الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة سبع وثمانين ومائة
فيها- على ما قاله في «العبر» [1]- خلعت الرّوم من الملك الست ريني [2] وهلكت بعد أشهر، وأقاموا عليهم نقفور [3] والرّوم تزعم أن نقفور من ولد جفنة الغساني الذي تنصر، وكان نقفور قبل الملك يلي الديوان، فكتب نقفور هذا الكتاب:
من نقفور ملك الرّوم، إلى هارون ملك العرب.
أما بعد: فإن الملكة كانت قبلي أقامتك مقام الرّخّ [4] وأقامت نفسها مقام البيذق [5] فحملت إليك من أموالها وذلك لضعف النساء وحمقهنّ، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل قبلك وافتد نفسك، وإلّا فالسيف بيننا.
فلما قرأ الرّشيد الكتاب اشتد غضبه وتفرّق جلساؤه خوفا من بادرة تقع منه. ثم كتب بيده على ظهر الكتاب:
من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الرّوم. قرأت كتابك يا ابن
[1](1/ 294) .
[2]
في الأصل، والمطبوع:«ريتي» وهو تصحيف، والتصحيح من «العبر» للذهبي (1/ 294) .
قال الطبري في تاريخه (8/ 269) : وهي أم قسطنطين بن أليون ملك الرّوم وتلقب أغسطه.
[3]
تصحف في الأصل في هذا الموضع وفي سياق القصة كلها إلى «تقفور» وأثبت ما في المطبوع، وهو موافق لما في «العبر» للذهبي، والمصادر التي بين يدي.
[4]
قال ابن منظور: الرّخّ من أدوات الشطرنج والجمع رخاخ. [وقال] اللّيث: الرّخّ معرب من كلام العجم من أدوات لعبة لهم. «لسان العرب» (رخخ) .
[5]
الأصل: «البيدق» وانظر «مرآة الجنان» (1/ 412) .
الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه.
ثم ركب من يومه وأسرع حتّى نزل مدينة هرقلة، وأوطأ الرّوم ذلّا وبلاء، فقتل، وسبى، وذلّ نقفور وطلب الموادعة على خراج يحمله، فأجابه. فلما ردّ الرّشيد إلى الرّقّة. نقض نقفور، فلم يجسر أحد أن يبلّغ الرّشيد حتّى عملت الشعراء أبياتا يلوّحون بذلك. فقال: أوقد فعلها؟ فكرّ راجعا في مشقّة الشتاء حتّى أناخ بفنائه ونال مراده. وفي ذلك يقول أبو العتاهية:
ألا نادت هرقلة بالخراب [1]
…
من الملك الموفّق للصّواب
غدا هارون يرعد بالمنايا
…
ويبرق بالمذكّرة الصّعاب [2]
ورايات يحلّ النّصر فيها
…
تمرّ كأنّها قطع السّحاب
وفيها غضب الرّشيد على البرامكة وضرب عنق جعفر بن يحيى البرمكيّ الوزير أحد الأجواد الفصحاء البلغاء، وكان قد تفقّه على القاضي أبي يوسف، فلأجل ذلك كانت توقيعاته على منهج الفقه.
وكتب إلى بعض العمال.
أما بعد: فقد كثر شاكوك وقلّ شاكوك، فإما اعتدلت، وإما عزلت.
وقال يهودي للرّشيد: إنك تموت هذه السنة. فاغتمّ وشكا إلى جعفر.
فقال جعفر لليهوديّ: كم عمرك أنت؟ قال: كذا وكذا مدة طويلة. فقال للرّشيد: اقتله حتّى تعلم أنه كذب. فقتله وذهب ما عنده.
وكان جعفر يتحكّم في مملكة الرّشيد بما أراد من غير مشاورة فينفّذها الرّشيد.
[1] في الأصل، والمطبوع:«بالحراب» وهو تصحيف.
