الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة ثمان وثمانين وأربعمائة
فيها قدم الإمام الغزالي دمشق متزهدا، وصنّف «الإحياء» وأسمعه بدمشق، وأقام بها سنتين، ثم حج وردّ إلى وطنه.
وفيها توفي أبو الفضل، أحمد بن الحسن بن خيرون البغدادي الحافظ، في رجب، عن اثنتين وثمانين سنة وشهر. روى عن أبي علي بن شاذان، والبرقاني، وطبقتهما، وكتب ما لا يوصف، وكان ثقة، ثبتا، صاحب حديث.
قال أبو منصور بن خيرون: كتب عمي عن أبي علي بن شاذان ألف جزء.
وقال السّلفي: كان يحيى بن معين وقته، رحمه الله.
وفيها أمير الجيوش بدر الأرمني، ولي إمرة دمشق في سنة خمس وخمسين وأربعمائة، وانفصل بعد عام، ثم وليها والشام كلّه في سنة ثمان وخمسين، ثم سار إلى الدّيار المصرية والمستنصر في غاية الضعف، فشيّد [1] دولته، وتصرّف في الممالك، وولي وزارة السيف والقلم، وامتدّت أيامه، ولما أيس منه، ولي الأمر بعده ابنه الأفضل، وتوفي في ذي القعدة.
[1] في «العبر» : «فشدّ» .
وفيها تتش، السلطان تاج الدولة أبو سعيد بن السلطان ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق التّركي السّلجوقي. كان شهما، شجاعا، مقداما، فاتكا، واسع الممالك، كاد أن يستولي على ممالك أخيه ملكشاه، قتل بنواحي الرّيّ، وتملّك بعده ابناه، بحلب ودمشق.
وفيها رزق الله بن عبد الوهّاب بن عبد العزيز بن الحارث الإمام أبو محمد التميمي البغدادي، الفقيه الواعظ، شيخ الحنابلة. قرأ القرآن على أبي الحسن الحمّامي، وتقدم في الفقه، والأصول، والتفسير، والعربية، واللغة، وحدّث عن أبي الحسين بن المتيّم، وأبي عمر بن مهدي، والكبار. وتوفي في نصف جمادى الأولى عن ثمان وثمانين سنة.
قال أبو علي بن سكرة: قرأت عليه ختمة لقالون، وكان كبير بغداد وجليلها، وكان يقول: كل الطوائف تدّعيني. قاله في «العبر» [1] .
وقال ابن عقيل: في «فنونه» : ومن كبار مشايخي أبو محمد التميمي، شيخ زمانه، كان حسنة العالم، وماشطة بغداد. وقال: كان سيد الجماعة من [2] أصحاب أحمد بيتا، ورئاسة، وحشمة، أبو محمد التميمي، وكان أحلى الناس عبارة في النظر، وأجرأهم قلما في الفتيا، وأحسنهم وعظا.
وفيها يعقوب بن إبراهيم بن أحمد بن سطور العكبري البرزبيني- بفتح الباء الموحدة أوله، والزاي ثالثة، ثم باء موحدة مكسورة، وتحتية، نسبة إلى برزبين، قرية ببغداد- القاضي أبو علي، قاضي باب الأزج. قدم بغداد بعد الثلاثين والأربعمائة، وسمع الحديث من أبي إسحاق البرمكي، وتفقه، على القاضي أبي يعلى، حتّى برع في الفقه، ودرّس في حياته، وشهد عند الدّامغاني، هو والشريف أبو جعفر في يوم واحد، سنة ثلاث
[1](3/ 322- 323) .
[2]
لفظة «من» لم ترد في «آ» وأثبتها من «ط» .
وخمسين، وزكّاهما شيخهما القاضي، وتولى يعقوب القضاء بباب الأزج، والشهادة سنة اثنتين وسبعين، ثم عزل نفسه عنهما، ثم عاد إليهما سنة ثمان وسبعين، واستمر إلى موته، وكان ذا معرفة تامة بأحكام القضاء وإنفاذ السجلات، متعففا في القضاء، متشددا في السّنّة.
