الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القبول لم يتمه، وأورد أبو محمد المذهب أنه يحرم في حق من تلزمه الجمعة، [ويكره في حق غيره، ولو كان للبلد جامعان يصح إقامة الجمعة] فيهما، فسبق النداء في أحدهما، فهل يحرم البيع مطلقا، أو لا يحرم إلا إذا كان الجامع الذي نودي فيه من جنب داره، أما لو كان من الجانب الذي داره ليس فيه فلا يحرم؟ فيه احتمالان، ذكرهما ابن عقيل، والله سبحانه أعلم.
[الخطبة من شروط صحة الجمعة]
قال: فإذا فرغوا من الأذان خطبهم قائما.
ش: لا إشكال في مشروعية الخطبة، إذ ذاك مما استفاضت به السنة الصحيحة، ومذهبنا ومذهب الجمهور أن الخطبة شرط لصحة الجمعة، لأن الله أمر بالسعي إلى ذلك بقوله:{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] والمراد به - على ما قال المفسرون - الخطبة، وظاهر الأمر الوجوب، والسعي الواجب لا يكون إلا إلى واجب، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم داوم على ذلك، مع قوله: صلى الله عليه وسلم «صلوا كما رأيتموني أصلي» .
838 -
ولأن الخطبتين بدل عن الركعتين، كذا روي عن عمر، وابنه، وعائشة، وغيرهم رضي الله عنهم.
وقول الخرقي: قائما. ظاهره الوجوب، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
839 -
لما روى جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما، فمن قال: إنه كان يخطب جالسا. فقد كذب، فلقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة» . رواه مسلم وغيره.
840 -
ودخل كعب بن عجرة، وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدا، فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا، قال الله تعالى:{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11] رواه مسلم والنسائي، وبهذا استدل أحمد رحمه الله. (والرواية الثانية) - وهي المشهورة عند الأصحاب - يجوز أن يخطب جالسا، والقيام سنة، لظاهر الآية الكريمة، فإن الذكر قد أطلق ولم يقيد، والمقصود حاصل بدونه، وفعله صلى الله عليه وسلم يحمل على الفضيلة، والله أعلم.
قال: فحمد الله [عز وجل] وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم[وقرأ شيئا من القرآن ووعظ] .
841 -
ش: أما الحمد والثناء على الله تعالى، فلما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» رواه أبو داود.
842 -
وعن جابر بن عبد الله قال: «كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله» . وذكر الحديث رواه مسلم، (وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم) فلأن الخطبة اشترط فيها ذكر الله تعالى، فيشترط فيها ذكر رسوله كالأذان.
843 -
«وعن أبي هريرة رضي الله عنه وذكر إسراء النبي صلى الله عليه وسلم وذكر فيه قول الله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4] قال: «فلا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي» رواه الخلال في كتاب العلم، وكتاب السنة.
844 -
(وأما قراءة شيء من القرآن) فلما روى جابر بن سمرة قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما، ويجلس بين الخطبتين، ويقرأ آيات، ويذكر الناس» . رواه أحمد ومسلم.
قال: ثم جلس.
ش: [لا إشكال] في سنية هذا الجلوس بين الخطبتين، اقتداء بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم في حديث جابر بن سمرة.
845 -
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس» ، ولا يجب على المذهب المشهور، لحصول المقصود بدونه.
846 -
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه لم يجلس بين الخطبتين. ذكره أحمد، وابن المنذر.
847 -
وروى النجاد عن أبي إسحاق قال: رأيت عليا يخطب على المنبر، فلم يجلس حتى فرغ، والظاهر أنه قد حضرهما جماعة من الصحابة، ولم ينقل إنكار، وذهب أبو بكر النجاد من أصحابنا إلى وجوبه، لمداومته على ذلك، والله أعلم.
قال: وقام فأتى أيضا بالحمد لله، والثناء عليه، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ ووعظ.