[2]
كذا في الأصل، والمطبوع، و «العبر» للذهبي (1/ 296) :«الصعاب» ، وفي «مرآة الجنان» (1/ 413) :«العضاب» ، وفي كتاب «أبو العتاهية أشعاره وأخباره» للأستاذ الدكتور شكري فيصل رحمه الله تعالى، ص (492)، و «تاريخ الطبري» (8/ 310) :«القضاب» .
وأوّل من ولي الوزارة منهم خالد بن برمك للسّفّاح. وسبب قتله أمور انضمّ بعضها إلى بعض، منها: أنه زوج الرّشيد جعفرا العبّاسة لغرض الاجتماع والمحرمية، وشرط عليه ألّا يجتمع بها، فقدر الاجتماع لحصول رغبة من العبّاسة.
حكى الشيخ شهاب الدّين بن أبي حجلة [1] في «ديوان الصبابة» أن العبّاسة كتبت إلى جعفر قبل مواقعته إيّاها:
عزمت على قلبي بأن يكتم الهوى
…
فصاح ونادى إنني غير فاعل
فإن لم تصلني بحت بالسّرّ عنوة
…
وإن عنّفتني في هواك عواذلي
وإن كان موت لا أموت بغصّتي
…
وأقررت قبل الموت أنّك قاتلي [2]
فواقعها، وحملت منه، وولدت سرّا. فأرسلت الولد إلى مكّة. ثم اتصل خبره بالرّشيد.
ومنها أنّ الرّشيد سلّم لجعفر يحيى بن عبد الله بن الحسن المثنّى، وكان قد خرج عليه، وأمره بحبسه عنده، فرقّ له جعفر لقرابته من رسول الله- صلى الله عليه وسلم واتّصاله به، فأطلقه، فلما بلغ الرّشيد إطلاقه أضمرها له. وقال:
قتلني الله على البدعة إن لم أقتله.
ومنها أنه رفعت إليه رقعة لم يعرف صاحبها مكتوب فيها:
قل لأمين الله في أرضه
…
ومن إليه الحلّ والعقد
هذا ابن يحيى قد غدا مالكا
…
مثلك ما بينكما حدّ
[1] هو أحمد بن يحيى بن أبي بكر التلمساني، أبو العباس شهاب الدين، ابن أبي حجلة، عالم بالأدب، شاعر من أهل تلمسان، سكن دمشق، مات سنة (776) هـ. انظر «الأعلام» للزركلي (1/ 268- 269) وقد طبع «ديوانه» في مصر على هامش كتاب «تزيين الأسواق» لداود الأنطاكي المعروف بالأكمه، وسوف ترد ترجمته مفصلة في المجلد الثامن من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.
[2]
الأبيات في «ديوان الصبابة» على هامش كتاب «تزيين الأسواق» ص (84) .
أمرك مردود إلى أمره
…
وأمره ليس له ردّ
[وقد بنى الدّار التي ما بنى ال
…
- فرس لها مثلا ولا الهند
الدّرّ والياقوت حصباؤها
…
وتربها العنبر والنّدّ] [1]
ونحن نخشى أنّه وارث
…
ملكك إن غيّبك اللّحد
ولن يباهي العبد أربابه
…
إلّا إذا ما بطر العبد
ومع ذلك فقد كان الرّشيد رأى إقبال النّاس على البرامكة وكثرة أتباعهم وأشياعهم، مع الإدلال العظيم منهم، ومع الإغراء من أعدائهم، كالفضل بن الرّبيع وغيره، ومع ذلك فكان الرّشيد إذا ذكرت مساوئهم عنده يقول:
أقلّوا ملاما لا أبا لأبيكم
…
عن القوم أو سدّوا المكان الّذي سدّوا
ولما أذن الله سبحانه ببلائهم، ظهرت منامات وعلامات لهم ولغيرهم، وإشارات تطول.
منها أن يحيى بن خالد حجّ فتعلّق بأستار الكعبة، وقال:
اللهمّ إن كان رضاك في أن تسلبني نعمك [2] فاسلبني، وإن كان رضاك في أن تسلبني أهلي وولدي فاسلبني، إلّا الفضل. ثم رجع وقال: اللهمّ إنه قبيح بمثلي أن يستثني عليك. اللهمّ والفضل.
