الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة ثمان وسبعين وأربعمائة
فيها أخذ الأذفونش [1] لعنه الله، مدينة طليطلة من الأندلس، بعد حصار سبع سنين، فطغى وتمرد، وحملت إليه ملوك الأندلس الضريبة، حتّى المعتمد بن عبّاد، ثم استعان المعتمد على حربه بالملثّمين، وأدخلهم الأندلس.
وفيها توفي أبو العبّاس العذري، أحمد بن عمر بن أنس بن دلهاث الأندلسي الدّلائي- ودلايه من عمل المريّة- كان حافظا، محدّثا، متقنا، مات في شعبان، وله خمس وثمانون سنة. حج سنة ثمان وأربعمائة مع أبويه، فجاوروا ثمانية أعوام، وصحب هو أبا ذرّ، فتخرّج به، وروى عن أبي الحسن بن جهضم وطائفة، ومن جلالته أن إمامي الأندلس ابن عبد البرّ، وابن حزم، رويا عنه، وله كتاب «دلائل النبوة» .
وفيها أبو سعد المتولّي، عبد الرحمن بن مأمون النيسابوري، شيخ الشافعية، وتلميذ القاضي الحسين، وهو صاحب «التّتمة» تمم به «الإبانة» لشيخه أبي القاسم الفوراني، تفقه بمرو على الفوراني، وبمرو الرّوذ على القاضي حسين، وببخارى على أبي سهل الأبيوردي، وبرع في الفقه، والأصول، والخلاف.
[1] في «آ» و «ط» : «الأدقيش» وفي «العبر» : «الأذفنش» وما أثبته من «الكامل في التاريخ» (10/ 142) و «البيان المغرب» (4/ 35) .
قال الذهبي: كان فقيها محقّقا، وحبرا مدقّقا.
وقال ابن كثير [1] : هو أحد أصحاب الوجوه في المذهب، وصنّف «التتمة» ولم يكمله، وصل فيه إلى القضاء، وأكمله غير واحد، ولم يقع شيء من تكملتهم على نسبته، وصنّف كتابا في أصول الدّين، وكتابا في الخلاف، ومختصرا في الفرائض، ومولده بنيسابور، سنة ست. وقيل: سبع وعشرين وأربعمائة، وتوفي ببغداد في شوال.
قال ابن خلّكان [2] : ولم أقف على المعنى الذي سمّي به المتولّي.
وفيها أبو المعالي أحمد بن مرزوق بن عبد الرزاق الزّعفراني [3] الحنبلي، المحدّث. سمع الكثير، وطلب بنفسه، وكتب بخطّه.
قال أبو علي البرداني: كان همّه [4] جمع الحديث وطلبه، حدّث باليسير عن أحمد بن عمر بن الأحصر، وأبي الحسين العكبري وغيرهم، وروى عنه البرداني، وقال: إنه مات ليلة الثلاثاء، مستهل المحرم.
وفيها أبو معشر الطبري، عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري القطّان المقرئ، نزيل مكّة، وصاحب كتاب «التلخيص» وغيره. قرأ بحرّان على أبي القاسم الزّيدي، وبمكّة على الكارزيني، وبمصر على جماعة، وروى عن أبي عبد الله بن نظيف، وجلس للإقراء بمكّة.
وفيها إمام الحرمين، أبو المعالي الجويني، عبد الملك بن أبي محمد عبد الله بن يوسف، الفقيه الشافعي ضياء الدّين. أحد الأئمة الأعلام.
[1] في «طبقات الشافعية» وهو مخطوط كما ذكرت من قبل.
[2]
انظر «وفيات الأعيان» (3/ 134) وقد نقل المؤلف كلامه بتصرف.
[3]
انظر «الوافي بالوفيات» (8/ 174- 175) و «المنهج الأحمد» (2/ 179) .
[4]
في «آ» و «ط» : «همته» والتصحيح من «المنهج الأحمد» .
