المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ المحبة تستدعي مشاكلة ومناسبة - روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط عطاءات العلم - الكتاب

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأولفي أسماء المحبة

- ‌الباب الثانيفي اشتقاق هذه الأسماء ومعانيها

- ‌الأسماءُ الدالَّة عَلَى مسمًّى واحدٍ نوعان:

- ‌الباب الرابعفي أنَّ العالمَ العُلويَّ والسُّفليَّ إنَّما وُجد بالمحبَّة ولأجلها

- ‌الحركة الإرادية تابعةٌ لإرادة المتحرِّك

- ‌ الملائكة مُوَكَّلَةٌ بالعالم العُلويِّ والسُّفلي

- ‌ الإيمانُ بالملائكة أحدَ أركان الإيمان الذي لا يَتمّ إلا به

- ‌الحبُّ والإرادة أصلُ كلِّ فعلٍ ومبدؤه

- ‌جميعُ حركات العالم العلويِّ والسُّفليِّ تابعةٌ للإرادة والمحبَّة

- ‌ يَنْطِق الكونُ بأجمعه بحمده تبارك وتعالى قالًا وحالًا

- ‌الباب الخامسفي دَواعي المحبَّة ومتعلَّقها

- ‌ المحبَّة تستدعي مشاكلةً ومناسبةً

- ‌داعي الحبِّ مِنَ المُحبِّ أربعة أشياء:

- ‌الباب السادسفي أحكام النظر، وغائلته، وما يجني على صاحبه

- ‌ العينَ مِرْآة القلب

- ‌سكرُ العشق أعظمُ من سكر الخمر

- ‌الباب السابعفي ذكر مناظرةٍ بين القلب والعين،ولوم كلٍّ منهما صاحبه(1)، والحكم بينهما

- ‌ أقوال الأئمة

- ‌الباب التاسعفي الجواب عمَّا احتجَّت به هذه الطَّائفة،وما لها وما عليها

- ‌الشَّهوةُ المجرَّدة لا تلتحق بالضرورات، ولا بالحاجات

- ‌الباب الثاني عشرفي سَكْرَةِ العُشَّاق

- ‌ حقيقة السُّكْرِ وسببه

- ‌الخمرُ شرابُ الأجسام، والعشق شراب النفوس، والألحانُ شراب الأرواح

- ‌الباب الثالث عشرفي أنَّ اللذَّة تابعةٌ لِلْمَحَبَّة في الكمال والنُّقصان

- ‌اللذَّة والألم يَنْشآن عن إدراك المُلائم والمُنافي

- ‌اللذَّة الجثمانيةُ:

- ‌الباب الرابع عشرفيمنْ مدح العِشْقَ وتمنَّاه، وَغَبَطَ صاحبَهعلى ما أُوتِيَهُ مِنْ مُناه

- ‌الباب الخامس عشرفيمن ذمَّ العِشْقَ، وتبرَّم به، وما احتجَّ بهكلُّ فريقٍ على صحَّة مذهبه

- ‌العشق هو الدَّاء الدَّويُّ؛ الذي تذوب معه الأرواح

- ‌العشقُ والهوى أصلُ كلِّ بليَّة

- ‌ الباب السَّادس عشرفي الحُكْم بين الفريقينوفصل النِّزاع بين الطائفتين

- ‌ العشق لا يُحْمدَ مطلقًا، ولا يُذَمُّ مطلقًا

- ‌الباب السابع عشرفي استحباب تخيُّر الصورة الجميلة للوِصالالذي يحبُّه الله ورسوله

- ‌الباب الثَّامن عشرفي أنَّ دواء المُحبِّين في كمال الوصالالذي أباحه ربُّ العالمين

- ‌ هل يجبُ على الزَّوج مجامعةُ امرأته

- ‌«خيرُ الأمور أوساطها»

- ‌الباب التاسع عشرفي ذكر فضيلة الجمالوميل النفوس إليه على كلِّ حال

- ‌ الجمال ينقسمُ قسمين: ظاهر وباطن

- ‌ الجمال الباطن يُزيِّن الصورة الظاهرة

- ‌ فصل في ذكر حقيقة الحُسْنِ والجمال ما هي

- ‌ممَّا يُذمُّ في النساء

- ‌ الباب العشرونفي علامات المحبَّة وشواهدها

- ‌ ذكر أقسام النفوس ومحابِّها

- ‌فصلومنها: إغضاؤه عند نظر محبوبه إليه

- ‌فصلومنها: كثرةُ ذكر المحبوب

- ‌أعلى أنواع ذكر الحبيب

- ‌المحبُّون ثلاثة أقسام:

- ‌فصلومنها: الإقبالُ على حديثه، وإلقاءُ سمعه كلِّه إليه

- ‌فصلومنها: محبَّةُ دار المحبوب وبيته

- ‌فصلومنها: الإسراع إليه في السير

- ‌فصلومنها: محبةُ أحباب المحبوب، وجيرانه، وخدمه

- ‌فصلومنها: انجلاء همومه وغمومه إذا رأى محبوبه أو زاره

- ‌فصلومنها: البهتُ والرَّوعة التي تحصلُ عند مواجهة الحبيب، أو عند سماع ذكره

- ‌ سبب هذه الرَّوعة، والفزع، والاضطراب

- ‌فصلومنها: غيرتُه لمحبوبه وعلى محبوبه

- ‌أقوى الناس دينًا أعظمُهم غيرةً

- ‌للمحب في هذا ثلاثةُ أحوال:

- ‌فصلومنها: سروره بما يُسرُّ به محبوبه

- ‌فصلومنها: حبُّ الوحدة، والأنس بالخلوة، والتفرُّد عن الناس

- ‌فصلومنها: استكانةُ المحبِّ لمحبوبه، وخضوعُه، وذلُّه له

- ‌فصلومنها: امتدادُ النفَس، وتردُّد الأنفاس، وتصاعدُها

- ‌فصلومنها: هجرُه كل سبب يُقصيه من محبوبه

- ‌المحبَّة النافعة

- ‌فصلومنها: الاتفاق الواقع بين المحبّ والمحبوب

- ‌الباب الحادي والعشرونفي اقتضاء المحبة إفراد الحبيب بالحبوعدم التَّشريك بينه وبين غيره فيه

- ‌ المحبة ثلاثة أقسام: محبة الله، والمحبة له وفيه، والمحبة معه

- ‌الباب الثاني والعشرونفي غَيْرَةِ المُحبِّين على أحبابهم

- ‌الغيرة نوعان: غيرةٌ للمحبوب، وغيرة عليه

- ‌فصلومنها: شدةُ الموافقة للحبيب

- ‌الباب الثالث والعشرونفي عفاف المُحبِّين مع أحبابهم

- ‌الباب الرابع والعشرون في ارتكاب سبيل الحرام وما يفضي إليه من المفاسد والآلام

- ‌الصحيح: أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزاني

- ‌الباب الخامس والعشرون في رحمة المُحبين، والشفاعة لهم إلى أحبابهم في الوصال الذي يبيحه الدين

- ‌الباب السادس والعشرون في ترك المحبين أدنى المحبوبَينِ رغبةً في أعلاهما

- ‌النفس الأبيةُ لا ترضى بالدُّون

- ‌الرَّاغبون ثلاثةُ أقسام: راغبٌ في الله، وراغبٌ فيما عند الله، وراغبٌ عن الله

- ‌حياةُ القلب مع الله لا حياة له بدون ذلك أبدًا

- ‌من أسمائه الحسنى: الجميلُ

- ‌من علامات المحبَّة الصَّادقة

- ‌أشدُّ العقوبات العقوبة بسلب الإيمان

- ‌ من ترك لله شيئًا؛ عوَّضه الله خيرًا منه

- ‌الباب الثامن والعشرون فيمن آثر عاجل العقوبة والآلام على لذَّة الوصال الحرام

- ‌الباب التَّاسع والعشرون في ذم الهوى وما في مخالفته من نيل المنى

- ‌لا ينبغي ذم الهوى مطلقًا، ولا مدحه مطلقًا

- ‌ حاكم العقل، وحاكم الدِّين

- ‌ متَّبع الهوى ليس أهلًا أن يطاع

- ‌ متَّبع الهوى بمنزلة عابد الوثن

- ‌ الهوى داءٌ، ودواؤه مخالفته

- ‌ الهوى تخليطٌ، ومخالفته حِمْيَةٌ

- ‌ التَّوحيد واتِّباع الهوى متضادَّان

- ‌ الهوى رِقٌّ في القلب، وغُلٌّ في العُنُق، وقيدٌ في الرِّجل

- ‌ مخالفة الهوى توجبُ شرف الدنيا، وشرف الآخرة

الفصل: ‌ المحبة تستدعي مشاكلة ومناسبة

لها بوجهِكَ نورٌ تستضيءُ به

ومِن حَدِيثكَ في أعْقَابِهَا حادِي

إذا شَكَتْ من كَلالِ السَّيْرِ أوعَدَها

رَوْحُ اللقاء فتَقوى عندَ ميعاد

والمقصودُ أنَّ‌

‌ المحبَّة تستدعي مشاكلةً ومناسبةً

.