ومنها ما حكى سهل بن هارون قال: كنت أكتب بين يدي يحيى بن خالد البرمكيّ، فأخذته سنة، فقال: طرقني النوم. فقلت: ضيف كريم إن قرّبته روّحك وإن منعته عذّبك. قال: فنام فواق ناقة، وانتبه مذعورا. فقال:
ذهب والله ملكنا، رأيت منشدا أنشدني:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا
…
أنيس ولم يسمر بمكّة سامر
[1] ما بين حاصرتين زيادة من «وفيات الأعيان» لابن خلكان (1/ 335) ، و «مرآة الجنان» لليافعي (1/ 419) .
[2]
في «تاريخ الطبري» (8/ 292) : «نعمتك» والمؤلف ينقل القصة عنه بتصرّف.
فأجبته:
بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا
…
صروف اللّيالي والجدود العواثر [1]
فقتل جعفر بن يحيى بن خالد بعد أيام.
ومنها أن جعفر وقف على كنيسة بالحيرة فيها حجر مكتوب لا تفهم كتابته. فقال: هاتوا من يترجمه، وقد جعلت ما فيه فألا لما أخافه من الرّشيد، فإذا فيه:
إنّ بني المنذر عام انقضوا
…
بحيث شاد البيعة الرّاهب
أضحوا ولا يرجوهم راغب
…
يوما ولا يرهبهم راهب
تنفح بالمسك ذفاريهم
…
والعنبر الورد له قاطب
فأصبحوا أكلا لدود الثّرى
…
وانقطع المطلوب والطّالب [2]
فحزن جعفر.
ومنها أنّ الرّشيد لما نزل بالأنبار وفي صحبته جعفر، وكانت ليلة السبت لانسلاخ المحرّم، وقيل: أول ليلة من صفر من هذه السنة مضى جعفر إلى منزله فأتاه أبو زكّار [3] الأعمى الكلوذاني فاستحضره وجواريه خلف الستارة يضربن، وأبو زكّار [3] يغنّيه:
فلا تبعد فكلّ فتى سيأتي
…
عليه الموت يطرق أو يغادي
وكلّ ذخيرة لا بدّ يوما
…
وإن بقيت تصير إلى نفاد
[1] البيتان في «وفيات الأعيان» (1/ 337) ، و «مرآة الجنان» (1/ 420) ، ولفظة «فأجبته» التي بينهما لم ترد فيهما.
[2]
الأبيات في «وفيات الأعيان» (1/ 339) .
[3]
في الأصل، والمطبوع:«أبو ركاب الأعمى الطنبوري» وأثبت ما في «تاريخ الطبري» (8/ 295) . وكذا هو في المصادر والمراجع الأخرى التي بين يدي «أبو زكار» ولكن لم يرد ذكر للفظتي «الكلوذاني» أو «الطنبوري» في أيّ منها.
ولو فوديت من حدث اللّيالي
…
فديتك بالطّريف وبالتّلاد [1]
فتطيّر جعفر ودخل عليه الرّسول الذي يريد قتله في تلك الحال، وعلى تلك الهيئة.
وذكر الطبريّ في «تاريخه الكبير» [2] في حوادث سنة سبع وثمانين وماية أن الرّشيد دعا ياسرا [3] غلامه وقال: امض فأتني برأس جعفر، فأتى ياسر منزل جعفر ودخل عليه هجما بلا إذن وأبو زكّار [4] يغنّيه، فقال له جعفر:
يا ياسر سررتني بإقبالك وسؤتني بدخولك بلا إذن، فقال ياسر: الأمر أكبر من ذلك، أمير المؤمنين أمرني بكذا، فقال: دعني لأدخل فأوصي. قال: لا سبيل إلى ذلك. قال: فأسير معك لمنزل أمير المؤمنين بحيث يسمع كلامي. قال:
لك ذلك، ومضيا إلى منزل أمير المؤمنين، ودخل ياسر عليه وعرّفه الخبر. فقال:
يا ماصّ بظر أمّه، والله لئن راجعتني فيه لأقتلنّك قبله. فرجع ياسر، فأخذ رأس جعفر ودخل به إلى الرّشيد فوضعه بين يديه، فنظر إليه وبكى، ثم قال:
يا ياسر جئني بفلان وفلان، فلما أتاه بهما، قال لهما: اضربا عنق ياسر، فإني لا أقدر أن أرى قاتل جعفر، ففعلا. انتهى.