قال ابن الأهدل: تفقه على والده في صباه، واشتغل به مدته، فلما توفي والده، أتى على جميع مصنّفاته، ونقلها ظهرا لبطن، وتصرّف فيها، وخرّج المسائل بعضها على بعض، ولم يرض بتقليد والده من كل وجه، حتى أخذ في تحقيق المذهب والخلاف، وسلك طريق المباحثة والمناظرة، وجمع الطرق بالمطالعة، حتّى أربى على المتقدمين، وأنسى مصنّفات الأولين. توفي والده وهو دون العشرين سنة، فأقعد مكانه للتدريس، وكان يتردد إلى المشايخ في أنواع العلوم، حتى ظهرت براعته، ولما ظهر التعصب بين الأشعرية والمبتدعة، خرج مع المشايخ إلى بغداد، فلقي الأكابر، وناظر، فظهرت فطنته، وشاع ذكره، ثم خرج إلى مكة، فجاور بها أربع سنين ينشر العلم، ولهذا قيل له: إمام الحرمين، ثم رجع بعد مضي نوبة التعصب إلى نيسابور في ولاية ألب أرسلان السّلجوقي، ثم قدم بغداد، فتولى تدريس النظامية، والخطابة، والتذكير، والإمامة، وهجرت له المجالس، وانغمر ذكر غيره من العلماء، وشاعت مصنفاته وبركاته، وكان يقعد بين يديه كل يوم نحو ثلاثمائة رجل، من الطلبة، والأئمة، وأولاد الصدور، وحصل له من القبول عند السلطان ما هو لائق بمنصبه، بحيث لا يذكر غيره والمقبول من انتمى إليه وقرأ عليه، وصنّف النظامي والغيّاثي، فقوبل بما يليق به من الشكر، والخلع الفائقة، والمراكب الثمينة، ثم قلّد رعاية الأصحاب، ورئاسة الطائفة، وفوّض إليه أمر الأوقاف، وسار إلى أصبهان بسبب مخالفة الأصحاب، فقابله نظام الملك بما هو لائق بمنصبه، وعاد إلى نيسابور، وصار أكثر عنايته ب- «نهاية المطلب في دراية المذهب» وأودعه من التدقيق والتحقيق ما تعلم به مكانته من العلم والفهم، واعترف أهل وقته بأنه لم يصنّف في المذهب مثله، وصنّف «الشامل في أصول الدّين» و «الإرشاد» و «العقيدة النظامية» و «غياث الأمم» في الإمامة، و «مغيث الخلق في اختيار
الأحق» و «البرهان في أصول الفقه» وغيرها، وكان مع رفعة قدره وجلالته، له حظ وافر من التواضع، فمن ذلك أنه لما قدم عليه أبو الحسن المجاشعي، تلمذ له، وقرأ عليه كتاب «إكسير الذهب في صناعة الأدب» من تصنيفه، وقد تقدم أنه حمل بين يدي الشيخ أبي إسحاق الغاشية، وقد أثنى عليه علماء وقته بما يطول شرحه، من ذلك قول الشيخ أبي إسحاق: تمتعوا بهذا الإمام، فإنه نزهة هذا الزمان.
وقال له في أثناء كلامه: يا مفيد أهل المشرق والمغرب، أنت إمام الأئمة اليوم.
وقال المجاشعي: ما رأيت عاشقا للعلم في أيّ فنّ كان مثل هذا الإمام، وكان لا يستصغر أحدا، حتى يسمع كلامه، ولا يستنكف أن يعزو الفائدة إلى قائلها، ويقول: استفدتها من فلان، وإذا لم يرض كلامه زيّفه، ولو كان أباه.
وقال في اعتراض على والده، وهذه زلّة من الشيخ رحمه الله، وكان إذا شرع في حكايات الأحوال، وعلوم الصوفية، ومجالس [1] الواعظ والتذكير، بكى طويلا، حتّى يبكي غيره لبكائه، وربما زعق ولحقه الاحتراق العظيم، لا سيما إذا أخذ في التفكّر.
وسمع الحديث من جماعة كثيرة، وأجاز له أبو نعيم صاحب «الحلية» وسمع «سنن الدارقطني» من ابن عليك، وكان يعتمد تلك الأحاديث في مسائل الخلاف، ويذكر الجرح والتعديل في الرواية.
وروي أن والده في ابتداء أمره، كان ينسخ بالأجرة، حتّى اجتمع له شيء، فاشترى به جارية صالحة، ووطئها فلما وضعت إمام الحرمين، أوصاها
[1] في «ط» : «ومجلس» .
أن لا ترضعه من غيرها، فأرضعته يوما جارة لهم، فاجتهد الشيخ في تقييئها، حتّى تقايأها، وكان ربما لحقته فترة بعد إمامته، فيقول: لعل هذه من بقايا تلك الرضعة، ولما مات لحق الناس عليه ما لا يعهد لغيره، وغلقت أبواب البلد، وكشفت الرؤوس، حتّى ما اجترأ أحد من الأعيان يغطي رأسه، وصلى عليه ولده أبو القاسم بعد جهد عظيم من الزحام، ودفن في داره بنيسابور، ثم نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين، وكسر منبره في الجامع، وقعد الناس للعزاء أياما، وكان طلبته نحو أربعمائة يطوفون في البلد نائحين عليه، وكان عمره تسعا وخمسين سنة، وآثاره في الدّين باقية، وإن انقطع نسله ظاهرا، فنشر علمه يقوم مقام كل نسب.