وقد ذكرَ الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمه الله تعالى

(1)

ــ في مسنده

(2)

من حديث عائشة رضي الله عنها: أنَّ امرأةً كانت تدخلُ على قريش، فتُضحكُهم، فقدمتِ المدينة، فنزلتْ على امرأةٍ تُضْحِكُ النَّاسَ، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:«على مَنْ نزلتْ فلانة؟» فقالت: على فلانَةَ المُضْحِكَة، فقال:«الأرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعارَفَ مِنْها ائْتَلَفَ، ومَا تَنَاكَر مِنْها اخْتَلَف» . وأصلُ الحديث في الصحيح

(3)

.

(1)

«بن

تعالى» ساقطة من ت.

(2)

لم أجده في المسند. وبهذا السياق أخرجه الخرائطي في «اعتلال القلوب» (ص 216) من طريق علي بن أبي علي اللهبي عن الزهري عن عروة عن عائشة. وعلي له مناكير كما قال أحمد، وقال أبو حاتم والنسائي: متروك، وقال ابن معين: ليس بشيء. انظر: «ميزان الاعتدال» (3/ 147).

(3)

أصل الحديث دون ذكر القصة أخرجه البخاري (3336) تعليقًا، ووصله في «الأدب المفرد» (900) من حديث عائشة، وأخرجه مسلم (2638)، والبخاري في «الأدب المفرد» (901) من حديث أبي هريرة.

ص: 114

وذُكر لبقراط

(1)

رجلٌ من أهل النقص يحبُّه، فاغتمَّ لذلك، وقال: ما أحبَّني إلا وقد وافقْتُه في بعض أخلاقِهِ، وأخذَ المتنبي هذا المعنى فقلبَه، وأجادَ، فقال

(2)

:

وإذا أتتكَ مَذَمَّتِي مِن ناقصٍ

فهي الشَّهادةُ لي بأنِّي فاضلُ

وقال بعض الأطباء

(3)

: العشقُ: امتزاجُ الرُّوح بالرُّوح؛ لما بينهما من التناسب والتشاكل، فإذا امتزج الماءُ بالماء امتنعَ تخليصُ بعضِه من بعض، وكذلك

(4)

تبْلُغُ المحبَّةُ بين الشخصين حتى يتألَّم أحدُهما بتألُّم الآخر، ويَسْقَم بسقمِه وهو لا يشْعُر.

ويُذكَر

(5)

أنَّ رجلًا كان يُحِبُّ شخصًا، فمرضَ، فدخل عليه أصحابه يعودونه، فوجدوا به خِفَّةً، فانبسط معهم، وقال: من أين جئتم؟ قالوا: من عند فلانٍ عُدْناهُ، فقال: أوَ كان عليلًا؟ قالوا: نعم، وقد عُوفِي، فقال: والله لقد أنكرتُ عِلَّتي هذه ولم أعرفْ لها سببًا، غير أني توهَّمْتُ: أنَّ ذلك لعلَّةٍ نالت بعض من أُحبُّ، ولقد وجدتُ في

(6)

يومي هذا

(1)

الخبر في «الواضح المبين» (ص 55).

(2)

«ديوانه» (3/ 376). وفيه: «كامل» .

(3)

كما في «الواضح المبين» (ص 55).

(4)

ش: «لذلك» .

(5)

الخبر في «الواضح المبين» (ص 54).

(6)

«في» ساقطة من ت.

ص: 115

راحةً، ففرحْتُ طمعًا أن يكون الله سبحانه وتعالى شفاه، ثم دعا بدواةٍ، فكتب إلى محبوبه

(1)

:

إنِّي حُمِمْتُ ولم أشعُرْ بِحُمَّاك

حتى تحدَّثَ عُوَّادِي بشكواكِ [29 أ]

فقلتُ ما كانتِ الحُمَّى لِتَطْرُقَنِيْ

مِن غيرِ ما سَبَبٍ إلا لِحُمَّاك

وخَصْلَةٍ كنتُ فيها غيرَ مُتَّهَمٍ

عافانيَ اللهُ منها حينَ عافاك

حتى إذا اتفقت نفسي ونفسك في

هذا وذاك وفي هذا وفي ذاكِ

(2)

ويُحْكى

(3)

أنَّ رجلًا مرِضَ مَن يُحِبُّه، فعادَه المحبُّ، فمرضَ من وقته، فعوفيَ محبوبُه، فجاءَ يعودُه، فلما رآه عُوفي من وقته، وأنشد

(4)

:

(1)

الأبيات لأبي نواس في «ديوانه» (ص 299) مفتوحة القافية، وكما هنا في «ديوان الصبابة» (ص 68)، و «تزيين الأسواق» (1/ 61 - 62)، و «الواضح المبين» (ص 54).

(2)

هذا البيت ساقط من ش. وجواب «إذا» في البيت التالي في الديوان.

(3)

الخبر في «الواضح المبين» (ص 54).

(4)

الشعر للشافعي في القسم المنسوب له في «ديوانه» (ص 139)، و «الواضح المبين» (ص 54)، و «تزيين الأسواق» (1/ 62). وبلا نسبة في «العقد الفريد» (2/ 450)، و «حماسة الظرفاء» (2/ 90).

ص: 116

مَرِضَ الْحَبيبُ فَعُدْتُه

فمَرِضْتُ مِنْ حَذَرِي عليهِ

وأتى الحبيبُ يَعُودُوني

فبرئتُ مِنْ نَظري إلَيْه

وأنت إذا تأمَّلْتَ الوجودَ؛ لا تكاد تجد اثنين يتحابَّان إلا وبينهما مشاكلةٌ، أو اتفاقٌ في فعلٍ أو حالٍ أو مَقْصِدٍ، فإذا تباينت المقاصدُ والأوصافُ والأفعالُ والطرائقُ لم يكن هناك إلا النُّفْرَةُ والبعدُ بين القلوب، ويكفي في هذا الحديثُ الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:«مَثَلُ المُؤمِنينَ في توادِّهمْ، وترَاحُمِهِمْ، وتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَل الجَسَدِ الْوَاحِد، إذا اشْتَكى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعى له سائرُ الجسدِ بالحُمَّى والسَّهَر»

(1)

.

فإن قيل: فهذا الذي ذَكرتم يقتضي أنَّه إذا أحبَّ شخصٌ شخصًا أن

(2)

يكونَ الآخرُ يحبُّه فيشتركان في المحبَّة، والواقعُ يشهدُ بخلافه، فكم من محبٍّ غير محبوب، بل بسيف البغض مضروب.

قيل

(3)

: قد اختلفَ الناس في جواب هذا السؤال، فأما أبو محمد بن حزم فإنَّه قال

(4)

: الذي أذهبُ إليه أنَّ العشقَ اتصالٌ بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخلقة في أصل عُنْصُرها الرفيع، لا على ما حكاه

(1)

أخرجه البخاري (6011)، ومسلم (2586) من حديث النعمان بن بشير.

