الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة إحدى وخمسين ومائة
فيها قدم المهديّ من الرّيّ إلى بغداد ليراها، فأمر أبوه ببناء الرّصافة [1] للمهدي في الجانب الشرقي مقابلة [بغداد][2] وجعل له حاشية وحشم [3] وآلة في زيّ الخلافة [4] . وجدّد البيعة بالخلافة للمهديّ من بعده، ومن بعد المهديّ لعيسى بن موسى [5] .
وفي رجب توفي الإمام عبد الله بن عون شيخ أهل البصرة وعالمهم.
روى عن أبي وائل والكبار.
قال هشام بن حسّان: لم تر عيناي مثل ابن عون.
وقال قرّة: كنّا نعجب من ورع ابن سيرين فأنساناه [6] ابن عون.
وقال عبد الرّحمن بن مهدي: ما كان بالعراق أعلم بالسّنّة من ابن عون.
وقال أبو إسحاق: هو ثقة في كل شيء.
[1] قلت: وتعرف برصافة بغداد. انظر خبرها في «معجم البلدان» لياقوت (3/ 46) .
[2]
زيادة من «العبر» للذهبي (1/ 215) .
[3]
في الأصل، والمطبوع:«وحشمة» وهو تحريف، والتصحيح من «العبر» للذهبي.
[4]
في «دول الإسلام» للذهبي (1/ 104) : «وخيلا في زي الخلفاء» .
[5]
في المطبوع: «لعلي بن موسى» وهو خطأ.
[6]
في الأصل، والمطبوع:«فأنساه» وأثبت ما في «العبر» للذهبي (1/ 216) .
وفيها محمّد بن إسحاق بن يسار المطلبيّ مولاهم المدنيّ صاحب «السيرة» رأى أنسا وسمع الكثير من المقبريّ [1] ، والأعرج، وهذه الطبقة، وكان بحرا من بحور العلم، ذكيّا، حافظا، طلّابة للعلم، أخباريا، نسّابة، علّامة.
قال شعبة: هو أمير المؤمنين في الحديث.
وقال [2] ابن معين: هو ثقة وليس بحجّة.
وقال أحمد بن حنبل: هو حسن الحديث. قاله في «العبر» [3] .
وقال ابن الأهدل: لا تجهل أمانته، ووثّقه الأكثرون في الحديث، ولم يخرّج له البخاريّ شيئا، وخرّج له مسلم حديثا واحدا، من أجل طعن مالك فيه، وإنما طعن فيه مالك لأنه بلغه أنه قال: هاتوا حديث مالك فأنا طبيب بعلله.
ومن كتب ابن إسحاق أخذ عبد الملك بن هشام، وكلّ من تكلم في السّير فعليه اعتماده، توفي ببغداد ودفن في مقبرة الخيزران أمّ الرّشيد، نسبت المقبرة إليها لأنها أقدم من دفن فيها، وهي بالجانب الشرقي. انتهى.
وقال بعض المحدّثين: ابن إسحاق ثقة ما لم يعنعن فيخشى منه التّدليس. انتهى.
وقال ابن ناصر الدّين: كان بحرا من بحور العلم، صدوقا، مختلفا فيه جرحا وتوثيقا. انتهى.
[1] في الأصل: «من المقر» وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو موافق لما في «العبر» للذهبي مصدر المؤلف وهو الصواب.
[2]
في المطبوع: «قال» .
[3]
(1/ 216) .
وفيها حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرّحمن بن صفوان بن أميّة الجمحيّ المكيّ، روى عن مجاهد وطبقته.
والوليد بن كثير المدنيّ بالكوفة. روى عن بشير بن يسار وطائفة، وكان عارفا بالمغازي والسّير، ولكنه إباضيّ. قاله في «العبر» [1] .
والإباضية: هم المنسوبون إلى عبد الله بن إباض. قالوا: مخالفونا من أهل القبلة كفّار، ومرتكب الكبيرة موحّد غير مؤمن، بناء على أن الأعمال داخلة في الإيمان، وكفّروا عليّا وأكثر الصحابة.
قال الذّهبيّ في «المغني» [2] : الوليد بن كثير المخزوميّ ثقة، وحديثه [3] في الكتب الستة. سمع سعيد بن أبي هند، والكبار.