ش: قوله: قام. يعني يخطب خطبة ثانية، ولا إشكال أن المذهب وجوب الثانية كالأولى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبتين، وفعله وقع بيانا لمجمل الذكر المأمور به في الآية الكريمة، ولأن الخطبتين بدل الركعتين، فليكونا واجبتين كهما. (وقيل) : عن أحمد ما يدل على أن الواجب خطبة واحدة، ولا عمل عليه. (ثم) الثانية تشتمل على ما اشتملت عليه الأولى من الحمد، والصلاة، والقراءة، لما تقدم، وزاد الخرقي في الثانية الموعظة، لحديث جابر بن سمرة: ويذكر الناس. ولأنه المقصود من الخطبة، والمهتم به.
واعلم أن هذه الأربع من الحمد، والصلاة، والقراءة، والموعظة، أركان للخطبتين، لا تصح واحدة من الخطبتين إلا بهن، [إلا أن القراءة لا تجب إلا في خطبة واحدة، ومن الأصحاب من يشترط الإتيان بلفظ الحمد] ، وقد تقدمت الإشارة إلى دليل ذلك، ولأبي محمد احتمال بأنه لا يجب إلا الحمد والموعظة. وظاهر كلام الخرقي أن الموعظة لا تجيء إلا في الثانية، وفي المذهب قويل: أن القراءة لا تجب إلا في خطبة، ومن الأصحاب من يعين الأولى.
848 -
لما روي عن الشعبي أنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس، وقال: «السلام عليكم» ويحمد الله ويثني عليه ويقرأ سورة ثم يجلس» ، ثم يقول: فيخطب، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه. رواه الأثرم. وظاهره أن القراءة في الأولى، والموعظة في الثانية، والأول المذهب (ولا يشترط) الإتيان بلفظ الوصية، بل إذا قال: أطيعوا الله. ونحو ذلك أجزأه، ولهذا قال الخرقي: ووعظ. (ويتشرط) الإتيان بلفظ الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العامة، وعند أبي البركات، يكتفي بنحو: وأن محمدا عبده ورسوله. فالواجب عنده ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم لا لفظ الصلاة، اعتمادا
على ظاهر حديث أبي هريرة في {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4] .
والواجب في القراءة قراءة آية على المشهور، وعنه يكتفى بقراءة بعض آية، وهو ظاهر كلام الخرقي، ونظر أبو البركات إلى المعنى، فاكتفى ببعض آية يحصل المقصود، نحو {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر: 18] ولم يكتف بآية لا تحصله، نحو {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} [العاديات: 1] و {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ} [المدثر: 22] ولا يعبر عن القراءة بغيرها كـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] في الصلاة، نعم من لا يحسنها، ولم يوجد غيره، فهل يبدلها بفضل ذكر، كما في الصلاة، وكما يأتي ببقية الأركان بلغته، أو تسقط عنه القراءة رأسا، لحصول معناها من بقية الأركان؟ فيه احتمالان. ويبدأ بالحمد، ثم بذكر الرسول ثم بالموعظة، ثم بالقراءة، فإن نكس فوجهان (ويشترط) للخطبتين أيضا تقديمهما على الصلاة، اقتداء بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضور العدد المعتبر للجمعة، لسماع أركانهما، لأنهما بدل الركعتين، فإن فات السماع لنوم، أو ضجة، أو غفلة لم يؤثر، وإن فات لبعدهم عنه، أو لخفض صوته أثر، وكان كما لو خطب وحده، وإن فات لصمم بهم وهم بقربه، ووراءه من لا
يسمعه للبعد، ولا صمم به فوجهان، ويشترط لهما أيضا الوقت، لأنهما كبعض الصلاة، ويشترط أيضا الموالاة في الخطبة، وبين الخطبتين، وبينهما وبين الصلاة، على الأصح، بأن لا يفرق بينهما تفريقا فاحشا.