(2)

ش: «إلا أن» .

(3)

ش: «فقيل» .

(4)

«طوق الحمامة» (ص 21).

ص: 117

محمَّد بن داود

(1)

عن بعض أهلِ الفلسفة أن الأرواح أُكَرٌ

(2)

مقسومةٌ، لكن على سبيل مناسبةِ قواها في مَقَرِّ عالَمها العُلويِّ، ومجاورتها في هيئة تركيبها.

وقد علمنا أن سرَّ

(3)

التمازج والتباين في المخلوقات إنَّما هو الاتصال والانفصال، فالشكلُ دائمًا

(4)

يستدعي شكلَه، والمثلُ إلى مثله ساكنٌ. وللمجانسة [29 ب] عملٌ محسوس، وتأْثيرٌ مشاهد.

والتنافُرُ في الأضداد، والموافقةُ في الأنداد، والنِّزاعُ فيما تشابَه موجود بيننا، فكيف بالنفس وعالَمُها العالمُ الصَّافي الخفيف، وجوهرُها الجوهرُ الصَّعَّاد المعتدلُ، وسِنْخُها المُهَيَّأُ لقَبول الاتفاق والميل والتَّوْق، والانحراف والشهوة والنِّفار؟ والله تعالى يقول:{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف/ 189]، فجعل عِلَّةَ السكُون أنَّها منه، ولو كان عِلَّةَ الحبِّ حسنُ الصورة الجسدية لوجبَ ألا يُسْتَحْسَنَ الأنقصُ

(5)

من الصُّور، ونحن نجد كثيرًا ممن يُؤْثِرُ الأدنى ويعلمُ فضل غيره، ولا يجدُ محيدًا لقلبه عنه، ولو كان للموافقة في الأخلاق لما

(1)

انظر: «الزهرة» (1/ 53).

(2)

«أكر» ساقطة من ت.

(3)

ت: «شر» تصحيف.

(4)

ش: «إنما» . وفي «طوق الحمامة» : «دأبا» .

(5)

ش: «إلا بعض» تحريف.

ص: 118

أحبَّ المرءُ من لا يُساعدهُ ولا يُوافقه، فعلمنا أنَّه شيءٌ في ذات النفس، وربما كانت المحبَّةُ لسببٍ من الأسباب، وتلك تفنى بفناء سببها.

قال

(1)

: ومما يؤكِّد

(2)

هذا القول أنَّنا قد علمنا أنَّ المحبَّة ضُروب، فأفضلُها محبَّةُ المتحابِّين في الله، إمَّا لاجتهادٍ في العمل، وإمَّا لاتفاق في أصل المذهب، وإمَّا لفضل علمٍ يُمْنَحُه الإنسانُ. ومحبَّةُ القرابة، ومحبَّةُ الألفة والاشتراك في المطالب، ومحبَّةُ التَّصاحُب والمعرفة، ومحبَّةٌ لبرٍّ يضعهُ المرء

(3)

عند أخيه، ومحبَّةٌ لطمعٍ في جاه المحبوب، ومحبَّةُ المتحابَّيْن لسرٍّ يجتمعان عليه يلزمهما سَتْرُه، ومحبَّةٌ لبلوغ اللَّذَّة وقضاء الوَطَرِ، ومحبَّةُ العشق التي لا عِلَّةَ لها إلا ما ذكرنا من اتصال

(4)

النفوس.

وكلُّ هذه الأجناس فمنقضيةٌ مع انقضاء عِلَلها، وزائدةٌ بزيادتها، وناقصةٌ بنقصانها، متأكِّدَةٌ بدُنوِّها، فاترةٌ

(5)

ببعدها، حاشا محبَّةِ العشق الصَّحيح المُتمكِّن من النفس.

ثم أورَدَ هذا السُّؤال، قال

(6)

: والجوابُ: أنَّ نفسَ الذي لا يحبُّ من

(1)

«طوق الحمامة» (ص 22).

(2)

ت: «يؤيد» .

(3)

ت: «العبد» .

(4)

«اتصال» ساقطة من ش.

(5)

ت: «فائزة» تحريف.

(6)

طوق الحمامة (ص 22).

ص: 119

يُحبه مُكْتَنِفَةُ الجهات ببعض الأعراض الساترة، والْحُجُب المحيطة بها من الطبائع الأرضية، فلم تُحِسَّ بالجزء الذي كان متصلًا بها قبل حلولها حيث هي، ولو تخلَّصت لاستويا

(1)

في الاتصال والمحبَّة

(2)

.

ونفس [30 أ] المحبِّ متخلِّصةٌ عالمةٌ بمكان ما كان يَشْرَكُها في المجاورة، طالبةٌ له، قاصدةٌ إليه، باحثة عنه، مشتهيةٌ لملاقاته، جاذبةٌ له لو أمكنها كالمِغْنَاطِيس والحديد، وكالنَّار في الحجر

(3)

.

وأجابت طائفةٌ أخرى: أنَّ الأرواح خُلِقتْ على هيئة الكُرة، ثُم قُسِمت، فأيُّ رُوحين تَلاقَتا هناك وتجاورتا؛ تآلفتا في هذا العالم، وتحابَّتا، وإن تنافرتا هناك تنافرتا هنا، وإن تآلفتا من وجهٍ وتنافرتا من وجهٍ؛ كانتا كذلك ها هنا.

وهذا الجواب مبنيٌّ على الأصل الفاسد الذي أصَّله هؤلاء: أنَّ الأرواح موجودةٌ قبل الأجساد، وأنَّها كانت متعارفةً متجاورة هناك، تتلاقى وتتعارف، وهذا خطأ، بل الصَّحيح الذي دلَّ عليه الشرعُ والعقلُ: أنَّ الأرواحَ مخلوقةٌ مع الأجساد، وأن الملك المُوَكَّل بنفخ الرُّوح في الجسد ينفُخ فيه الرُّوح إذا مضى على النطفة أربعةُ أشهر، ودخلتْ في الخامس، وذلك أوَّل حدوثِ الرُّوح فيه.

(1)

ش: «لو تخلصت لاستوت» . ت: «لو تخلصا لاستويا» . والمثبت من «طوق الحمامة» .

(2)

«في الاتصال والمحبة» ساقطة من ت، ش.

(3)

هنا انتهى النقل من «طوق الحمامة» .

ص: 120

ومن قال: إنَّها مخلوقةٌ قبل ذلك فقد غلط، وأقبحُ منه قولُ من قال: هي قديمةٌ، أو تَوَقَّفَ في ذلك، بل الصَّوابُ في الجواب أن يقال: المحبَّةُ كما تقدَّم قسمان:

محبةٌ عَرَضِيَّةٌ غَرَضِيَّةٌ، فهذه لا يجبُ الاشتراك فيها، بل يقارنها مَقْتُ المحبوب وبغضُه للمحبِّ كَثيرًا، إلا إذا كان له معه غرضٌ نظيرُ غرضه، فإنَّه يحبُّه لغرضه منه، كما يكون بين الرَّجل والمرأة اللَّذَيْن لكلٍّ منهما غرضٌ مع صاحبه.

والقسم الثاني: محبَّةٌ رُوحانية سببُها المشاكلة والاتفاق بين الرُّوحين، فهذه لا تكون إلا من الجانِبَيْن ولابدَّ، فلو فَتَّش المُحبُّ المحبَّةَ الصادقةَ قلبَ المحبوب لوجدَ عنده من محبَّته نظيرَ ما عنده، أو دونه، أو فوقه.

فصل

وإذا كانت المحبَّةُ من الجانِبَيْن استراحَ بها كلُّ واحدٍ من المُحبَّيْن، وسكَّن ذلك بعضَ ما به، وعدَّه نوعًا من الوِصَال، وقالت امرأةٌ من [30 ب] العرب

(1)

:

حَجَجْتُ ولم أحْجُجْ لذنبٍ عمِلتُه

ولكن لتُعْدِيني عَلَى قاطع الحَبْلِ

(1)

الأبيات لامرأة في «الواضح المبين» (ص 52). وتُنسب لقيس بن الملوح (المجنون) في «لباب الآداب» لابن منقذ (ص 414)، وعنه في «ديوانه» (ص 232).

