الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).
15 - وفي رمضان من هذه السنة: كانت سرية حمزة في عبد المطلب رضي الله عنه إلي سِيف البحر
.
الشرح:
بداية الإذن بالقتال:
فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأيده الله بنصره، بعباده المؤمنين الأنصار، وألف بين قلوبهم بعد العداوة والإِحَن التي كانت بينهم، فمنعته أنصارُ الله وكتيبةُ الإسلام من الأسود والأحمر، وبذلوا نفوسهم دونه وقدموا محبته على محبة الآباء والأبناء والأزواج، وكان أول بهم من أنفسهم، رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا لهم من كل جانب، والله سبحانه يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة، واشتد الجناح، فأذن لهم حينئذ في القتال، ولم يفرضه عليهم فقال تعالى:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39)} [الحج: 39].
وقد قالت طائفة: إن هذا الإذن كان بمكة، والسورة مكية وهذا غلط لوجوه:
أحدها: أن الله لم يأذن بمكة لهم في القتال، ولا كان لهم شوكة يتمكنون بها من القتال بمكة.
الثاني: أن سياق الآية يدل على أن الإذن بعد الهجرة، وإخراجهم من ديارهم، فإنه قال:{الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ}
(1) انظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 66، 68، "السيرة النبوية الصحيحة" 1/ 282، 285.
[الحج: 40] ، وهؤلاء هم المهاجرون.
الثالث: قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج: 19] نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر من الفريقين.
الرابع: أنه قد خاطبهم في آخرها بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} والخطاب بذلك كله مدني، فأمَّا الخطاب {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} فمشترك.
الخامس: أنه أمر فيها بالجهاد الذي يعم الجهاد باليد وغيره، ولا ريب أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة، فأمَّا جهاد الحجة، فأمر به في مكة بقوله:{فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ} أي: بالقرآن {جِهَادًا كَبِيرًا (52)} [الفرقان: 52] فهذه سورة مكية، والجهاد فيها هو التبليغ، وجهاد الحجة، وأما الجهاد المأمور به في سورة الحج فيدخل فيه الجهاد بالسيف.
السادس: أن الحاكم روى في "مستدركه" من حديث الأعمش عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون ليهْلِكُنَّ، فأنزل الله عز وجل:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39] وهي أول آية نزلت في القتال، وإسناده على شرط الصحيحين، وسياق السورة يدل على أن فيها المكي والمدني، فإن قصة إلقاء الشيطان في أمنية الرسول مكية، والله أعلم (1).
وكما هو معروف في فن الحرب أن الهجوم أقوى وسائل الدفاع، وقريش مصممة على خوض المعركة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فلتكن المبادرة منه، ومن أجل
(1)"زاد المعاد" 3/ 62، 64.
هذا كانت السنة الأولى كلها سنة هجوم على قوافل قريش، فلقد جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سرايا وكانت كلها لاعتراض عير قريش ما عدا واحدة كانت ردًا على هجوم قام به كُرْز بن جابر الفهري واستمرت هذه السرايا من رمضان السنة الأولى للهجرة إلى رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وكان قادة هذه السرايا جميعًا من المهاجرين، وكان لهذا معنى خاص في هذه الحرب، فأصل العهد مع الأنصار هو حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه في المدينة، وهذه السرايا تعرض للقوافل خارج المدينة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فلابد من تدريب شباب الدعوة على الحرب بعد أن أُمروا بكفِّ أيديهم خلال ثلاثة عشر عامًا من العهد المكي.
ومن جهة ثالثة، فلابد أن تعرف قريش أن هؤلاء المهاجرين الفارِّين من اضطهادها في مكة ليسوا موطن ضعف وهوان، بل هم قوة مرهوبة ذات شوكة عليها أن تحسب ألف حساب قبل أن تفكر في مواجهتهم.
ومن جهة رابعة، فعلى قريش أن تذوق وبال أمرها لموقفها المشين من الدعوة وأن تتجرع مرارة هذا الموقف، فتعلم أن مصالحها وتجارتها صارت مهب الريح بعد أن سيطر المسلمون على شريان حياتها من خلال قوافلها إلى الشام، حيث أصبحت رحلة الصيف عندها وخيمة العواقب (1).
ولتعلم أخي -حفظك الله- أنَّ غزوات المسلمين ضد المشركين لم تكن لحبهم سفك الدماء، أو لأن دين الإسلام دين قتل ودمار، كما يقول أعداء هذا الدين الحنيف من اليهود والنصارى والملحدين إنما كانت لهذه الغزوات أسبابها المعلومة لدى الجميع بما فيهم هؤلاء المفترين، ولكنهم جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلواً.
(1)"المنهج الحركي للسيرة النبوية" 1/ 232، 233 أ/منير محمد الغضبان نقلا عن "سيرة الرسول" للشيخ/ محمود المصري.