الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة إحدى عشرة وأربعمائة
فيها كان الغلاء المفرط بالعراق، حتّى أكلوا الكلاب والحمر.
وفيها توفي أبو نصر النّرسي، أحمد بن محمد بن أحمد بن حسنون البغدادي [1] . الصدوق الصالح. روى عن ابن البختري، وعلي بن إدريس السّتوري.
وفيها الحاكم بأمر الله، أبو علي منصور بن نزار العزيز بالله [2] بن المعز العبيدي، صاحب مصر، والشام، والحجاز، والمغرب، فقد في شوال وله ست وثلاثون سنة، قتلته أخته ست الملك، بعد أن كتب إليها ما أوحشها وخوّفها، واتهمها بالزّنى، فدسّت من قتله، وهو طليب بن دوّاس، المتهم بها، ولم يوجد من جسده شيء، وأقامت بعده ولده، ثم قتلت طليبا، وكلّ من اطّلع على أمر أخيها.
وكان الحاكم شيطانا مريدا، خبيث النفس، متلوّن الاعتقاد، سمحا جوادا، سفّاكا للدماء، قتل عددا كثيرا من كبراء دولته صبرا، وأمر بشتم الصحابة، وكتبه على أبواب المساجد، وأمر بقتل الكلاب حتّى لم يبق في
[1] انظر «العبر» (3/ 106) .
[2]
في «آ» و «ط» : «منصور بن عبد العزيز نزار» وهو خطأ والتصحيح من كتب التاريخ والتراجم.
مملكته منها إلّا القليل، وأبطل الفقّاع [1] ، والملوخية، والسمك الذي لا فلوس له [2] ، وأتى بمن باع ذلك سرّا فقتلهم، ونهى عن بيع الرّطب، ثم جمع منه شيئا عظيما وحرقه، وأباد أكثر الكروم، وشدّد في الخمر، وألزم [أهل][3] الذّمة بحمل الصّلبان والقرامي في أعناقهم كما قدّمناه، وأمرهم بلبس العمائم السود، وهدم الكنائس، ونهى عن تقبيل الأرض له ديانة منه، وأمر بالسلام فقط، وأمر الفقهاء ببث [مذهب] مالك [4] ، واتخذ له مالكيين يفقهانه، ثم ذبحهما صبرا، ثم نفى المنجّمين من بلاده، وحرّم على النساء الخروج، فما زلن ممنوعات سبع سنين وسبعة أشهر، حتّى قتل، ثم تزهّد وتألّه ولبس الصوف، وبقي يركب حمارا، ويمرّ وحده في الأسواق، ويقيم الحسبة بنفسه، ويقال: إنه أراد [أن] يدّعي الإلهية كفرعون، وشرع في ذلك، فخوّفه خواصه من زوال دولته فانتهى، وكان المسلمون و [أهل] الذّمة في ويل وبلاء شديد معه.
قال ابن خلّكان [5] : والحاكم المذكور هو الذي بنى الجامع الكبير بالقاهرة، بعد أن شرع فيه والده، فأكمله هو، وبنى جامع راشدة بظاهر مصر، وكان المتولّي بناءه الحافظ عبد الغني بن سعيد، والمصحّح لقبلته ابن يونس المنجم، وأنشأ عدة مساجد بالقرافة [وغيرها] وحمل إلى الجامع من المصاحف والآلات الفضية والستور والحصر ما له قيمة طائلة.
وكان يفعل الشيء وينقضه.
[1] الفقاع: شراب يتخذ من الشعير، يخمّر حتى تعلوه فقّاعاته. انظر «المعجم الوسيط» (فقع) وراجع «تاج العروس» (فقع) .
[2]
جاء في «تاج العروس» (فلس) : شيء مفلس اللون كمعظّم، إذا كان على جلده لمع كالفلوس.
[3]
سقطت من «آ» و «ط» واستدركتها من «العبر» .
[4]
في «آ» و «ط» : «ببث ذلك» والتصحيح من «العبر» وما بين حاصرتين مستدرك منه.
[5]
انظر «وفيات الأعيان» (5/ 296) .
