الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[وجوب الحذر من تصديق الكهان والعرافين ونحوهم من المخالفين]
وقوله: (ولا نصدق «كاهنا» ولا «عرافا» ولا من يدعي شيئا يخالف «الكتاب» و «السنة» و «إجماع الأمة»).
أي: نحن أهل السنة المتبعون لمنهج السلف الصالح لا نصدق «كاهنا» ولا «عرافا» طاعة لله ورسوله؛ فإن الكهان والعرافين والمنجمين من أكذب الكذابين، قال تعالى:((هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ)) [الشعراء: 221 - 223].
وجاء في السنة التحذير من تصديق الكاهن والعراف، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم» (1).
وعن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أتى عَرَّافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (2).
والعراف والكاهن معناهما متقارب، ومن العلماء من يفرق بين الكاهن والعراف، فيقول: «العراف: هو الذي يدعي معرفة الأمور
(1) رواه أحمد 2/ 429، وصححه الحاكم 1/ 8 والذهبي في الكبائر ص 329، والعراقي في الأمالي على المستدرك ـ كما في فيض القدير 6/ 30 ـ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وله طرق وشواهد كثيرة، انظر: فتح الباري 10/ 217، وإرواء الغليل 7/ 68.
(2)
رواه مسلم (2230).
بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها كالمسروق
…
ومعرفة مكان الضالة» (1). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والعراف قد قيل: إنه اسم عام للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في تقدم المعرفة بهذه الطرق، ولو قيل: إنه في اللغة اسم لبعض هذه الأنواع؛ فسائرها يدخل فيه بطريق العموم المعنوي» (2).
إذًا؛ العراف أعم من الكاهن، فالكاهن عراف، والمنجم عراف، والرمال الذي يضرب بالحصى ويخط بالأرض عراف؛ لأن عراف صيغة مبالغة من المعرفة، فيكون عطف العراف على الكاهن في كلام الطحاوي من عطف العام على الخاص.
فهؤلاء الكذابون لا يجوز سؤالهم مطلقا؛ فإن سؤالهم ينبئ عن الاعتراف بهم، ويجر إلى تصديقهم، وكيف يسألون وهم يدَّعون العلم بمغيبات، والله تعالى قد تفرد بعلم الغيب كما قال تعالى:((قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ)) [النمل: 65].
فالكهانُ والمنجمون والرمَّالون من المفسدين في الأرض، ومن أشرار الخلق الذين يضلون الناس بما يدَّعون، فيجب على ولاة الأمر أن يمنعوهم من إظهار منكرهم، وأن يضربوا على أيديهم عملا بقوله تعالى:((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)) [آل عمران: 104] فلا يجوز إقرارهم، ويجب على المسلمين أن يحذروا من سؤالهم.
والمنجم هو الذي ينظر في النجوم ويستدل باجتماعها وافتراقها وبما يحدث عند طلوعها ويستدل بذلك على ما يحدث في الأرض؛ فمنهم من يفعل ذلك دجلا، ومنهم من يعتقد أن للنجوم تأثيرا فيما يحدث في الأرض من خير وشر، وما يحصل للأفراد من أحوال، فيضلون الناس ويوهمونهم،
(1) قاله البغوي في شرح السنة 12/ 182.
(2)
مجموع الفتاوى 35/ 173.
بما عندهم من قواعد ومصطلحات: أنَّ من يولد في النجم الفلاني يحصل له كذا، من السعْد أوالنحس!
وهذا تخرص وكذب؛ فالنجوم جعلها الله لثلاثة أشياء، كما قال قتادة رحمه الله:«خلق هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها؛ فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به» (1).
والتنجيم ضرب من السحر، كما في حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم:«من اقتبسَ عِلمًا من النجومِ اقتبس شُعْبة من السحر زادَ ما زاد» (2).
وأما الكاهن فهو الذي تخبره الشياطين بالأخبار، سواءً من أخبار الأرض التي يطلعون عليها، أو مما يسترقون من السمع، قال الله تعالى:((وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ)) [الملك: 5] وقال تعالى: ((وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ)) [الحجر: 16 - 18].
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعَانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا {فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا} للذي قال:{الحق وهو العلي الكبير} فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض ـ ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدَّد بين أصابعه ـ فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهابُ قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال:
(1) رواه البخاري 4/ 107 مُعلقًا بصيغة الجزم، والطبري في تفسيره 14/ 193.
(2)
رواه أحمد 1/ 227، وأبو داود (3905)، وابن ماجه (3726)، وصححه النووي في رياض الصالحين (1671)، والعراقي في المغني 4/ 181.
أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا، فَيُصَدَّقُ بتلك الكلمة التي سُمِعَت من السماء» (1).
والمقصود: أن مما يجب على المسلمين الحذر من تصديق هؤلاء ومن إقرارهم على ما يدعونه؛ بل يجب الإنكار عليهم، ومنعهم وكف شرهم، ومنع ذهاب الناس إليهم، وقد كثروا في هذا العصر، لكنهم إنما يكثرون في المواضع التي يغلب فيها الجهل وضعف الدين، فإذا غلب الجهل على الناس وضعف دينهم كثرت الشرور، وراج الباطل على الناس كما هو الواقع.
أما إذا ظهر العلم الشرعي وقوي سلطان الحق؛ اختفت هذه الشرور؛ لأن العلم يكشفها ويفضحها، وسلطان الحق يقمعها.
وقوله: (ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة).
أي: ونحن أهل السنة لا نصدق من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ بل كل من أدعى من يخالف كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يجب الرد والإنكار عليه، وهذا يتناول ما يدعيه المتصوفة من الأحوال والقدرة والكشوف والدعاوى العريضة، كدعوى بعضهم أنه يسعه التدين بغير هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم!
والإيمان بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يستلزم رد كلما خالف ذلك، فلهذا قال الطحاوي:(ولا نصدق كاهنا ولا عرافا، ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة).
(1) رواه البخاري (4800).