ص: 121

ذهبتُ بعقلي في هَواهُ صغيرةً

وقد كَبِرَتْ سِنِّي فرُدَّ به عَقلي

وإلا فسوِّ الحبَّ بيني وبينَه

فإنَّك يا مولايَ تُوصَفُ بالعَدْل

وقال آخر

(1)

:

فيا ربِّ أشْغِلْها بحبِّي كما بِها

شَغَلْتَ فُؤادي كي يَخِفَّ الذي بِيا

وقالت امرأةٌ تعاتب بَعْلَها: أسألُ الذي قسمَ بين العباد معايشَهم أن يَقْسِم الحبَّ بيني وبينَك، ثم أنشدت

(2)

:

أدعو الذي صَرَفَ الهَوى

منِّي إليكَ وَمِنْكَ عَنِّي

أنْ يَبْتَلِيْكَ بما ابتَلا

نِي أو يَسُلَّ الحبَّ مني

وقال آخر

(3)

:

فيا ربِّ إنْ لم تَقْسِمِ الحُبَّ بيننا

بشَطْرَينِ فاجْعلْني عَلَى هجْرِها جَلْدا

وأعْقِبْنيَ السُّلوانَ عنها ورُدَّ لي

فُؤاديَ مِن سَلْمى أُثِبْك به

(4)

حمدًا

(1)

بلا نسبة في «الواضح المبين» (ص 52).

(2)

كما في «الواضح المبين» (ص 52).

(3)

البيتان لرجل من بني العشق في «الواضح المبين» (ص 52). والأول للمجنون في «لسان العرب» (سوا)، و «شرح أبيات مغني اللبيب» (3/ 215)، و «ديوانه» (ص 120).

(4)

ت: «بها» .

ص: 122

وقال أبو الهُذَيْل العَلَّاف

(1)

: لا يجوز في دَوْر الفلك، ولا في تركيب الطبائع، ولا في الواجب، ولا في المُمكن أن يكونَ محبٌّ ليس لمحبوبه إليه ميلٌ، وإلى هذا المذهب ذهبَ أبو العباس الناشئ حيث يقول

(2)

:

عيناكِ شاهِدَتان أنَّكِ مِن

حَرِّ الهَوى تجدينَ ما أجِدُ

بكِ ما بِنا لكنْ على مَضضٍ

تتَجَلَّدِينَ ومَا بِنَا جَلَدُ

وقال أبو عُيَيْنَة

(3)

:

تبيتُ بنا تَهْذِي وأَهْذِي بذكرِها

كِلانا يُقاسي اللَّيل وهو مُسهَّدُ

وما رَقدت إلا رأتني ضَجِيعَها

كذاك أراها في الكرى حين أرقُدُ

تُقِرُّ بذنبي حين أغفُو ونلتقي

وأسألُها يقظان عنه فتجحدُ

كلانا سواءٌ في الهوى غير أنَّها

تجلَّدُ أحيانًا وما لي تجلُّدُ

وقال عُرْوَةُ بن أُذيْنة

(4)

:

(1)

انظر: «منازل الأحباب» (ص 43)، و «الواضح المبين» (ص 52).

(2)

له في «منازل الأحباب» (ص 219)، و «الواضح المبين» (ص 53)، وفيه: أن الشعر لكثير، وقال الحصري في «المصون»: للناشئ.

(3)

الأبيات له في «الواضح المبين» (ص 53)، وأخلَّ بها ديوانه المجموع المنشور في مجلة المعهد الفرنسي «بدمشق» . والبيت الرابع مع آخر بلا نسبة في «مصارع العشاق» (2/ 245)، و «منازل الأحباب» (ص 44)، و «تزيين الأسواق» (1/ 340).

(4)

سبق الأول منهما، وهناك التخريج.

ص: 123

إنَّ التي زَعمت فؤادك ملَّها

خُلِقَتْ هواكَ كما خُلِقْتَ هوىً لها [31 أ]

فبك الذي زعمتْ بها فكلاكُما

أبدى لصاحبِه الصَّبابةَ كلَّها

فإذا تشاكلت النفوس وتمازجت الأرواح وتفاعلت؛ تفاعلت عنها الأبدان، وطلبت نظير الامتزاج والجوار الذي بين الأرواح، فإن البدن آلة الرُّوح ومَركَبُه، وبهذا ركَّب الله سبحانه شهوة الجماع بين الذكر والأنثى طلبًا للامتزاج والاختلاط بين البدنين، كما هو بين الرُّوحين، ولهذا يُسمَّى جماعًا وخِلاطًا ونكاحًا وإفضاء؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما يُفضي إلى صاحبه، فيزول الفضاءُ بينهما.

فإن قيل: فهذا يُوجِب تأكُّد الحبِّ بالجماع وقوّتَه به، والواقعُ خلافه، فإنَّ الجماع يُطْفِئ نارَ المحبَّة، ويُبَرِّد حرارتَها، ويُسكِّن نفس المحبِّ.

قيل: الناس مختلفون في هذا، فمنهم من يكون بعد الجماع أقوى محبَّةً، وأمكنَ وأثبت ممَّا قبله، ويكون بمنزلة من وُصف له شيء ملائمٌ، فأحبَّه، فلمَّا ذاقه كان له أشدَّ محبَّة، وإليه أشدَّ اشتياقًا.

وقد ثبت في الصحيح

(1)

عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عروج الملائكة

(1)

أخرجه البخاري (6408)، ومسلم (2689) من حديث أبي هريرة.

ص: 124

إلى ربِّهم، أنه سبحانه يسألهم عن عباده ــ وهو أعلم بهم ــ فيقولون: «إنهم يُسبِّحونكَ، ويُمجِّدونك

(1)

، ويقدّسونك، فيقول: وهل رأوني؟ فيقولون: لا، فيقول: فكيف لو رأوني؟ فتقولُ الملائكة: لو رأوك لكانوا أشدَّ تسبيحًا وتقديسًا وتمجيدًا، ثم يقولون: ويسألونك الجنَّة، فيقولُ: وهل رأوها؟ فيقولون: لا، فيقولُ: فكيف لو رأوها؟ فتقولُ الملائكة: لو رأوها لكانوا أشدَّ لها طلبًا» وذكر الحديث.

ومعلومٌ: أنَّ محبةَ من ذاق الشيء الملائمَ وعَدِمَ صَبْرَه عنه أقوى من محبة من لم يَذُقْهُ، بل نفسه مفطومة

(2)

عنه، والمودَّةُ التي بين الزوجين والمحبةُ بعد الْجماع أعظمُ من التي كانت قبله.

والسببُ الطبيعي أنَّ شهوةَ القلب ممتزجةٌ بلذَّة العين، فإذا رأتِ العينُ اشتهى القلبُ، فإذا باشر الجسمُ الجسمَ؛ اجتمعَ [31 ب] شهوةُ القلب ولذَّة العين ولذة المباشرة، فإذا فارق هذه الحال كان نِزَاعُ نفسه إليها أشدَّ، وشوقُه إليها أعظمَ، كما قيل

(3)

:

(1)

ش: «ويحمدونك» .

(2)

ت: «منطوية» .

(3)

البيت لإسحاق بن إبراهيم الموصلي في «الموشح» (ص 271)، و «معجم الأدباء» (2/ 605)، و «نهاية الأرب» (3/ 88)، و «بغية الطلب» (2/ 237). وقد غيَّر الشاعر لما عِيبَ عليه الشطر الأول وقال:

وكل مسافرٍ يزداد شوقًا

=

=

وهو بهذه الرواية في «عيون الأخبار» (1/ 141)، و «أمالي القالي» (1/ 55)، و «الأغاني» (9/ 385)، و «زهر الآداب» (1/ 510)، و «التمثيل والمحاضرة» (ص 90).