ومن كلامه في كتابه «الرسالة النظامية» [1] : اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في آي الكتاب، وما يصحّ من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الربّ. قال:
والذي نرتضيه رأيا، وندين لله [2] به عقدا، اتباع سلف الأمة، والدليل السمعيّ القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجّة متبعة، وهو مستند الشريعة، وقد درج صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ترك التعرّض لمعانيها، ودرك ما فيها، وهم صفوة الإسلام، والمستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملّة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الظواهر مشروعا أو محتوما، لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصرهم على الإضراب عن التأويل، كان ذلك هو الوجه المتبع، فحق على كل ذي دين أن يعتقد تنزيه الباري عن
[1] وتسمى أيضا «العقيدة النظامية» وقد طبعت في القاهرة بتحقيق العلّامة الشيخ محمد زاهد الكوثري عام (1367) هـ-، ولكنها ليست بمتناول يدي.
[2]
في «ط» : «وندين الله» .
صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الربّ، فليجر آية الاستواء والمجيء، وقوله: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ 38: 75 [ص:
75] وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ 55: 27 [الرحمن: 27] وقوله:
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا 54: 14 [القمر: 14] . وما صحّ من أخبار الرسول، كخبر النزول وغيره كما ذكرنا، انتهى بحروفه.
ومن شعر أبي المعالي:
نهاية إقدام العقول عقال
…
وغاية آراء الرّجال ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا
…
وغاية دنيانا أذى ووبال
وذكر المناوي في شره على «الجامع الصغير» [1] ما نصه: وقال السمعاني في «الذيل» عن الهمداني: سمعت أبا المعالي- يعني إمام الحرمين- يقول: قرأت خمسين ألفا في خمسين ألفا، ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة، وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى [2] أهل الإسلام عنه، كل ذلك في طلب الحقّ، وهربا من التقليد [3] ، والآن [قد] رجعت من العمل إلى كلمة الحقّ «عليكم بدين العجائز» [4] فإن لم يدركني الحقّ بلطفه، وأموت على دين العجائز، ويختم عاقبة أمري [عند الرحيل] على الحق، وكلمة الإخلاص، لا إله إلا الله [5] ، فالويل لابن الجويني. انتهى بحروفه، فرحمه الله ورضي عنه.
[1] انظر «فيض القدير» (1/ 424) وما بين حاصرتين مستدرك منه.
[2]
في «آ» : «ينهى» .
[3]
في «آ» و «ط» : «وهو يأمن التقليد» ، والتصحيح من «فيض القدير» .
[4]
ذكره الحافظ السيوطي في «الدرر المنتثرة» ص (98) طبع مكتبة دار العروبة في الكويت، وعزاه للديلمي من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بلفظ:«إذا كان آخر الزمان واختلفت الأهواء، فعليكم بدين أهل البادية والنساء» وقال: سنده واه. وقال الصنعاني:
موضوع. انظر «الدّر الملتقط في تبيين الغلط» ص (43) طبع دار الكتب العلمية ببيروت.
[5]
في «آ» و «ط» : «وإلا» وما أثبته من «فيض القدير» .
وفيها أبو علي بن الوليد، شيخ المعتزلة، محمد بن أحمد بن عبد الله ابن أحمد بن الوليد الكرخي، وله اثنتان وثمانون سنة. أخذ عن أبي الحسين البصري، وغيره، وبه انحرف ابن عقيل عن السّنّة قليلا، وكان ذا زهد، وورع، وقناعة، وتعبد، وله عدة تصانيف، ولما افتقر جعل ينقض داره ويبيع خشبها ويتقوت [به] ، وكانت من حسان الدّور ببغداد. قاله في «العبر» [1] .
وفيها قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني، محمد بن علي بن محمد الحنفي، تفقه بخراسان ثم ببغداد، على القدوري، وسمع من الصّوري وجماعة، وعاش ثمانين سنة. وكان نظير القاضي أبي يوسف في الجاه، والحشمة، والسؤدد، وبقي في القضاء دهرا، ودفن في القبة إلى جانب الإمام أبي حنيفة، رحمهما الله تعالى.
وفيها مسلم، الملك شرف الدولة، أبو المكارم بن الملك أبي المعالي قريش بن بدران بن مقلّد العقيلي، صاحب الجزيرة وحلب، وكان رافضيا اتسعت ممالكه، ودانت له العرب، وطمع في الاستيلاء على بغداد عند موت طغرلبك، وكان شجاعا، فاتكا، مهيبا، داهية [2] ، ماكرا، التقى هو والملك سليمان بن قتلمش [3] السلجوقي، صاحب الرّوم، على باب أنطاكية، فقتل في المصاف.
[1](3/ 293- 294) .
[2]
في «آ» و «ط» : «ذا هيبة» والتصحيح من «العبر» مصدر المؤلف في نقله.
[3]
في «آ» و «ط» : «سلمان بن قتلمش» والتصحيح من «العبر» (3/ 294) وانظر «الكامل في التاريخ» (10/ 138) .