قال أبو داود: ثقة إلّا أنه إباضي.
وقال ابن سعد: ليس بذاك. انتهى.
وفيها سيف بن سليمان المكيّ. روى عن مجاهد وغيره.
قال في «المغني» [4] : ثقة إلا أنه رمي بالقدر. انتهى.
وفيها، أو في التي تليها، صالح [5] بن عليّ الأمير، عمّ المنصور، وأمير الشّام، وهو الذي أمر ببناء أذنة [6] التي في يد صاحب سيس، وقد هزم الرّوم
[1](1/ 217) .
[2]
(2/ 724) .
[3]
في الأصل، والمطبوع:«حديثه» وأثبت ما في «المغني» .
[4]
(1/ 291) .
[5]
في الأصل: «صبح» وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع، وهو موافق لما في «العبر» للذهبي (1/ 217) .
[6]
في الأصل: «أدنه» وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب.
قلت: وتعرف في أيامنا ب «أضنه» ، وهي الجنوب الأوسط من تركيا المعاصرة. انظر خبرها في «معجم البلدان» لياقوت (1/ 132- 133) .
يوم [مرج][1] دابق، وكانوا مائة ألف.
وفيها قتلت الخوارج غيلة معن بن زائدة الشّيبانيّ الأمير بسجستان، وكان قد وليها عام أوّل، وكان أحد الأبطال والأجواد. وكان مع بني أميّة متنقّلا في ولاياتهم، مواليا لابن هبيرة، وقاتل معه المنصور، فلما قتل ابن هبيرة خاف معن فاختفى، فلما كان يوم الهاشميّة- وهو يوم مشهود- ثار فيه جماعة من أهل خراسان على المنصور، وكانت وقعتهم بالهاشميّة التي بناها السّفّاح بقرب الكوفة، وكان معن متواريا بالقرب منهم، فخرج متنكّرا وقاتل قتالا شديدا أبان فيه عن نجدته وفرّقهم، فلما أفرج عن المنصور قال له: من أنت؟ فكشف اللثام وقال: أنا طلبتك [2] يا أمير المؤمنين، فأمّنه وأكرمه، وصار من خواصه، وقال له: أنت الذي أعطيت مروان بن أبي حفص مائة ألف درهم على قوله:
معن بن زائدة الذي زيدت به
…
شرفا على شرف بنو شيبان [3]
فقال: إنما أعطيته على قوله:
ما زلت [4] يوم الهاشميّة معلنا [5]
…
بالسّيف دون خليفة الرّحمن
فمنعت حوزته وكنت وقاية [6]
…
من وقع كلّ مهنّد وسنان
[1] زيادة من «دول الإسلام» للذهبي ص (93) طبع مؤسسة الأعلمي ببيروت.
[2]
في الأصل، والمطبوع:«أنا طليبك» وأثبت ما في «مرآة الجنان» لليافعي (1/ 335) مصدر المؤلف، وهو موافق لما في «مروج الذهب» للمسعودي (3/ 299) .
[3]
البيت في «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (10/ 86) نشرة مؤسسة جمال في بيروت.
[4]
في المطبوع: «ما زالت» وهو خطأ.
[5]
في الأصل، والمطبوع:«معلما» وهو خطأ، والتصحيح من «مروج الذهب» للمسعودي (3/ 299) و «مرآة الجنان» لليافعي (1/ 335) .
[6]
كذا في الأصل، والمطبوع، و «مرآة الجنان» ، وفي «مروج الذهب» و «الأغاني» (10/ 86)، و «وفيات الأعيان» (5/ 247) :«وقاءه» .
فقال: أحسنت [يا معن][1] .
ودخل عليه أعرابيّ وهو جالس على سريره فأنشده:
أتذكر [2] إذ قميصك جلد كبش [3]
…
وإذ نعلاك من جلد البعير
وفي يمناك عكّاز طويل
…
تهش به [4] الكلاب عن الهرير [5]
قال: نعم أعرف ذلك ولا أنساه.
فقال:
فسبحان الّذي أعطاك ملكا
…
وعلّمك الجلوس على السّرير
قال: [ذلك][6] بحمد الله لا بحمدك.
قال:
فأقسم لا أحيّيك ابن معن
…
مدى عمري بتسليم الأمير
قال: إذا والله لا أبالي.