ص: 125

وأكثرُ

(1)

ما يكونُ الشَّوقُ يومًا

إذا دَنَتِ الدِّيارُ من الدِّيار

ولذلك يتضاعفُ الألم والحسرةُ على من رأى محبوبَه أو باشرَه، ثم حِيلَ بينه وبينَه، فتضاعُفُ ألَمِه وحسرتِه في مقابلة مضاعفة لذّة من عاوده، وهذا في جانب المرأة أقوى، فإنها إذا ذاقت عُسَيْلَةَ الرَّجل ــ ولا سيما أوَّل عُسَيْلَة ــ لم تكدْ تصبرُ عنه بعد ذلك، قال أيمن بن خُرَيم

(2)

:

يُميتُ العتابَ خِلاطُ النساءِ

ويُحيي اجتنابُ الخِلاطِ العِتابا

وتزوَّج زهير بن مسكين الفِهْري جاريةً، ولم يكن عنده ما يُرضيها به، فلما أمكنته من نفسها لم تَرَ عنده ما ترضى به، فذهبت ولم تَعُدْ إليه

(3)

، فقال في ذلك أشعارًا كثيرةً، منها

(4)

:

تقولُ وقد قَبَّلْتُها ألفَ قُبْلَةٍ

كفاكَ أمَا شيءٌ لَدَيْكَ سِوى القُبَلْ

فقلتُ لها حبٌّ على القلب حفظُه

وطولُ بُكاءٍ تستفيضُ له المُقَلْ

(1)

ت: «وأقتل» .

(2)

له في «عيون الأخبار» (4/ 102)، و «الشعر والشعراء» (1/ 543)، و «شرح المختار من شعر بشار» (ص 212)، و «الواضح المبين» (ص 77).

(3)

«إليه» ساقطة من ش.

(4)

الأبيات في «ديوان الصبابة» (ص 209)، و «الواضح المبين» (ص 78).

ص: 126

فقالت لعمرُ الله ما لَذّةُ الفتى

من الحبِّ في قولٍ يُخالفه الفِعَلْ

(1)

وقال آخر

(2)

:

رأت حُبِّي سعادُ بلا جماعٍ

فقالت حَبلُنَا حَبْلُ انقطاعِ

ولستُ أُرِيدُ حُبًّا ليس فيه

متاعٌ منكَ يدخلُ في متاعي

فلو قبَّلْتَنِي ألفًا وألفًا

لما أُرضيتُ إلا بالجِمَاعِ

إذا ما الصَّبُّ لم يكُ ذا جِمَاعٍ

يَرى المحبوبَ كالشيءِ المُضَاعِ

جِماعُ الصَّبِّ غايةُ كُلِّ أُنْثَى

وداعيهِ لأهلِ العِشْق دَاعِي

فقلْتُ لها وقد ولَّتْ تعالَيْ

فإنَّكِ بعد هذا لن تُرَاعِي

وإنكِ لو سألتِ بقاءَ يومٍ

خليٍّ

(3)

عن جِمَاعِك لن تُطاعي

فقالتْ مَرْحَبًا بفتىً كريمٍ

ولا أهلًا بِذي الخَنَعِ اليَرَاعِ [32 أ]

إذا ما البعلُ لم يكُ ذا جِماعٍ

يُرى في البيت مِنْ سَقَطِ المَتاع

وقال آخر

(4)

:

ولما شكوتُ الحبَّ قالت كذبتَني

فكم زَورةٍ منِّي قصدتُك خاليا

فما حُلَّ فيها من إزارٍ للذَّةٍ

فعدتُ وحاجاتُ الفُؤادِ كما هِيا

(1)

ت: «العمل» .

(2)

بلا نسبة في «ديوان الصبابة» (ص 210)، و «الواضح المبين» (ص 77).

(3)

ت: «خلا» .

(4)

ت: «وقال أيضًا» .

ص: 127

وهل راحةٌ للمرءِ في وِردِ مَنْهَلٍ

ويَرْجعُ بعد الوِرْد ظمآنَ صادِيا؟

وقال العباس بن الأحنف

(1)

:

لم يَصْفُ وصلٌ لمعشوقَين لم يَذُقا

وصلًا يَجِلُّ على كل اللَّذاذات

وقال هُدْبَة بن الخَشْرَم

(2)

:

والله ما يَشْفي الفؤادَ الهائما

نفثُ الرُّقَى وعَقْدُكَ التَّمائما

ولا الحديثُ دون أنْ تُلازِما

ولا اللِّزامُ دُون أن تُفاغِما

وتعْلُوَ القَوائِمُ القَوائِما

وقال آخر

(3)

:

قولا لعاتكَة التي

في نظرةٍ قضَتِ الوَطَرْ

إنِّي أُريدكِ للنكَا

ح ولا أُريدكِ للنظرْ

(1)

«ديوانه» (ص 70)، و «الواضح المبين» (ص 74)، و «ديوان الصبابة» (ص 209).

(2)

الرجز له في شعره المجموع (ص 133) و «الشعر والشعراء» (2/ 691، 692)، و «الأغاني» (21/ 258)، و «الواضح المبين» (ص 74)، و «شرح الحماسة» للتبريزي (2/ 14)، و «المقاصد النحوية» (2/ 428)، و «خزانة الأدب» (4/ 85)، و «ديوان الصبابة» (ص 209).

(3)

الأبيات بلا نسبة في «الواضح المبين» (ص 74)، و «ديوان الصبابة» (ص 209).

ص: 128

لوْ كانَ هذا بُغْيَتي

لَقَنِعْتُ منها بالقَمَرْ

وقال آخر

(1)

:

دواءُ الحبّ تقبيلٌ وشَمٌّ

ووضعٌ للبُطونِ على البُطونِ

ورَهْزٌ تذرفُ العينانِ منه

وأخذٌ بالمناكب والقرون

وقالت امرأةٌ وقد طُلبت منها المحادثة

(2)

:

لَيْسَ بِهذا أَمَرتْنِي أُمِّي

ولا بتقبيلٍ ولا بِشَمِّ

لكن جِمَاعًا قد يُسلِّي هَمِّي

يَسْقُطُ منه خاتَمِي في كُمِّي

وقد كشف الشاعر سبب ذلك حيث يقول

(3)

:

(1)

هما لأم الضحاك المحاربية في «اللآلي» للبكري (2/ 692)، و «حماسة» ابن الشجري (ص 277)، و «شرح المقامات» للشريشي (1/ 162)، وبلا نسبة في «العقد الفريد» (6/ 140)، و «الواضح المبين» (ص 75)، و «ديوان الصبابة» (ص 207). والأول فقط في «البيان والتبيين» (3/ 206).

(2)

ت: «طلب منها محادثة» . والرجز لامرأة العجاج (وهي الدهناء بنت مسحل) في «اللآلي» للبكري (2/ 692)، و «تهذيب الألفاظ» (ص 348)، و «بلاغات النساء» (ص 119). ولأم الورد في «الواضح المبين» (ص 75). وبلا نسبة في «البيان والتبيين» (3/ 207)، و «التذكرة الحمدونية» (6/ 228).

(3)

بلا نسبة في «الواضح المبين» (ص 77).