وهل يشترط النطق للخطبة؟ فيه قولان، أصحهما نعم، فلو كانوا كلهم خرسا صلوا ظهرا، والثاني: لا. فيخطب أحدهم بالإشارة. (وهل) يشترط أن يتولاهما من يتولى الصلاة؟ فيه ثلاث روايات: أصحها عند أبي البركات عدم الاشتراط، وأشهرها عند صاحب التلخيص الاشتراط، والثالثة يجوز للعذر كالحدث والحصر والعزل دون غيره فحيث جاز فهل يشترط أن يكون المستخلف ممن شهد الخطبة؟ فيه روايتان أصحهما لا؛ هذا إن كان العدد تاما بدون المستخلف الذي لم يشهد الخطبة، أما إن لم يتم إلا به فإن التجميع لا يجوز لهم بحال.
وهل يشترط لهما الطهارة؟ أما الطهارة الصغرى فلا تشترط، على ما جزم به الأكثرون، القاضي، والشريف، وأبو الخطاب في خلافيهما، والشيرازي، وأبو البركات وغيرهم، وحكى أبو محمد رواية بالاشتراط، وأخذها من قول أبي الخطاب في الهداية: ومن سننهما الطهارة، وأن يتولاهما من يتولى الصلاة، وعنه أن ذلك من شرائطهما، فرجع بالإشارة إلى المسألتين وأما أبو البركات فرجع
بالإشارة إلى الثانية، وجعل الأولى محل وفاق، وهذا أولى، توفيقا بين كلام الأصحاب، إذ لم نر أحدا حكى الخلاف في ذلك إلا صاحب التلخيص، فإن كلامه ظاهر في حكاية قول بالاشتراط. (وأما الطهارة الكبرى) فمنصوص أحمد أيضا في رواية صالح صحة الخطبة مع فقدها، قال: إذا خطب بهم جنبا، ثم اغتسل وصلى بهم، أرجو أن تجزئه. وتبع إطلاق المنصوص الشريف، وأبو الخطاب في خلافيهما، وقيده القاضي في جامعه، وفي تعليقه، وصاحب التلخيص فيه: بأن يكون المنبر خارج المسجد، لأن لبثه فيه معصية تنافي العبادة، وقال صاحب التلخيص، وأبو محمد: لا تصح خطبته مطلقا، بناء على الصحيح في اعتبار الآية للخطبة، ومنع الجنب منها، وقال الشريف: إنه [قياس] قول الخرقي، وكأنه أخذ ذلك من عدم اعتداده بأذان الجنب، وأبو البركات خرج المنع من الصلاة في الدار المغصوبة، حيث حرمت القراءة، أما لو اغتسل ثم قرأ الآية، أو نسي الجنابة، فإن الخطبة تصح، لعدم تحريم القراءة، ولا أثر عنده للبث، لأنه قد يتوضأ فيباح له، وقد ينسى جنابته، وحيث حرم عليه لا أثر له في شيء من واجبات العبادة، فهو كما لو أذن جنبا في المسجد. والله أعلم.
قال: وإن أراد أن يدعو لإنسان دعا.
ش: أي للسلطان ونحوه، لأن صلاحه صلاح المسلمين، ولأن الدعاء للمعين يجوز في الصلاة على الصحيح، فكيف بالخطبة، ولا يستحب ذلك، لما فيه من مخالفة السبب، نعم دعاؤه للمسلمين مستحب.
849 -
لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في خطبة الجمعة مستسقيا. ويستحب رفع اليد في الدعاء عند ابن عقيل، لعموم مطلوبية رفع الأيدي في الدعاء، وهو بدعة عند أبي البركات.
850 -
لما «روى عمارة بن رؤيبة، أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعا يديه، فقال: قبح الله تينك اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بأصبعه المسبحة» ، رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
قال: [ثم تقام الصلاة] وينزل.
ش: كذلك توارثه الخلف، عن السلف، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد بثم هنا الترتيب، وأن الصلاة تتأخر عن الخطبة، وليس المراد التراخي، بل الموالاة شرط كما تقدم، وهل ينزل عند قول المؤذن: قد قامت