وقال ابن عقيل: كان أعرف قضاة الوقت بأحكام القضاء والشروط، وله المقامات المشهودة بالديوان، حتّى يقال: إنه كعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة من الصحابة في معرفة الرأي.
وذكره ابن السمعاني [1] فقال: كانت له يد قوية في القرآن، والحديث، [والفقه] ، والمحاضرة. قرأ عليه عامة الحنابلة ببغداد، وانتفعوا به، وكان حسن السيرة جميل الطريقة.
وفيها أبو يوسف القزويني، عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار، شيخ المعتزلة وصاحب التفسير الكبير، الذي هو أزيد من ثلاثمائة مجلد. درس الكلام على القاضي عبد الجبّار بالرّيّ، وسمع منه، ومن أبي عمر بن مهدي الفارسي، وتنقل في البلاد، ودخل مصر، وكان صاحب كتب كثيرة، وذكاء مفرط، وتبحر في المعارف واطّلاع كثير، إلّا أنه كان داعية إلى الاعتزال. مات في ذي القعدة، وله خمس وتسعون سنة وأشهر.
وفيها أبو الحسن الحصري، المقرئ الشاعر، نزيل سبتة، علي بن عبد الغني الفهري، وكان مقرئا محقّقا وشاعرا مفلقا. مدح ملوكا ووزراء، وكان ضريرا.
قال ابن بسام في حقه [2] : كان بحر براعة، ورأس صناعة، وزعيم
[1] انظر «الأنساب» (2/ 147) وما بين حاصرتين مستدرك منه.
[2]
انظر «الذخيرة» (4/ 1/ 245- 246) .
جماعة، طرأ على جزيرة الأندلس، منتصف المائة الخامسة من الهجرة، بعد خراب وطنه من القيروان، والأدب يومئذ بأفقنا نافق السّوق، معمور الطريق، فتهادته ملوك طوائفها تهادي الرياض بالنّسيم، وتنافسوا فيه تنافس الديار في الأنس المقيم، على أنه كان فيما بلغني ضيق العطن، مشهور اللّسن، يتلفت إلى الهجاء تلفت الظمآن إلى الماء، ولكنه طوي على غرّه، واحتمل بين زمانته [1] وبعد قطره، ولما خلع ملوك الطوائف بأفقنا، اشتملت عليه مدينة طنجة، وقد ضاق [2] ذرعه، وتراجع طبعه.
وقال ابن خلّكان [3] : وهذا أبو الحسن- أي صاحب الترجمة- ابن خالة أبي إسحاق الحصري صاحب «زهر الآداب» .
وذكره ابن بشكوال في كتاب «الصلة» [4]- والحميدي [4] أيضا- وقال:
كان عالما بالقراءات وطرقها، وأقرأ الناس القرآن الكريم بسبتة وغيرها، وله قصيدة نظمها في قراءة نافع، عدد أبياتها مائتان وتسعة. وله ديوان شعر، فمن قصائده السائرة القصيدة التي أولها:
يا ليل الصّبّ متى غده
…
أقيام السّاعة موعده
رقد السّمّار فأرّقه
…
أسف للبين يردّده
وله أيضا:
أقول له وقد حيّا بكاس
…
لها من مسك ريقته ختام
أمن خدّيك تعصر؟ قال: كلّا
…
متى عصرت من الورد المدام؟
ولما كان بمدينة طنجة أرسل غلامه إلى المعتمد بن عباد صاحب
[1] في «آ» و «ط» : «زمانية» والمثبت من «الذخيرة» و «وفيات الأعيان» .
[2]
في «آ» و «ط» : «وقد ضاقت» والمثبت من «الذخيرة» و «الوفيات» .