وقيل غير ذلك في كيفية قتله ومن قتله.
ثم أمر الرّشيد في تلك الليلة بتوجيه من أحاط بيحيى بن خالد وولده
[1] الأبيات في «وفيات الأعيان» (1/ 338) ، و «مرآة الجنان» (1/ 421) . والبيت الأول في «تاريخ الطبري» (8/ 295) ، والبيتان الأول والثاني في «الكامل في التاريخ» لابن الأثير (6/ 177- 178) .
[2]
(8/ 295) والمؤلف ينقل منه بتصرّف واختصار، وكأني به قد خلط في نقله بين عبارة الطبري في «تاريخه» وعبارة اليافعي في «مرآة الجنان» (1/ 421) .
[3]
كذا في الأصل، والمطبوع، و «وفيات الأعيان» (1/ 338)، و «مرآة الجنان» :«دعايا سرّا» ، وفي «تاريخ الطبري» :«أرسل مسرورا الخادم» .
[4]
في الأصل، والمطبوع:«أبو ركاب» انظر الصفحة السابقة.
الفضل وبقية أولاده، ومن كان منه بسبيل، فحبسوا، واستمر يحيى والفضل في السجن إلى أن ماتا، ولهما قصائد طنّانة تستعطف الرّشيد عليهم لم ينتج منها شيء.
ثم فرّق الرّشيد الكتب من ليلته في جميع البلدان والأعمال في قبض أموالهم وأخذ وكلائهم، ولما أصبح بعث بجثّة جعفر بن يحيى مع جماعة منهم مسرور الخادم وأمرهم بقطعها وصلبها، فقطعت قطعتين، فصلبت قطعة على الجسر الأعلى، وقطعة على الجسر الأسفل، ونصب رأس جعفر على الجسر الأوسط، وأمر الرّشيد بالنداء في جميع البرامكة أن لا أمان لمن آوى أحدا منهم، ومنع النّاس من التقرّب إلى جعفر. فرأى أبا قابوس الرّقاشيّ قائما تحت جذعة يزمزم بشعر يرثيه، فقال له: ما كنت قائلا تحت جذع جعفر؟
قال: أو ينجيني منك الصدق؟ قال: نعم، قال: ترحّمت عليه وقلت:
أمين الله هب فضل بن يحيى
…
لنفسك أيّها الملك الهمام
وما طلبي إليك العفو عنه
…
وقد قعد الوشاة به وقاموا
أرى سبب الرّضا فيه قويّا
…
على الله الزّيادة والتّمام
نذرت عليّ فيه صيام عام
…
فإن وجب الرّضا وجب الصّيام
وهذا جعفر بالجسر تمحو
…
محاسن وجهه ريح قتام
أقول له وقمت لديه نصبا
…
إلى أن كاد يفضحني القيام
أما والله لولا قول واش
…
وعين للخليفة لا تنام
لطفنا حول جذعك واستلمنا
…
كما للنّاس بالرّكن استلام
فما أبصرت مثلك يا بن يحيى
…
حسام فلّه السيف الحسام
على اللّذّات في الدّنيا جميعا
…
لدولة آل برمك السّلام
فلما سمع هارون الرّشيد ذلك أطرق مليّا واستعبر، ثم قال رجل: أولى جميلا، فقال: جميلا، يا غلام ناد بأمان أبي قابوس، ولا يعارض، ولا
يحجب عنّا بعد في مهمّ من مهمّاته. ثم استصفى الرّشيد أموال البرامكة وأخذ ضياعهم، وأموالهم، ومتاعهم، فوجد لهم مما حباهم به اثني عشر ألف ألف. ووجد من سائر أموالهم ثلاثين ألف ألف وستمائة ألف وستة وسبعين ألفا، وأما غير الأموال من الضّياع، والغلّات، والأواني فشيء لا يوصف [1] أقلّه، ولا يعرف أيسره، فضلا عن جميعه، إلّا من أحصى الأعمال وعرف منتهى الآجال.
