الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كلمة في سورة المجادلة ومحورها:
يلاحظ أن هناك تشابها قويا بين سورة المجادلة وسورة المائدة؛ تبدأ سورة المائدة بالأمر بالوفاء بالعقود، وتبدأ سورة المجادلة بالكلام عن طريق خاطئ لفك عقد الزواج، وفي سورة المائدة نجد قوله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وفي سورة المجادلة نجد قوله تعالى: فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وفي سورة المائدة نجد قوله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا. ونجد في سورة المجادلة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ .... ونجد في سورة المائدة كلاما كثيرا عن الولاء، ونجد في سورة المجادلة: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ .... ونجد لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ....
ونجد في سورة المائدة تصريحا بذكر حزب الله، ونجد في سورة المجادلة تصريحا بذكر حزب الله كذلك، ولا نجد تصريحا بذكر حزب الله في القرآن كله إلا في
هاتين السورتين أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (سورة المائدة)، أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (سورة المجادلة)، وهذا يشير إلى أن محور سورة المجادلة هو محور سورة المائدة.
…
إن محور سورة المائدة من سورة البقرة هو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ فسبب إضلال الله الإنسان يعود إلى اتصاف الإنسان بالفسوق الذي هو نقض عهد الله من بعد ميثاقه، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والإفساد في الأرض، ومن ثم جاءت سورة المائدة لتفصل في ما يحرر من هذه المعاني ليكون الطريق إلى الهداية سالكا بسلوك طريقها الإيجابي، وهو الذي فصلته سورة النساء وأمثالها، وإن المجادلة تؤدي نفس الدور الذي أدته سورة المائدة، فهي تحرر من عوامل الضلال. فإذا كانت سورة الحديد
حققت بالمعاني الإيجابية للهداية، فإن سورة المجادلة تحرر من المعاني السلبية التي تحول دون الهداية.
…
إن هناك متقين وفاسقين، والفاسقون نوعان: كافرون ومنافقون، هؤلاء يقفون في طرف، وهؤلاء يقفون في طرف آخر، ولا نعني بالفسوق هنا الفسوق النسبي فهذا قد يقع فيه المؤمنون.
…
وقد لخصت هذه الآيات- من سورة البقرة- خصائص المتقين: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ولخصت هذه الآية- من سورة البقرة- خصائص الفاسقين: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ الأولون مفلحون وهؤلاء خاسرون، وسورة الحديد انصب الكلام فيها على ما يحقق بخصائص المتقين، وسورة المجادلة ينصب الكلام فيها على ما يحرر من أخلاق الفاسقين، والتكامل قائم والتداخل موجود.
…
في القرآن سورتان مبدوءتان ب (قد) سورة المؤمنون وسورة المجادلة وقد رأينا من قبل أن سورة المؤمنون تفصل في قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
…
وفصلت في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً
…
أي في محور سورة المائدة فهي تفصل- في جملة ما تفصل- المحور الذي تفصل فيه سورة المجادلة.
…
تتألف سورة المجادلة من مقدمة ومقطعين، كل مقطع مبدوء بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
…
* ومن مطلع المقطعين ندرك كيف تتكامل سورة الحديد وسورة المجادلة، فسورة الحديد تأمر بالإيمان بالله ورسوله، وسورة المجادلة تتحدث عن محاربة الله ورسوله، وكما قلنا من قبل فالسورتان تفصلان في صفات
الفريقين المتقابلين: المتقين والفاسقين لتحققا في التقوى، وتحررا من الفسوق، وكما تفصلان في صفات الفريقين من ناحية فإنهما تتكاملان كمجموعة واحدة ضمن قسم واحد، كل مجموعة تؤدي دورها في تكميل أختها داخل القسم، ليؤدي القسم كله دورا متكاملا في البناء المكمل للأقسام الأخرى، فإذا عرفت هذا كله، وعلمت بعد ذلك أن هذا القرآن نزل منجما خلال ثلاث وعشرين سنة تقريبا حسب الحوادث والنوازل، أو حسب التدرج في بناء أمة جديدة بما يقتضيه وضع بنائها شيئا فشيئا حتى اكتمل القرآن بترتيب الله على صيغته الحالية، وكان في هذه الصيغة مثل هذا الترتيب العجيب البديع، الذي يحقق مقاصد جمة، والذي نرى فيه الإجمال، والتفصيل، والوحدة الجزئية، والوحدة الكلية، والسياق الخاص للسورة، ومحلها في السياق القرآني العام، وغير ذلك مما رأيناه ونراه من هذا ندرك أن هذا القرآن جل أن يكون بشري المصدر.
…
تنتهي مقدمة سورة المجادلة بنهاية الآية (4) ويستمر المقطع الأول فيها حتى نهاية الآية (19) ويستمر المقطع الثاني حتى نهاية السورة أي إلى نهاية الآية (22) ولنبدأ عرض السورة.
***