[3]
انظر «وفيات الأعيان» (3/ 332) .
[4]
انظر «الصلة» (2/ 432) و «جذوة المقتبس» ص (314) .
إشبيلية واسمها في بلادهم حمص، فأبطأ عنه وبلغه أن المعتمد ما احتفل به فقال:
نبّه الرّكب الهجوعا
…
ولم الدّهر الفجوعا
حمص الجنّة قالت
…
لغلامي لا رجوعا
رحم الله غلامي
…
مات في الجنّة جوعا
وقد التزم في هذه الأبيات لزوم ما لا يلزم، رحمه الله تعالى.
وفيها المعتمد على الله، أبو القاسم محمد بن المعتضد عبّاد بن القاضي محمد بن إسماعيل اللّخمي الأندلسي، صاحب الأندلس. كان ملكا جليلا، وعالما ذكيا، وشاعرا محسنا، وبطلا شجاعا، وجوادا ممدّحا. كان بابه محطّ الرّحال، وكعبة الآمال، وشعره في الذروة العليا، ملك من الأندلس، من المدائن، والحصون، والمعاقل مائة وثلاثين سورا [1] ، وبقي في المملكة نيفا وعشرين سنة، وقبض عليه أمير المسلمين ابن تاشفين، لما قهره، وغلب على ممالكه، وسجنه بأغمات، حتّى مات في شوال بعد أربع سنين من زوال ملكه [2] ، وخلع من ملكه عن ثمانمائة سرّيّة، ومائة وسبعين ولدا [3] ، وكان راتبه في اليوم ثمانمائة رطل لحم. قاله جميعه في «العبر» [4] .
وقال ابن خلّكان [5] : جعل خواص الأمير يوسف بن تاشفين يعظّمون عنده بلاد الأندلس- لأنهم كانوا بمراكش، وهي بلاد بربر وأجلاف العربان- فجعلوا يحسّنون له أخذ الأندلس، ويوغرون [6] قلبه على المعتمد بأشياء
[1] في «العبر» : «مسورا» .
[2]
في «آ» و «ط» : «بعد أربع وستين سنة» وهو خطأ، والتصحيح من «العبر» مصدر المؤلف.
[3]
في «العبر» : «ومائة وثلاثة وسبعين ولدا» (ع) .
[4]
(3/ 323- 324) .
[5]
انظر «وفيات الأعيان» (5/ 30) .
[6]
تحرّفت في «وفيات الأعيان» إلى «ويغرون» فتصحح فيه. جاء في «لسان العرب» (وغر) :
وغر صدره عليه
…
إذا امتلأ غيظا وحقدا.
نقلوها عنه، فتغير عليه وقصده، فلما انتهى إلى سبته، جهز إليه العساكر، وقدّم عليها سير [1] بن أبي بكر الأندلسي، فوصل إلى إشبيلية وبها المعتمد، فحاصره أشد محاصرة، وظهر من مصابرة المعتمد وشدة بأسه وتراميه على الموت بنفسه ما لم يسمع بمثله، والناس بالبلد قد استولى عليهم الفزع وخامرهم الجزع، يقطعون سبلها سياحة ويخوضون نهرها سباحة، ويترامون من شرفات الأسوار. فلما كان يوم الأحد عشري رجب سنة أربع وثمانين، هجم عسكر الأمير يوسف البلد وشنّوا فيه الغارات، ولم يتركوا لأحد شيئا، وخرج الناس من منازلهم يسترون عوراتهم بأيديهم، وقبض على المعتمد وأهله، وكان قد قتل له ولدان قبل ذلك، أحدهما المأمون، كان ينوب عن والده في قرطبة فحصروه بها إلى أن أخذوه وقتلوه، والثاني الرّاضي، كان أيضا نائبا عن أبيه في رندة وهي من الحصون الممتنعة، فنازلوها وأخذوها، وقتلوا الرّاضي، ولأبيهما المعتمد فيهما مراث كثيرة.
