء، واختاره ابن جرير، ووجهه بأنه ليس موقدا اليوم فهو مملوء، وقيل المراد به الفارغ).
أقول: قوله تعالى: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ يفسره قوله تعالى في سورة التكوير وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ وكلام بعض المفسرين يدل على أن ذلك يكون قبيل نفخة الصعق، وإنما ذكرت هذا لأن كلام ابن كثير هنا في قوله تعالى: وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ يوحي بأن هذا التسجير سيكون في الموقف، فأردت أن أبين أن هذه القضية خلافية بين المفسرين، ومن ثم فالقسم بالبحر المسجور إما أن يكون به حاليا إذ هو مملوء ماء، أو بالبحر إذ تحدث له حالة قبيل يوم القيامة فيصبح نارا تتأجج.
4 -
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ قال ابن كثير: (قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا: خرج عمر يعس المدينة ذات ليلة، فمر بدار رجل من المسلمين فوافقه قائما يصلي، فوقف يستمع قراءته فقرأ وَالطُّورِ حتى بلغ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ* ما لَهُ مِنْ دافِعٍ قال: قسم ورب الكعبة حق، فنزل عن حماره واستند إلى حائط، فمكث مليا ثم رجع إلى منزله، فمكث شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه رضي الله عنه، وروى الإمام أبو عبيد في فضائل القرآن عن الحسن أن عمر قرأ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ* ما لَهُ مِنْ دافِعٍ فربا لها ربوة أعيد منها عشرين يوما).
5 -
بمناسبة قوله تعالى: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ* الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ قال صاحب الظلال: (وهذا الوصف ينطبق ابتداء على أولئك المشركين ومعتقداتهم المتهافتة، وتصوراتهم المهلهلة؛ وحياتهم القائمة على تلك المعتقدات وهذه التصورات التي وصفها القرآن وحكاها في مواضع كثيرة، وهي لعب لا جد فيه، لعب يخوضون فيه كما يخوض اللاعب في الماء، غير قاصد إلى شاطئ أو هدف، سوى الخوض واللعب!
ولكنه يصدق كذلك على كل من يعيش بتصور آخر غير التصور الإسلامي
…
وهذه حقيقة لا يدركها الإنسان إلا حين يستعرض كل تصورات البشر المشهورة
- سواء في معتقداتهم أو أساطيرهم أو فلسفاتهم- في ظل التصور الإسلامي للوجود الإنساني ثم للوجود كله
…
إن سائر التصورات- حتى لكبار الفلاسفة الذين يعتز بهم تاريخ الفكر الإنساني- تبدو محاولات أطفال يخبطون ويخوضون في سبيل الوصول إلى الحقيقة. تلك الحقيقة التي تعرض في التصور الإسلامي- وبخاصة في القرآن- عرضا هادئا ناصعا قويا بسيطا عميقا. يلتقي مع الفطرة التقاء مباشرا دون كد ولا جهد ولا تعقيد؛ لأنه يطالعها بالحقيقة الأصلية العميقة فيها، ويفسر لها الوجود وعلاقتها به، كما يفسر لها علاقة الوجود بخالقه.
وطالما عجبت وأنا أطالع تصورات كبار الفلاسفة؛ وألاحظ العناء القاتل الذي يزاولونه وهم يحاولون تفسير هذا الوجود وارتباطاته؛ كما يحاول الطفل الصغير حل معادلة رياضية هائلة
…
وأمامي التصور القرآني يبدو واضحا ناصعا سهلا هينا ميسرا طبيعيا، لا عوج فيه ولا لف ولا تعقيد ولا التواء. وهذا طبيعي، فالتفسير القرآني للوجود هو تفسير صانع هذا الوجود لطبيعته وارتباطاته
…
أما تصورات الفلاسفة فهي محاولات أجزاء صغيرة من هذا الوجود لتفسير الوجود كله. والعاقبة معروفة لمثل هذه المحاولات البائسة!
إنه عبث، وخلط، وخوض، حين يقاس إلى الصورة المكتملة الناضجة المطابقة، التي يعرضها القرآن على الناس، فيدعها بعضهم إلى تلك المحاولات المتخبطة الناقصة.
المستحيلة الاكتمال والنضوج!).
6 -
بمناسبة قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ قال ابن كثير:
(وقال ابن أبي حاتم حدثنا صفوان بن عمرو أنه سمع الهيثم بن مالك الطائي يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليتكئ المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحول عنه ولا يمله، يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه». وعن ثابت قال: بلغنا أن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة عنده من أزواجه وخدمه، وما أعطاه الله من الكرامة والنعيم، فإذا حانت منه نظرة فإذا أزواج له لم يكن رآهن من قبل ذلك فيقلن قد آن لك أن تجعل لنا منك نصيبا).
7 -
بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
…
قال ابن كثير: (روى الثوري عن ابن عباس قال: إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقربهم
عينه ثم قرأ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري به، وكذا رواه ابن جرير، ورواه البزار عن ابن عباس مرفوعا فذكره ثم قال: وقد رواه الثوري عن عمرو بن مرة عن سعيد عن ابن عباس موقوفا. وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ قال: هم ذرية المؤمن يموتون على الإيمان، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم ألحقوا بآبائهم، ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوها شيئا. وروى الحافظ الطبراني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أظنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: «إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده فقال: إنهم لم يبلغوا درجتك فيقول:
يا رب قد عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم به» وقرأ ابن عباس: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ
…
الآية.