فقال:
فمر لي [7] يا ابن زائدة بمال
…
فإنّي قد عزمت على المسير [8]
قال لغلامه: أعطه ألف درهم.
[1] زيادة «مروج الذهب» ، و «مرآة الجنان» .
[2]
في «مرآة الجنان» : «أتعرف» .
[3]
وفي بعض الروايات: «أتذكر إذ لحافك جلد شاة» . (ع) .
[4]
في الأصل: «تهشّ بها» وأثبت ما في المطبوع.
[5]
لم يرد هذا البيت في «مرآة الجنان» لليافعي (1/ 336) .
[6]
زيادة من «مرآة الجنان» .
[7]
في الأصل: «قم لي» وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو موافق لما في «مرآة الجنان» .
[8]
رواية البيت في «مرآة الجنان» :
فمر لي يا بن زائدة بمال
…
وزاد إذ عزمت على المسير
فقال:
قليل ما أمرت به وإنّي
…
لأطمع منك بالشّيء الكثير
قال: يا غلام زده ألف درهم.
فقال:
ملكت الجود والإنصاف [1] جمعا
…
فبذل يديك كالبحر الغزير
فقال يا غلام، ضاعف له الحساب [2] فأضعف له.
ورأى راكبا محثّا ناقته، فقال لحاجبه: لا تحجب هذا، فلما مثل بين يديه أنشد:
أصلحك الله قلّ ما بيدي
…
فما أطيق العيال إذ كثروا
ألحّ دهر ألقى بكلكله [3]
…
فأرسلوني إليك وانتظروا [4]
فأخذته أريحيّة، وقال: والله لأعجلنّ أوبتك إليهم، فأعطاه مائة ناقة، وألف دينار وهو لا يعرفه.
ولما طلب المنصور سفيان الثّوريّ، فرّ سفيان إلى اليمن، فكان يقرأ على النّاس أحاديث الضّيافة ليضيفوه، ويكتفي عن سؤالهم، فاتّهم بسرقة، ورفع إلى معن بن زائدة، فتعرفه حتّى عرفه، فقال: اذهب حيث شئت، فلو كنت تحت قدمي ما أخرجتك.
ولما عظم صيته اندسّ له جماعة من الخوارج في ضيعة له بسجستان، فقتلوه وهو يحتجم، فتبعهم ابن أخيه فقتلهم جميعهم، ورثاه الشعراء
[1] في «مرآة الجنان» : «والإفضال» .
[2]
في «مرآة الجنان» «ضاعف له الحسنات» .
[3]
في الأصل، والمطبوع:«ألحم دهر عليّ كلكله» . والتصحيح من «مرآة الجنان» لليافعي (1/ 337) .
[4]
البيتان في «تاريخ بغداد» (13/ 236) .
ومن أحسن ذلك قول مروان بن أبي حفصة في قصيدته التي أولها:
مضى لسبيله معن وأبقى
…
مكارم لن تبيد ولن تنالا [1]
واستنشده إيّاها جعفر البرمكي، فأنشده فبكى، وأجازه بستمائة دينار.
وروي أنه دخل على المهدي بن المنصور، فمدحه، فقال له: ألست القائل؟:
وقلنا أين [2] ترحل بعد معن
…
فقد ذهب النّوال ولا نوالا
وأمر بإخراجه، ثم وفد عليه في العام المقبل. وكانت الشعراء إنما تدخل على الخلفاء في كل عام مرّة، ثم مدحه بقصيدته التي يقول فيها:
طرقتك [3] زائرة [4] فأعجب بها، وهي مائة بيت، أعطاه مائة ألف درهم، وهي أول إجازة بمائة ألف أعطيها شاعر في خلافة العباسيين.
[1] القصيدة في «تاريخ بغداد» (13/ 241- 244) في (54) بيتا، وهي في (42) بيتا في «وفيات الأعيان» (5/ 249- 251) .
[2]
زيادة من «العبر» (1/ 218) .
[3]
في الأصل: «طوقتك» وهو تحريف، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب.
[4]
قلت: ومطلعها في «الأغاني» (10/ 87) :
طرقتك زائرة فحيّ خيالها
…
بيضاء تخلط بالجمال دلالها
قادت فؤادك فاستقاد ومثلها
…
قاد القلوب إلى الصّبا فأمالها