وبعد ذلك جرى بإشبيلية على المعتمد ما ذكرناه. ولما أخذ المعتمد قيدوه من ساعته، وجعل مع أهله في سفينة.
قال ابن خاقان في «قلائد العقيان» : ثم جمع هو وأهله وحملتهم الجواري المنشآت، وضمّتهم كأنهم أموات، بعد ما ضاق عنهم القصر، وراق منهم العصر، والناس قد حشروا بضفتي الوادي، يبكون [2] بدموع الغوادي، فساروا والنوح يحدوهم، والبوح باللوعة لا يعدوهم، وفي ذلك يقول ابن اللبانة:
تبكي السّماء بدمع رائح غادي
…
على البهاليل من أبناء عبّاد
يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذ
…
في ضم رحلك واجمع فضلة الزّاد
[1] تحرّف في «آ» و «ط» إلى «سيرين» والتصحيح من «وفيات الأعيان» وانظر «الكامل في التاريخ» لابن الأثير (10/ 189 و 190 و 193) .
[2]
في «آ» و «ط» : «وبكوا» وما أثبته من «وفيات الأعيان» .
وقال في هذه الحال وصفتها ابن حمديس الصّقلي:
ولما رحلتم بالنّدي في أكفكم
…
وقلقل رضوى منكم وثبير
رفعت لساني بالقيامة قد دنت
…
فهذي الجبال الراسيات تسير
وهي أبيات كثيرة.
وتألم المعتمد يوما من قيده وضيقه وثقله، فأنشد:
تبدّلت من ظل عزّ البنود
…
بذلّ الحديد وثقل القيود
وكان حديدي سنانا ذليقا
…
وعضبا رقيقا صقيل الحديد
وقد صالا ذاك وذا أدهما
…
يعضعض [1] ساقيّ عضّ الأسود
ثم إنهم حملوه إلى الأمير يوسف بمراكش، فأمر بإرسال المعتمد إلى مدينة أغمات، واعتقله بها، فلم يخرج إلى الممات.
قال ابن خاقان: ولما أجلي عن بلاده، وأعري من طارفه وتلاده، وحمل في السفين، وأحل في العدوة محلّ الدّفين، تندبه منابره وأعواده، ولا يدنو [2] منه زوّاره ولا عوّاده، بقي آسفا تتصعد زفراته، [وتطرد اطّراد المذانب عبراته، ويخلو بمؤانس، ولا يرى إلا عرينا بدلا من تلك المكانس، ولما يجد سلوّا ولم يؤمل دنوّا، ولم ير وجه مسرّة مجلوّا، وتذكر منازله فشاقته][3] وتصوّر بهجتها [فراقته][4] ، وتخيّل استيحاش أوطانه، وإجهاش قصره ورأى [5] إظلام جوّه من أقماره، وخلوه من حرّاسه وسمّاره.
[1] كذا في «آ» و «ط» : «يعضض» وفي «وفيات الأعيان» : «يعضّ بساقيّ» .
[2]
في «آ» و «ط» : «ولا تدنو» وأثبت لفظ «وفيات الأعيان» .
[3]
ما بين حاصرتين تأخر في «آ» و «ط» إلى عدة أسطر فأعدته إلى مكانه كما في «وفيات الأعيان» (5/ 32) ولفظة «فشاقته» مستدركة منه.
[4]
لفظة «فراقته» مستدركة من «وفيات الأعيان» .
[5]
لفظة «رأى» لم ترد في «وفيات الأعيان» الذي بين يدي.