وما ذكرنا قطرة من بحر من أخبارهم، والله أعلم.
ولما بلغ سفيان بن عيينة قتل جعفر، حوّل وجهه إلى القبلة وقال:
اللهمّ إنه كان قد كفاني مؤونة الدّنيا فاكفه مؤونة الآخرة.
وفيها توفي محمّد بن عبد الرّحمن الطّفاويّ البصريّ. سمع أيوب السّختياني وجماعة.
قال في «المغني» [2] : محمّد بن عبد الرّحمن الطّفاويّ، من شيوخ أحمد، وثقوه.
وقال أبو زرعة: منكر الحديث. انتهى.
ورباح بن زيد الصنعانيّ صاحب معمر.
قال أحمد، كان خيارا. ما أرى في زمانه [من][3] كان خيرا منه. انقطع في بيته.
وعبد الرّحيم بن سليمان الرّازيّ نزيل الكوفة. كان ثقة صاحب حديث. له تصانيف. روى عن عاصم الأحول وخلق.
وعبد السّلام بن حرب الملائيّ الكوفيّ الحافظ. وله ست وتسعون
[1] في الأصل، والمطبوع:«لا يصف» .
[2]
(2/ 604) .
[3]
لفظة «من» سقطت من الأصل، والمطبوع، واستدركتها من «العبر» للذهبي (1/ 296) .
سنة. روى عن أيوب السّختياني وطبقته.
قال في «المغني» [1] : صدوق، قال ابن سعد: فيه ضعف. انتهى.
وخرّج له العقيليّ.
وقال ابن ناصر الدّين: عبد السّلام بن حرب البصريّ ثم الكوفيّ أبو بكر الملائيّ كان مسندا، ثقة، معمّرا، في حديثه لين. انتهى.
وعبد العزيز بن عبد الصّمد البصريّ الحافظ. روى عن أبي عمران الجوني والكبار. وكان يكنّى أبا عبد الصّمد.
قال ابن ناصر الدّين: كان حافظا من الثقات والمشايخ الأثبات.
انتهى.
وفيها أبو محمّد عبد العزيز بن محمّد الدّراورديّ المدنيّ. روى عن صفوان بن سليم وخلق. وكان فقيها صاحب حديث.
قال يحيى بن معين: هو أثبت من فليح [2] .
وفيها عليّ بن نصر بن علي الجهضميّ والد نصر بن علي. روى عن هشام الدّستوائي وأقرانه.
وأبو الخطّاب محمّد بن سواء السدوسيّ البصريّ المكفوف الحافظ.
سمع من حسين المعلّم، وأكثر عن أبي عروبة.
وفيها الإمام أبو محمّد معتمر بن سليمان بن طرخان التيميّ الحافظ، أحد شيوخ البصرة وله إحدى وثمانون سنة. روى عن أبيه، ومنصور، وخلق لا يحصون.
قال قرّة بن خالد: ما معتمر عندنا بدون أبيه.
[1](2/ 393) .
[2]
هو فليح بن سليمان المدني. تقدمت ترجمته في ص (304) من هذا المجلد.
وقال غيره: كان عابدا، صالحا، حجّة، ثقة.
وفيها معاذ بن مسلم الكوفيّ النحويّ شيخ الكسائي، عن نحو مائة سنة، وهو الذي سارت فيه هذه الكلمة:
إنّ معاذ بن مسلم رجل
…
ليس لميقات علمه [1] أمد [2]
الأبيات [3] .
قال في «المغني» [4] : معاذ بن مسلم عن شرحبيل بن السّمط، مجهول.
انتهى.
وفي محرّم هذه السنة توفي شيخ الحجاز الإمام أبو علي الفضيل بن عياض التميميّ المروزيّ الزّاهد المشهور أحد العلماء الأعلام.