ص: 129

لو ضَمَّ صَبٌّ إِلْفَه ألْفًا لَمَا

أجدَى وزادتْ لوعةٌ وغَرامُ

أرواحُهم من قَبْلِ ذاك تألَّفَتْ

فتألَّفَتْ مِن بَعْدِها الأجسامُ

وقال

(1)

:

سألتُ فقيهَ الحُبِّ عن عِلَّة الهَوى

وقلتُ له أشكُو إلى الشَّيْخ حَالِيا

فقالَ دواءُ الحبِّ أن تُلْصِقَ الحَشا

بأحشاءِ منْ تهوى إذا كنتَ خَالِيا

وتَتَّحدَا من بعد ذاك تعانُقًا

وتَلْثِمَه حتى يُرى لك ناهِيا

فتقضيَ حاجاتِ الفُؤادِ بأسرِها

على الأمن ما دامَ الحبيبُ مُواتيا

إذا كانَ هذا في حلالٍ فحبَّذا

وصالٌ به الرَّحمنُ تلقاهُ راضيا

وإن كان هذا في حرامٍ فإنَّه

عذابٌ به تَلْقَى العَنا والمَكاوِيا

قال هؤلاء: ولا يستحكم الحبُّ إلا بعد أن يَشُقَّ الرجلُ رداءَه، وتشقُّ

(2)

المرأة المعشوقةُ بُرْقُعَهَا. كما قال

(3)

:

إذا شُقَّ بُرْدٌ شُقَّ بالبُرْد بُرْقعٌ

دَوَالَيْكَ حتى كلُّنا غيرُ لابسِ

فَكَمْ قد شَقَقْنا مِن رِداءٍ مُحَبَّرٍ

ومن بُرْقُعٍ عن طَفْلةٍ غيرِ عانس

(1)

في ش بعدها زيادة: «المؤلف رحمه الله تعالى» . والبيت الثاني منها في «الواضح المبين» (ص 75). فليُنظر هل الشعر للمؤلف، وضمَّنه البيت الثاني؟

(2)

«تشق» ساقطة من ش.

(3)

البيتان لسحيم عبد بني الحسحاس في «ديوانه» (ص 16)، و «المقاصد النحوية» (3/ 401)، و «خزانة الأدب» (1/ 272). وبلا نسبة في «الواضح المبين» (ص 74).

ص: 130

ولما بلغ بعضَ الظرفاء قولُ المأْمون:

ما الحبُّ إلا قبلةٌ

الأبيات

(1)

.

قال: كذبَ المأمون، ثم قال

(2)

:

وباض الحبُّ في قلبي

فَوا ويلًا إذا فرَّخْ

وما يَنْفَعُني حُبِّي

إذا لم أكنُس البَرْبَخْ

وإن لم يَضع الأصْلَـ

ـعُ خُرْجَيْه على المطْبَخ

وقال ابن الرُّومي

(3)

:

أُعانقها والنفسُ بعدُ مشوْقَةٌ

إليْها وهَلْ بعد العِنَاقِ تَدانِ؟!

وأَلْثِمُ فاها كي تَزُولَ صَبابَتِي

فيشتدُّ ما ألقى من الهيمَانِ

ولَمْ يَكُ مِقْدَارُ الذي بي من الجَوَى

لِيَشْفِيه ما ترشُفُ الشَّفَتَانِ

كأنَّ فُؤادِي ليسَ يَشْفِي غَليلَه

سوى أن أرى الرُّوحين تمتزجان

وقال الطَّبرانيُّ في معجمه الأوسط

(4)

: حدَّثنا بكر بن سهل، حدَّثنا

(1)

ستأتي قريبًا.

(2)

الأبيات لأبي العبر في «الأغاني» (23/ 199)، و «الواضح المبين» (ص 76)، و «ديوان الصبابة» (ص 208).

(3)

تقدمت الأبيات وتخريجها. وانظر: الواضح المبين» (ص 76).

(4)

رقم (3177). وأخرجه أيضًا ابن ماجه (1847)، والحاكم في «المستدرك» (2/ 160)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (7/ 78) من طريق محمد بن مسلم به. ورُوي أيضًا عن إبراهيم عن طاوس مرسلًا، أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (2747)، وسعيد بن منصور في «سننه» (492)، وعبد الرزاق في «المصنف» (6/ 151). وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (624).

ص: 131

عبد الله بن يوسف، حدَّثنا محمَّد بن مسلم، عن إبراهيم بن مَيْسَرَة، عن طاوس، عن ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ: أن رجلًا قال: يا رسول الله! عندنا يتيمةٌ قد خطبَها رجلان: مُوسرٌ ومُعْسرٌ، وهي تهوى المُعْسِرَ، ونحنُ نهوى المُوسِرَ، فقال:«لَمْ يُرَ للْمُتَحابَّيْن مِثلُ التَّزْويج» .

قال أبو القاسم الطبرانيُّ: لم يَرْوِه عن طاوس إلا إبراهيم، ولا رواه عن إبراهيم إلا محمد بن مسلم وسفيان الثوري، تفرَّد به مُؤَمَّل بن إسماعيل عن الثوريِّ. انتهى.

وقد رواه أبو الفرج بن الجوزي

(1)

من حديث حَيَّان بن بِشْر: حدَّثنا أحمد بن حَرْب، حدّثنا ابن عيينة، حدّثنا عمرو عن جابر، فذكره.

وقال المعافى بن عمران: حدَّثنا إبراهيم بن يزيد، عن [33 أ] سليمان ابن موسى، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وحدَّثنا علي بن حرب الطَّائيُّ، حدَّثنا ابن عُيَيْنَة، عن إبراهيم بن مَيْسَرة، عن طاوس.

(1)

في «ذم الهوى» (ص 601).

ص: 132

وذكره الدَّارقطني في كتاب «الغرائب»

(1)

وقال: تفرَّد به يزيد بن مروان، عن عمر بن هارون، عن عثمان بن الأسود المَكِّيِّ، عن إبراهيم بن مَيْسَرة، عن طاوس.

وقالت هند بنت المُهلَّب: ما رأيتُ لصالحي النساء وشِرارهن خيرًا من إلحاقهنَّ بمن يَسْكُنَّ إليه من الرِّجال، ولَربَّ مسكونٍ إليه غير طائلٍ، والسَّكن على كلِّ حالٍ أوفق.

وذكر الحاكم في تاريخ نَيْسابور

(2)

من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه: «أرْبَعٌ لا يَشْبَعْنَ منْ أَرْبع: أرضٌ من مَطَرٍ، وأُنثى من ذَكَرٍ، وعينٌ من نَظَرٍ، وعالِمٌ من عِلمٍ» . وهذا باطلٌ قطعًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كثيرٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(1)

انظر: «أطراف الغرائب» (3/ 194).

(2)

وأخرجه أيضًا أبو نعيم في «الحلية» (2/ 281)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (1/ 234) من طريق محمد يعني ابن الفضل عن التيمي عن ابن سيرين عن أبي هريرة. وفيه محمد بن الفضل كذاب. ورواه العقيلي في «الضعفاء» (2/ 297)، وابن حبان في «المجروحين» (2/ 19، 20)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (1/ 234) من طريق محمد بن الحسن بن زبالة ثنا عبد الله بن محمد بن العجلان عن أبيه عن جده عن أبي هريرة. قال العقيلي: لا أصل له، عبد الله بن محمد بن عجلان منكر الحديث، لا يتابع على هذا الحديث.

ص: 133

وذكر الطبرانيُّ في معجمه الأوسط

(1)

من حديث ابن عمر يرفعه: «فضلُ ما بين لذَّة المَرْأة ولذَّة الرَّجُلِ كأَثرِ المِخْيَط في الطِّين، إلا أنَّ الله سَتَرهنَّ بِالحَيَاءِ» . وقال: لم يَرْوِه عن ليث إلا أبو المسيب سَلْم بن سلام، عن سويد، عن

(2)

عبد الله بن أسامة، عن يعقوب بن خالد، عن عطاء، عن ابن عمر رضي الله عنهما. قلت: وهذا أيضًا لا يَصِحُّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسناده مظلمٌ، لا يُحتجُّ بمثله.

فصل

ورأت طائفةٌ: أنَّ الجماع يُفسِد العشقَ ويُبطِله أو يُضعفه، واحتجت بأُمور:

منها: أن الجماع هو الغاية التي تُطْلَب بالعشق، فما دام العاشقُ طالبًا فعشقه ثابتٌ، فإذا وصل إلى الغاية قضى وطرَه، وبَرَدَت حرارةُ طلبه، وطَفِئَتْ نارُ عشقه.

قالوا: وهذا شأنُ كلِّ طالبٍ لشيءٍ إذا ظَفِر به، كالظمآن إذا رَوِيَ، والجائع إذا شَبع، فلا معنى للطَّلب بعد الظَّفر.