وفي اعتقاله يقول أبو بكر الدّاني قصيدته المشهورة التي أولها:
لكلّ شيء من الأشياء ميقات
…
وللمنى من مناياهنّ غايات
والدّهر في صبغة الحرباء منغمس
…
ألوان حالاته فيها استحالات
ونحن من لعب الشطرنج في يده
…
وربما قمرت بالبيدق الشاة
انفض يديك من الدّنيا وساكنها
…
فالأرض قد اقفرت والنّاس قد ماتوا
وقل لعالمها الأرضي قد كتمت
…
سريرة العالم العلوي أغمات
وهي طويلة.
ودخل عليه يوما بناته السجن، وكان يوم عيد، وكنّ يغزلن للناس بالأجرة في أغمات، حتّى إن إحداهنّ غزلت لبيت صاحب الشرطة الذي كان في خدمة أبيها وهو في سلطانه، فرآهنّ في أطمار رثّة وحالة سيئة، فصدعن قلبه، وأنشد:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا
…
فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة
…
يغزلن للنّاس لا يملكن قطميرا [1]
برزن نحوك للتّسليم خاشعة
…
أبصارهنّ حسيرات مكاسيرا
يطأن في الطّين والأقدام حافية
…
كأنّها لم تطأ مسكا وكافورا
ومنها:
قد كان دهرك إن تأمره ممتثلا
…
فردّك الدّهر منهيّا ومأمورا
من بات بعدك في دهر [2] يسرّ به
…
فإنما بات بالأحلام مغرورا
[1] تحرّفت في «آ» و «ط» إلى «قمطيرا» والتصحيح من «وفيات الأعيان» (5/ 35) . والقطمير:
الفوفة التي في النّواة، وهي القشرة الرقيقة، وقيل: هي النّكتة البيضاء التي في ظهر النواة تنبت منها النخلة. انظر «مختار الصحاح» (قطمر) .
[2]
في «وفيات الأعيان» : «في ملك» .
وله:
قالت لقد هنّا هنا
…
مولاي أين جاهنا
قلت لها إلى هنا
…
صيّرنا إلهنا
ودخل عليه وهو في تلك الحال ولده أبو هاشم والقيود قد عضّت بساقيه عض الأسود، والتوت عليه التواء الأساور السود، وهو لا يطيق إعمال قدم، ولا يريق دمعا إلّا ممتزجا بدم، بعد ما عهد نفسه فوق منبر وسرير، ووسط جنّة وحرير، تخفق عليه الألوية، وتشرق منه الأندية، فلما رآه بكى وأنشد:
قيدي أما تعلمني مسلما
…
أبيت أن تشفق أو ترحما
دمي شراب لك واللّحم قد
…
أكلته لا تهشّم الأعظما
يبصرني فيك أبو هاشم
…
فينثني والقلب قد هشّما
ارحم طفيلا طائشا لبّه
…
لم يخش أن يأتيك مسترحما
وارحم أخيّات له مثله
…
جرعتهنّ السمّ والعلقما
منهنّ من يفهم شيئا فقد
…
خفنا عليه للبكاء العمى
والغير لا يفهم شيئا فما
…
يفتح إلّا للرضاع الفما
وكان قد اجتمع عنده جماعة من الشعراء وألحّوا عليه في السؤال، وهو على تلك الحال فأنشد:
سألوا اليسير من الأسير وإنه
…
بسؤالهم لأحقّ منهم فاعجب
لولا الحياء وعزة لخميّة
…
طيّ الحشا لحكاهم في المطلب
وأشعار المعتمد وأشعار الناس فيه كثيرة، وكانت ولادته في ربيع الأول، سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة بمدينة باجة من بلاد الأندلس، وملك بعد وفاة أبيه هناك، وتوفي في السجن بأغمات حادي عشر شوال، وقيل: في [ذي] الحجة، رحمه الله.