قال فيه ابن المبارك: ما بقي على ظهر الأرض أفضل من الفضيل بن عياض.
وكان قد قدم الكوفة شابّا فحمل عن منصور وطبقته.
قال شريك القاضي: فضيل حجّة لأهل زمانه.
وقال ابن ناصر الدّين: الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر أبو علي التميميّ اليربوعيّ المروزيّ إمام الحرم، شيخ الإسلام، قدوة الأعلام. حدّث عنه الشّافعيّ، ويحيى القطّان، وغيرهما. وكان إماما: ربّانيا، كبير الشأن، ثقة، نبيلا، عابدا، زاهدا، جليلا. انتهى.
[1] في «وفيات الأعيان» و «العبر» : «عمره» .
[2]
البيت في «وفيات الأعيان» (5/ 218) ، و «العبر» للذهبي» (1/ 298) .
[3]
قلت: أما تتمة الأبيات وصدرها فلها روايات مختلفة، والله أعلم. قارن على سبيل المثال بين لفظ الأبيات في كلّ من «إنباه الرواة» للقفطي (3/ 290- 291) ، و «وفيات الأعيان» .
[4]
(2/ 664) .
قال الذهبيّ في «القسطاس في الذّبّ عن الثّقات» : فضيل بن عياض ثقة بلا نزاع، سيّد.
قال أحمد بن أبي خيثمة: سمعت قطبة بن العلاء يقول: تركت حديث فضيل بن عياض لأنه روى أحاديث أزرى على عثمان بن عفّان رضي الله عنه.
وحدّثنا عبد الصّمد بن يزيد الصّانع قال: ذكر عند الفضيل- وأنا أسمع- أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقال: اتّبعوا فقد كفيتم، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم.
قلت: لا يقبل قول قطبة، ومن هو قطبة حتّى يسمع قوله واجتهاده، فالفضيل روى ما سمع، ولم يقصد غضّا ولا إزراء على أمير المؤمنين عثمان- رضي الله عنه ففعل ما يسوغ، أفبمثل هذا يقول: تركت حديثه فهو كما قيل: «رمتني بدائها وانسلّت» [1] .
وقطبة، فقد قال البخاريّ: فيه نظر، وضعّفه النّسائيّ وغيره.
وأما فضيل فإتقانه وثقته لا حاجة بنا لذكر أقوال من أثنى عليه، فإنه رأس في العلم والعلم رحمه الله تعالى. انتهى كلام «القسطاس» .
وقال ابن الأهدل: أبو علي الفضيل بن عياض، قال ابن المبارك:
ما على ظهر الأرض أفضل منه.
وقال شريك: هو حجة لأهل زمانه.
وقال له الرّشيد: ما أزهدك! قال: أنت أزهد منّي، لأني زهدت في الدّنيا الفانية، وأنت زهدت في الآخرة الباقية.
[1] مثل ساقه البكري في «فصل المقال» ص (92) بتحقيق الدكتور إحسان عبّاس، والدكتور عبد المجيد عابدين، طبع مؤسسة الرسالة، ودار الأمانة، وتكلم فيه عن قصته فراجعه فهو مفيد.
وقال له: يا حسن الوجه، أنت الذي أمر هذه الأمّة والعباد في يدك [1] وفي عنقك، لقد تقلّدت أمرا عظيما، فبكى الرّشيد وأعطى كل واحد من الحاضرين من العلماء والعباد بدرة- وهي عشرة آلاف درهم- فكلّ قبلها إلّا الفضيل، فقال له سفيان بن عيينة: أخطأت، ألا صرفتها في أبواب البرّ.
فقال: يا أبا محمد، أنت فقيه البلد [والمنظور إليه][2] وتغلط [مثل][2] هذا الغلط، لو طابت لأولئك طابت لي.
وقال: إذا أحبّ الله عبدا أكثر غمّه، وإذا أبغض وسّع عليه دنياه.
وقال: لو عرضت عليّ الدّنيا بحذافيرها لا أحاسب عليها، لكنت أتقذّرها كالجيفة.