(1)

رقم (7374). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (4/ 293): فيه أحمد بن علي بن شوذب، لم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات.

(2)

كذا في ت، ش. والصواب: «عن يزيد بن

». كما في «المعجم الأوسط» .

ص: 134

ومنها: أنَّ سبب العِشْقِ فكريٌّ، وكلَّما قَوِيَ الفكرُ زادَ العشقُ، وبعد الوصول لا يَبْقى الفكر.

ومنها: أنَّه قبل الظفر ممنوعٌ، والنفسُ مُولَعَةٌ بحبِّ ما مُنِعَتْ منه، كما قال

(1)

[33 ب]:

وزادَني كَلَفًا في الحُبِّ أنْ مُنِعَتْ

أحَبُّ شيءٍ إلى الإنسانِ ما مُنِعا

وقال الآخر

(2)

:

لولا اطِّرادُ الصَّيْدِ لم تَكُ لَذَّةٌ

فَتَطَارَدِي لي بالوِصَالِ قليلا

قالوا: وكانت الجاهلية الجهلاء في كفرهم لا يرجون ثوابًا، ولا يخافون عقابًا، وكانوا يصونون العِشْق عن الجماع، كما ذُكر أنَّ أعرابيًّا عَلِق امرأةً، فكانَ يأتيها سنينَ، وما جرى بينهما ريبةٌ، قال: فرأيتُ ليلةً بياضَ كفِّها في ليلةٍ ظلماء، فوضعتُ يدي على يدها، فقالت: مه، لا

(1)

البيت للأحوص في «ديوانه» (ص 153)، و «نوادر» أبي زيد (ص 198)، و «الزهرة» (1/ 236)، و «الأغاني» (4/ 299)، و «العقد الفريد» (3/ 306)، و «زهر الآداب» (1/ 350)، و «حماسة» ابن الشجري (ص 152). ويُنسب للمجنون في «ديوانه» (ص 201). وهو بلا نسبة في «عيون الأخبار» (2/ 3)، و «العقد الفريد» (3/ 141)، و «التمثيل والمحاضرة» (ص 209)، و «لسان العرب» (حبب).

(2)

البيت لكشاجم السندي في «ديوانه» (ص 465). وبلا نسبة في «زهر الآداب» (1/ 11).

ص: 135

تُفسدْ ما صَلُحَ؛ فإنَّه ما نُكِحَ حبٌّ إلا فسد. فأخذ ذلك المأْمون فقال

(1)

:

ما الحبُّ إلا نظرةٌ

وَغَمْزُ كفٍّ وعَضُدْ

أو كُتُبٌ فيها رُقًى

أَجَلُّ من نَفْثِ العُقَدْ

ما الحُبُّ إلا هكذا

إن نُكِحَ الحبُّ فَسَدْ

مَنْ كانَ هذا حُبُّهُ

فإنَّما يَبْغِي الوَلَدْ

وهَوِي آخرُ امرأةً، فدامتِ

(2)

الحالُ بينهما في اجتماعٍ وحديثٍ ونظرٍ، ثم إنَّه جامعَها، فقطعت الوصلَ بينهما، فقال

(3)

:

لَوْ لَمْ أُواقعْ دامَ لي وَصْلُها

فليتَنِي لا كُنْتُ واقَعْتُها

وقيل لآخرَ شكا فِراق محبوبةٍ له، فقال

(4)

:

أكثرتَ منْ وَطْئِها والوَطءُ مَسْأَمَةٌ

فارفُقْ بنفسكَ إنَّ الرِّفْقَ

مَحْمُودُ

(1)

الأبيات للمأمون في «أشعار أولاد الخلفاء» (ص 327). وهي في «الأغاني» (23/ 199)، و «الموشى» (ص 118)، و «حماسة الظرفاء» (2/ 124)، و «أخبار النساء» (ص 51)، و «سمط اللآلي» (2/ 691)، و «شرح مقامات الحريري» (1/ 161)، و «الواضح المبين» (ص 76)، و «المستطرف» (3/ 41).

(2)

ش: «فدام» .

(3)

البيت في «الواضح المبين» (ص 79) برواية أخرى.

(4)

البيت لعلي بن يحيى في «الواضح المبين» (ص 79)، و «ديوان الصبابة» (ص 208).

ص: 136

وذكر عمر بن شَبَّة

(1)

عن بعض علماء أهل المدينة قال: كان الرَّجل يحبُّ الفتاةَ، فإن ظفر منها بمجلس تشاكيا وتناشدا الأشعار، واليومَ يُشير إليها وتشيرُ إليه، فيعدُها وتَعِدُه، فإذا التقيا لم يَشْكُ حبًّا، ولم يُنشِدْ شعرًا، وقام إليها، كأنَّه أشهدَ على نكاحِها أبا هريرة رضي الله عنه:

لم يَخْطُ مِنْ داخل الدِّهليز مُنْصَرِفًا

إلا وخَلْخَالُها قد قاربَ الشّنفا

(2)

قال الأصمعيُّ

(3)

: قلتُ لأعرابيةٍ: ما تعدُّون العِشْقَ فيكم؟ قالت: العِنَاقُ، والضَّمَّةُ، والغَمْزةُ، والمُحادَثَةُ. ثم قالت: يا حضريُّ! فكيف هو عندكم؟ قلت: يقعدُ بين شُعَبِها الأربع، ثم يَجْهَدُها. قالت: يا بنَ أخي! ما هذا عاشقٌ، هذا طالبُ ولد.

وسُئل أعرابيٌّ

(4)

عن ذلك، فقال: مَصُّ الرِّيق، ولَثْمُ العشيقة، والأخذُ من أطايب الحديث، [34 أ] فكيف هو فيكم أيُّها الحضريّ؟

(1)

أخرج عنه الخرائطي في «اعتلال القلوب» (ص 83، 84)، وابن الجوزي في «ذم الهوى» (ص 231). والخبر في «ربيع الأبرار» (4/ 25)، و «المستطرف» (3/ 41).

(2)

ش: «الساقا» .

(3)

رواه الخرائطي (ص 84). وهو في «أخبار النساء» (ص 42)، و «الواضح المبين» (ص 85).

(4)

الخبر في «الواضح المبين» (ص 85).

ص: 137

فقال: العَفْسُ الشديد، والجمعُ بين الركبة والوريد، ورَهْزٌ يُوقظ النائم، ويَشْفي القلبَ الهائم. فقال: بالله

(1)

ما يفعلُ هذا العدوُّ الشديدُ! فكيف الحبيبُ الودود؟!

وقال بعضهم

(2)

: الحبُّ يطيبُ بالنظر، ويَفْسُد بالعهر.

قال هؤلاء: والحبُّ الصَّحيح يُوجب إعظامَ المحبوب، وإجلالَه، والحياءَ منه، فلا يُطاوع نفسَه أن يُلقيَ جلبابَ الحياء عند محبوبه، وأن يُلْقِيه عنه، ففي ذلك غاية إذلاله وقهره، كما قيل

(3)

:

إذا كان حظُّ المرءِ مِمَّن يُحبُّه

حرامًا فحَظِّي ما يَحِلُّ ويَجمُلُ

حديثٌ كماءِ المُزْنِ بين فُصُولِه

عتابٌ به حسنُ الحديث يُفصَّل

(4)

ولَثْمُ فمٍ عَذْبِ اللِّثَاتِ كأنَّما

جناهُنَّ شهدٌ فُتَّ فيه القَرَنْفُلُ

وما العِشْقُ إلا عفةٌ ونزاهةٌ

وأنسُ قُلوبٍ أُنْسُهنَّ التَّغزُّلُ

وإني لأستحيي الحبيب من التي

تَرِيبُ وأُدْعى للجميلِ فَأُجْمِلُ

وزعم بعضُهم أنَّه كان يُشْرَط

(5)

بين العشيقة والعاشق أنَّ له مِنْ

(1)

ت: «تالله» .

(2)

الخبر في «الواضح المبين» (ص 86).