ومن النادر الغريب أنه نودي في جنازته بالصلاة على الغريب، بعد عظم سلطانه وجلالة شأنه، فتبارك من له البقاء والعزّة والكبرياء، واجتمع عند قبره جماعة من الشعراء، الذين كانوا يقصدونه بالمدائح، ويجزل لهم المنائح، فرثوه بقصائد مطولات، وأنشدوها عند قبره، وبكوا عليه، فمنهم:
أبو بحر عبد الصمد شاعره المختص به، رثاه بقصيدة طويلة أجاد فيها وأولها:
ملك الملوك أسامع فأنادي
…
أم قد عدتك عن [1] السماع عوادي
لمّا نقلت عن القصور ولم تكن
…
فيها كما قد كنت بالأعياد
أقبلت [2] في هذا الثّرى لك خاضعا
…
وجعلت قبرك موضع الإنشاد
ولما فرغ من إنشادها قبّل الثرى، ومرغ جسمه، وعفّر خده، فأبكى كل من حضر.
ورأى أبو بكر الدّاني حفيد المعتمد- وهو غلام وسيم- قد اتخذ الصياغة صناعة، وكان يلقب في أيام دولتهم فخر الدولة، وهو من الألقاب السلطانية عندهم، فنظر إليه وهو ينفخ في الفحم بقصبة الصائغ، فقال من جملة قصيدة:
شكاتنا فيك يا فخر العلى عظمت
…
والرزء يعظم فيمن قدره عظما
طوّقت من نائبات الدّهر مخنقة
…
ضاقت عليك وكم طوّقتنا نعما
وعاد طوقك في دكان قارعة [3]
…
من بعد ما كنت في قصر حكى إرما
صرفت في آلة الصّياغ أنملة
…
لم تدر إلا النّدى والسيف والقلما
يد عهدتك للتّقبيل تبسطها
…
فتستقلّ الثريا أن تكون فما
يا صائغا كانت العليا تصاغ له
…
حليا وكان عليه الحليّ منتظما
[1] في «آ» و «ط» : «من» وأثبت لفظ «وفيات الأعيان» (5/ 37) .
[2]
تحرفت في «آ» و «ط» إلى «قبلت» والتصحيح من «وفيات الأعيان» .
[3]
تصحفت في «آ» و «ط» إلى «فارغة» والتصحيح من «وفيات الأعيان» .
للنفخ في الصور هول ما حكاه سوى
…
أني رأيتك فيه تنفخ الفحما
وددت إذ نظرت [1] عيني إليك به
…
لو أن عيني تشكوا قبل ذاك عمى
ما حطّك الدّهر لما حطّ عن شرف
…
ولا تحيّف من أخلاقك الكرما
لح في العلا كوكبا إن لم تلح قمرا
…
وقم بها ربوة إن لم تقم علما
والله لو أنصفتك الشهب لانكسفت
…
ولو وفي لك دمع العين لانسجما
أبكى حديثك حتّى الدّهر حين غدا
…
يحكيك رهطا وألفاظا ومبتسما
ويكفي هذا المقدار، ولولا خوف الإطالة لبيّضت الليالي بلآلئ نظامه، ولسوّدت سطور الطّروس بمصابه ونكبة أيامه، فرحمة الله عليه، وعوّضه بنعيم الفردوس لديه.
وفيها محمد بن علي بن أبي صالح البغوي الدبّاس، آخر من روى «الترمذي» عن الجراحي، توفي ببغشور [2] في ذي القعدة، وكان من الفقهاء.
وفيها قاضي القضاة الشامي [3] أبو بكر محمد بن المظفر بن بكران الحموي الشافعي. كان من أزهد القضاة، وأورعهم، وأتقاهم لله، وأعرفهم بالمذهب.
ولد بحماة سنة أربعمائة، وسمع ببغداد من عثمان بن دوست وطائفة، وولي بعد أبي عبد الله الدامغاني، وكان من أصحاب القاضي أبي الطيّب الطبري. لم يأخذ على القضاء رزقا، ولا غيّر ملبسه. ولي القضاء سنة ثمان وسبعين، بعد ما امتنع، فألحوا عليه، فاشترط عليهم أن لا يأخذ عليه معلوما،
[1] في «آ» و «ط» : «أن نظرت» وأثبت لفظ «وفيات الأعيان» .