(وكان الحاكم المذكور سيء الاعتقاد، كثير التنقل من حال إلى حال، ابتدأ أمره بالتزيّي بزي آبائه، وهو الثياب المذهّبة والفاخرة، والعمائم المنظومة بالجواهر النفيسة، وركوب السروج الثقيلة المصوغة، ثم بدا له [تركه] بعد ذلك، وتركه على تدريج بأن انتقل منه إلى المعلّم غير المذهّب، ثم زاد الأمر به حتّى لبس الصوف، وركب الحمر، وأكثر من طلب أخبار الناس والوقوف على أحوالهم، وبعث المتجسسين من الرجال والنساء فلم يكن يخفى عليه رجل ولا امرأة من حواشيه ورعيته، وكان مؤاخذا بيسير الذنب، لا يملك نفسه عند الغضب، فأفنى رجالا وأباد أجيالا وأقام هيبة عظيمة وناموسا، وكان يقتل خاصته وأقرب النّاس إليه، وربما أمر بإحراق بعضهم، وربما أمر بحمل بعضهم وتكفينه ودفنه وبناء تربة عليه، وألزم كافة الخواص بملازمة قبره والمبيت عنده وأشياء من هذا الجنس يموّه بها على أصحاب العقول السخيفة، فيعتقدون أنه له في ذلك أغراضا صحيحة، ومع هذا القتل العظيم والطغيان المستمر، يركب وحده منفردا تارة، وفي الموكب أخرى، وفي المدينة طورا وفي البريّة آونة، والناس كافة على غاية الهيبة والخوف منه، والوجل لرؤيته، وهو بينهم كالأسد الضاري، فاستمر أمره كذلك مدة ملكه، وهو نحو إحدى وعشرين سنة، حتّى عنّ له أن يدّعي الإلهية، ويصرّح بالحلول والتناسخ، ويحمل الناس عليه، وألزم الناس بالسجود مرّة إذا ذكر، فلم يكن يذكر في محفل ولا مسجد، ولا على طريق إلّا سجد من يسمع ذكره. وقبّل الأرض إجلالا له، ثم لم يرضه ذلك حتّى كان في شهر رجب سنة تسع وأربعمائة، ظهر رجل يقال له: حسن بن حيدرة الفرغاني الأخرم، يرى حلول الإله في الحاكم، ويدعو إلى ذلك، ويتكلم في إبطال الثواب، وتأوّل جميع ما ورد في الشريعة، فاستدعاه الحاكم- وقد كثر تبعه- وخلع عليه خلعا سنيّة، وحمله على فرس مسرّج في موكبه، وذلك في ثاني رمضان منها،
فبينما هو يسير في بعض الأيام، تقدّم إليه رجل من الكرخ على جسر طريق المقياس [1] وهو في الموكب، فألقاه عن فرسه ووالى العرب عليه، حتّى قتله، فارتجّ الموكب، وأمسك الكرخيّ فأمر به فقتل في وقته، ونهب النّاس دار الأخرم بالقاهرة، وأخذ جميع ما كان له، فكان بين الخلع عليه وقتله ثمانية أيام، وحمل الأخرم في تابوت وكفّن بأكفان حسنة، وحمل أهل السّنّة الكرخيّ ودفنوه، وبنوا على قبره، ولازم النّاس زيارته ليلا ونهارا، فلما كان بعد عشرة أيام أصبح النّاس، فوجدوا القبر منبوشا وقد أخذن جثته، ولم يعلم ما فعل بها) [2] . انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.
وفيها القاضي أبو القاسم الحسن بن الحسين بن المنذر البغدادي [3] قاضي [4] ميّافارقين، ببغداد في شعبان، وله ثمانون سنة. كان صدوقا، علّامة بالفرائض. روى عن ابن البختري، وإسماعيل الصّفّار، وجماعة.
وفيها أبو القاسم الخزاعي علي بن أحمد بن محمد البخلي، راوي «مسند» الهيثم بن كليب الشاشي عنه، وقد روى عنه جماعة كثيرة، وحدّث ببلخ، وبخارى، وسمرقند، ومات في صفر ببخارى عن بضع وثمانين سنة.
[1] انظر «معجم البلدان» (5/ 178) .
[2]
ما بين القوسين لم يرد في «وفيات الأعيان» الذي بين يدي فتنبه.
[3]
انظر «العبر» (3/ 108- 109) و «سير أعلام النبلاء» (17/ 338- 339) .
[4]
لفظة «قاضي» لم ترد في «آ» وأثبتها من «ط» و «العبر» .