(3)

الأبيات بلا نسبة في الواضح المبين (ص 86).

(4)

هذا البيت ساقط من ت.

(5)

ت: «شرط» .

ص: 138

نصفها الأعلى إلى سُرَّتها، ينال منه ما يشاءُ من ضمٍّ وتقبيلٍ ورَشْفٍ، والنِّصْفُ الأسفلُ يَحْرُم عليه، وفي ذلك قال شاعر القوم

(1)

:

فَلِلْحِبِّ شطرٌ مُطْلَقٌ مِنْ عِقَالِه

وللبَعْلِ شَطْرٌ ما يُرامُ مَنِيعُ

وقال الآخر

(2)

:

لها شَطْرٌ فَمِنْ حِلٍّ وَبِلٍّ

وشطرٌ

(3)

كالبَحِيْرَة ما يُهاجُ

وهذا كان من

(4)

دين الجاهلية، فأبطلته الشَّريعةُ، وجعلتِ الشَّطرين كليهما للبَعْل. والشُّعراءُ قاطبةً لا يرون بالمحادثة والنَّظر للأجنبيات بأسًا، وهو مخالفٌ للشَّرع والعقلِ، فإنَّ فيه تعريضًا للطبع لما هو مجبولٌ على الميل إليه، والطبعُ يَسْرِق ويَغْلِبُ، وكم من مفتونٍ بذلك في دينه ودنياه، فإن قيل: فقد أنشد الحاكم في «مناقب الشافعي» له

(5)

:

(1)

البيت بلا نسبة في «الواضح المبين» (ص 87).

(2)

بلا نسبة في المصدر السابق (ص 87).

(3)

ش: «ونصف» .

(4)

«من» ساقطة من ت.

(5)

البيتان لابن الدمينة في «ديوانه» (ص 201)، ولابن مناذر في «المحب والمحبوب» (2/ 143)، وللخضل بن عبيد في «معجم البلدان» (5/ 354). والبيت الأول لجميل في «ديوانه» (ص 82)، وللمجنون في «ديوانه» (ص 123). وقال مغلطاي في «الواضح المبين» (ص 88) بعد نسبتهما للشافعي: زعم ابن أبي طاهر في كتابه المنثور والمنظوم أنهما لرجل من غطفان في أبيات طويلة.

ص: 139

يقولون لا تنظُرْ وتلكَ بليَّةٌ

ألا كلُّ ذي عَيْنينِ لابدَّ ناظِرُ [34 ب]

وليس اكتحالُ العَيْنِ بالعينِ ريبةً

إذا عَفَّ فيما بينَ ذاكَ الضَّمائرُ

فإن صحَّت عن الشَّافعي؛ فإنَّما أراد النظر الذي لا يدخلُ تحت التكليف، كنظر الفَجْأَة، أو النظر المباح. وقد ذهبَ أبو بكر بن داودَ الأصفهانيُّ إلى جواز النظر إلى من لا يحلُّ له، كما سيأتي كلامُه إن شاء الله، قال أبو الفرج بن الجوزي

(1)

: وأخطأ في ذلك، وجرَّ عليه خطؤه اشتهارَه بين الناس، وافتضاحَه.

وذهب أبو محمد بن حزم إلى جواز العِشْق للأجنبية من غير ريبةٍ، وأخطأَ في ذلك خطأً ظاهرًا، فإنَّ ذَرِيعةَ العِشْق

(2)

أعظمُ من ذَرِيعة النظر، وإذا كان الشرعُ قد حرَّم النظرَ لما يُؤدِّي إليه من المفاسد، كما سيأتي بيانُه ــ إن شاء الله تعالى ــ فكيف يجوز تعاطي عِشْق الرجل

(3)

لِمَنْ لا يحلُّ له؟!

والمقصود أنَّ هذه الفرقة رأت أنَّ

(4)

الجِماعَ يُفْسد العشْقَ، فغارت عليه مِمَّا يُفْسِدُه، وإن لم تتركْه ديانةً.

(1)

«ذم الهوى» (ص 121).

(2)

«فإن صحت الرواية

ذريعة العشق» ساقطة من ش.

(3)

ش: «العشق الرجل» .

(4)

«أن» ساقطة من ت.

ص: 140

وقيل لبعض الأعراب: ما ينالُ أحدُكم من عشيقته إذا خلا بها؟ قال: اللَّمس، والقُبَل، وما يشاكلها

(1)

. قال: فهل يتطاولان إلى الجماع؟ فقال: بأبي وأُمي ليس هذا بعاشقٍ! هذا طالبُ ولد.

ويُحكى

(2)

: أنَّ رجلًا عشقَ امرأةً، فقالت له يومًا: أنت صحيحُ الحبِّ غير سقيمه ــ وكانوا يُسَمُّون الحبَّ على الخنا: الحبَّ السقيم ــ فقال: نعم، فقالت: اذهبْ بنا إلى المنزل، فما هو إلا أن حَصَلَتْ في منزله، فلم يكن له نَهْمةٌ

(3)

غيرَ جماعها، فقالت له وهو كذلك:

أسرفتَ في وطئنا والوَطءُ مَقْطَعَةٌ

فارفُقْ بنفسِكَ إنَّ الرِّفْقَ محمودُ

فقال لها وهو على حاله:

لَوْ لَمْ أطأكِ لما دامتْ محبَّتُنا

لكنَّ فِعْلِيَ هذا فعلُ مجهُود

فنفرت مِنْ تحته، وقالت: يا خبيثُ أراكَ خلافَ ما قلتَ مِنْ صحَّة الحبِّ، ولم تجعل جماعي إلا سببًا لذهاب حبِّك، والله لا ضمَّني وإياك سقفٌ أبدًا! وسيأتي تمامُ الكلام في هذا في باب عفاف المحبين، إن شاء الله تعالى.

(1)

ت: «يشاكلهما» .

(2)

الخبر مع الشعر في «الواضح المبين» (ص 87)، و «ديوان الصبابة» (ص 208 - 209).

(3)

ش: «همة» .

ص: 141

وفصل الخطاب بين الفريقين أنَّ الجماعَ [35 أ] الحرامَ يُفسِدُ الحبَّ، ولابدَّ أن تنتهيَ المحبَّةُ بينهما إلى المعاداة والتباغُض والقِلى، كما هو مشاهَدٌ بالعيَانِ، فكلُّ محبَّةٍ لغير الله آخرُها قِلًى وبغضٌ فكيف إذا قارنَها ما هو من أكبر الكبائر؟ وهذه عداوةٌ بين يدَي العداوة الكبرى التي قال الله تعالى فيها:{الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف/ 67]. وسنذكر

(1)

إن شاء الله تعالى مَنْ ظَفِرَ بمحبوبه، وترك قضاء وَطَرِه منه رغبةً في بقاء محبَّته، وخشية أن تنقلب قِلًى وبغضًا

(2)

، في الباب

(3)

الموعود به؛ فإنَّ ذلك أليقُ به.

وأمَّا الجماعُ المباحُ فإنَّه يزيدُ الحبَّ؛ إذا صادفَ مرادَ المحبِّ، فإنَّه إذا ذاق لذَّته وطَعْمَه؛ أوجب له ذلك رغبةً أُخرى لم تكن حاصلةً قبل الذَّوق. ولهذا لا يكاد البِكْران يصبرُ أحدُهما عن الآخر، هذا ما لم يَعْرِض للحبِّ ما يُفسده، ويُوجب نقلَه إلى غيرِ المحبوب.

وأمَّا ما احتجَّ به الآخرون فجوابُه: أنَّ الشهوةَ والإرادة

(4)

لم تُطْفَأْ نارُها بالكليَّة، بل فترت شهوةُ ذلك الوقت، ثم تعودُ أمثالها

(5)

، وإنَّما

(1)

ت: «سيذكر» .

(2)

ت: «بعضة» .

(3)

«الباب» ساقطة من ت.

(4)

ت: «اللذاذة» .

(5)

ت: «آمالها» .

ص: 142