[2]
في «آ» و «ط» : «ببشفور» وهو خطأ، والتصحيح من «العبر» (3/ 324) و «سير أعلام النبلاء» (19/ 6) .
[3]
تحرّفت في «آ» و «ط» إلى «المشامي» والتصحيح من «العبر» (3/ 324) و «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة (1/ 297) .
وأن لا يقبل من أحد شفاعة، ولا يغيّر ملبسه، فأجابوه، فأجابهم إلى ذلك، وكان يقول: ما دخلت في القضاء حتّى وجب عليّ.
وقيل: إنه لم يتبسم قطّ، وكان له أجور من أملاكه تبلغ في الشهر دينارا ونصفا ينتفع بذلك.
قال أبو علي بن سكرة: أما العلم فكان يقال: لو رفع المذهب أمكنه أن يمليه من صدره.
وقال السمعاني: هو أحد المتقنين لمذهب الشافعي، وله اطّلاع على أسرار الفقه، وكان ورعا، زاهدا، جرت أحكامه على السداد.
وقال ابن النجار: صنّف كتاب «البيان في أصول الدّين» وكان على طريقة السلف.
وقال غيره: لم يقبل من سلطان عطية، ولا من صديق [1] هدية، وكان يعاب بالحدّة وسوء الخلق. توفي عاشر شعبان ودفن قرب ابن سريج.
وفيها أبو عبد الله الحميدي محمد بن [أبي] نصر [2] فتّوح بن عبد الله بن فتّوح بن حميد بن يصل [3] الميورقي- بفتح الميم وضم التحتية، وسكون الراء، وقاف، نسبة إلى ميورقة، جزيرة قرب الأندلس- الأندلسي الحافظ الحجّة العلّامة، مؤلف «الجمع بين الصحيحين» توفي في ذي الحجة، عن نحو سبعين سنة. وكان أحد أوعية العلم، وكان ظاهري المذهب، أكثر عن ابن حزم، وابن عبد البرّ، وحدّث عن خلق، ورحل في حدود الخمسين، فسمع بالقيروان، والحجاز، ومصر، والشام، والعراق، وكتب عن خلق كثير، وكان دؤوبا على الطلب للعلم، كثير الاطّلاع، ذكيا،
[1] ي «آ» و «ط» : «ولا من صديقه» وما أثبته من «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة.
[2]
في «آ» و «ط» : «محمد بن نصر» وهو خطأ، والتصحيح من «الأنساب» (4/ 233) و «العبر» (3/ 325) .
[3]
في «آ» و «ط» : «ابن بطل» وما أثبته من «العبر» (3/ 325) .
فطنا، صيّنا، ورعا، أخباريا، متقنا [1] ، كثير التصانيف، حجة، رحمه الله تعالى [2] .
وفيها نجيب بن ميمون [3] أبو سهل الواسطي ثم الهروي. روى عن أبي علي الخالدي وجماعة، وعاش بضعا وتسعين سنة.
وفيها هبة الله بن علي بن محمد بن أحمد بن علي بن عمر أبو نصر البغدادي الحافظ. سمع وألّف، وجمع وصنّف، ومات كهلا عن ست وأربعين سنة.
[1] في «العبر» : «متفننا» . (ع) .
[2]
قال العامري في «غربال الزمان» ص (391) في آخر ترجمته: قال أبو بكر بن طرخان: أنشد في نفسه:
فأقلل من لقاء النّاس إلّا
…
لأخذ العلم أو إصلاح حال
[3]
في «آ» و «ط» : «محبب بن ميمون» وهو خطأ، والتصحيح من «العبر» (3/ 326) وانظر «الأنساب» (5/ 25) ضمن ترجمة شيخه (الحسين بن علي الخالدي النيسابوري) .