وروى العوفي عن ابن عباس في هذه الآية يقول: والذين أدرك ذريتهم الإيمان فعملوا بطاعتي ألحقتهم بإيمانهم إلى الجنة وأولادهم الصغار تلحق بهم، وهذا راجع إلى التفسير الأول، فإن ذلك مفسر أصرح من هذا، وهكذا يقول الشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم وقتادة وأبو صالح والربيع بن أنس والضحاك وابن زيد، وهو اختيار ابن جرير).
8 -
بمناسبة قوله تعالى عن خمر الآخرة: يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ
…
قال ابن كثير: (قال ابن عباس: اللغو: الباطل، والتأثيم:
الكذب. وقال مجاهد: لا يستبون ولا يؤثمون، وقال قتادة: كان ذلك في الدنيا مع الشيطان فنزه الله خمر الآخرة عن قاذورات خمر الدنيا وأذاها كما تقدم، فنفى عنها صداع الرأس، ووجع البطن، وإزالة العقل بالكلية، وأخبر أنها لا تحملهم على الكلام السيئ الفارغ عن الفائدة، المتضمن هذيانا وفحشا، وأخبر بحسن منظرها، وطيب طعمها ومخبرها فقال: بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ* لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ وقال: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ وقال هاهنا: يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ.
9 -
بمناسبة قوله تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ
…
إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن مسروق عن عائشة أنها قرأت
هذه الآية: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ* إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ فقالت: اللهم من علينا وقنا عذاب السموم، إنك أنت البر الرحيم. قيل للأعمش: في الصلاة؟ قال: نعم).
10 -
بمناسبة قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قال ابن كثير: (روى محمد بن إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنه: إن قريشا لما اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم قال قائل منهم: احتبسوه في وثاق، وتربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله تعالى ذلك من قولهم: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ).
11 -
عند قوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ قال ابن كثير: (روى البخاري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ* أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ* أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ؟ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ؟ كاد قلبي أن يطير، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طرق عن الزهري به، وجبير بن مطعم كان قد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وقعة بدر في فداء الأسارى، وكان إذ ذاك مشركا، فكان سماعه هذه الآية من هذه السورة من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام بعد ذلك).
12 -
بمناسبة قوله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ قال ابن كثير:
(وسبح بحمد ربك، قال الضحاك: أي إلى الصلاة: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. وقد روي مثله عن الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهما، وروى مسلم في صحيحه عن عمر أنه كان يقول هذا في ابتداء الصلاة، ورواه أحمد وأهل السنن عن أبي سعيد وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ذلك. وقال أبو الجوزاء: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ أي: من نومك من فراشك، واختاره ابن جرير ويتأيد هذا القول بما رواه الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال رب اغفر لي- أو قال ثم دعا- استجيب له، فإن عزم فتوضأ ثم صلى قبلت صلاته» وأخرجه البخاري في
صحيحه وأهل السنن من حديث الوليد ابن مسلم به، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ قال: من كل مجلس، وقال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ قال: إذا أراد الرجل أن يقوم من مجلسه قال سبحانك اللهم وبحمدك.
وروى ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي رباح أنه حدثه عن قول الله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ يقول حين تقوم من كل مجلس إن كنت أحسنت ازددت خيرا، وإن كنت غير ذلك كان هذا كفارة له، وروى عبد الرزاق في جامعه عن أبي عثمان الفقير أن جبريل علم النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من مجلسه أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. قال معمر: وسمعت غيره يقول هذا القول كفارة المجالس، وهذا مرسل وقد وردت أحاديث مسندة من طرق يقوي بعضها بعضا بذلك، فمن ذلك: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر الله له ما كان في مجلسه ذلك» رواه الترمذي وهذا لفظه، والنسائي في اليوم والليلة من حديث ابن جريج، وقال الترمذي: حسن صحيح، وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: إسناده على شرط مسلم إلا أن البخاري علله. قلت: علله الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني وغيرهم، ونسبوا الوهم فيه إلى ابن جريج على أن أبا داود قد رواه في سننه من طريق غير ابن جريج إلى أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، ورواه أبو داود واللفظ له والنسائي والحاكم في المستدرك من طريق الحجاج ابن دينار عن أبي برزة الأسلمي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بآخر عمره إذا أراد أن يقوم من المجلس: «سبحانك اللهم
وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك» فقال رجل: يا رسول الله إنك لتقول قولا ما كنت تقوله فيما مضى، قال:
«كفارة لما يكون في المجلس» وقد روي مرسلا عن أبي العالية فالله أعلم، وهكذا رواه النسائي والحاكم من حديث الربيع بن أنس عن أبي العالية عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء، وروي مرسلا أيضا فالله أعلم. وكذا رواه أبو داود عن عبد الله ابن عمرو أنه قال: «كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير ومجلس ذكر إلا ختم بهن كما يختم بالخاتم:
سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك» وأخرجه الحاكم من