وقال: لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلّا للإمام، لأنه إذا صلح [الإمام][3] أمن العباد والبلاد. وكان ولده من كبار الصالحين.
ولد الفضيل- رضي الله عنه بسمرقند، وقدم الكوفة شابّا، وسمع من منصور وطبقته، ثم جاور بمكّة إلى أن مات، وقبره بالأبطح مشهور مزور. انتهى كلام ابن الأهدل.
وفيها على ما قاله ابن الأهدل أيضا، توفي يعقوب بن داود السّلميّ. كان كاتب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن المثنّى لما خرج على المنصور، وكان عنده صنوف من العلم، فظفر به المنصور، فحبسه في المطبق [4] وأطلقه المهديّ، وكان من خواصّه، إلى أن ظهر له منه تعلّق ببعض
[1] كذا في الأصل، و «مرآة الجنان» :«في يدك» ، وفي المطبوع:«بيدك» .
[2]
زيادة من «مرآة الجنان» (1/ 424) .
[3]
زيادة من «مرآة الجنان» (1/ 423) .
[4]
المطبق: سجن من سجون بني العباس. انظر «الكامل في التاريخ» لابن الأثير (6/ 72) .
العلويين، فردّه إلى المطبق، وبقي فيه إلى جانب من دولة الرّشيد، فرأى قائلا يقول:
حنا على يوسف ربّ فأخرجه
…
من قعر جبّ [1] وبيت حوله غمم
قال: فمكثت بعده حولا آخر، ثم رأيت قائلا يقول:
عسى فرج يأتي به الله إنّه
…
له كلّ يوم في خليقته أمر
قال: فمكثت بعده حولا آخر، ثم رأيت قائلا يقول:
عسى الهمّ [2] الّذي أمسيت فيه
…
يكون وراءه فرج قريب
فيأمن خائف ويفكّ عان
…
ويأتي أهله النّائي الغريب
فأخرجت صبيحة ذلك اليوم. فلما رأيت الضوء ذهب بصري، فجيء بي إلى الرّشيد، فأحسن إليّ، وردّ عليّ مالي.
ثم إن الرّشيد خيّره بين المقام عنده وبين الذّهاب، فاختار الذهاب إلى مكّة، فجاور بها حتّى مات رحمه الله تعالى.
وفيها إبراهيم بن ماهان الموصليّ التميميّ، مولاهم، المعروف بالنّديم، صاحب الغناء، ومخترع الألحان فيه، وأول خليفة سمعه المهديّ.
حكي أن الرّشيد هوي جارية فغاضبته مرّة، فأنف [3] منها، فهجرها، فقال في ذلك العبّاس بن الأحنف بسؤال جعفر البرمكي:
راجع أحبّتك الّذين هجرتهم
…
إنّ المتيّم قلّما يتجنّب
إنّ التّجنّب إن تطاول منكما
…
دبّ السّلوّ له فعزّ المطلب [4]
[1] في «مرآة الجنان» (1/ 426) : «من قعر بئر» .
[2]
في «مرآة الجنان» : «عسى الكرب» .
[3]
في الأصل، والمطبوع:«وأنف» وما أثبته من «غربال الزمان» ص (175) .
[4]
البيتان في «الأغاني» (5/ 241) مصوّرة مؤسسة جمال للطباعة والنشر ببيروت، و «مرآة
وأمر جعفر إبراهيم الموصلي أن يغنّي الرّشيد، ففعل، فبادر وترضّاها، فسألت الجارية عن السبب، فأخبرت، فحملت لكلّ منهما مالا جزيلا.
وكانت وفاة إبراهيم بالقولنج [1] ، وله مصنفات كثيرة في الفقه، وغريب الحديث، والنّوادر، والشعر، وغير ذلك، والله تعالى أعلم.
الجنان» (1/ 427) وقد ذكر محققه الدكتور عبد الله الجبوري في حاشيته بأنهما في «ديوانه» ص (28) .
[1]
في الأصل، والمطبوع:«بالقلولنج» وهو خطأ، والتصحيح من «غربال الزمان» .