الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[إثبات حوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
-]
وقوله: (والحوض الذي أكرمه الله تعالى به ـ غياثًا لأمته ـ حق) تواترت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخبر عن حوضه (1)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار:(إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)(2) وأخبر عن ورود أمته عليه وهو على حوضه، وقال صلى الله عليه وسلم:(إني فَرَطُكم على الحوض ـ أي: سابقكم ـ وإنه سَيَرِدُ عليَّ أقوام من أمتي فيذادون عن حوضي فأقول: (إنهم مني فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقا سحقا لمن غَيَّر بعدي)(3) فيجب الإيمان بما دلت عليه الأخبار من حوضه صلى الله عليه وسلم، وأن طوله شهر وعرضه شهر (4)، وآنيته عدد نجوم السماء، وماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل. (5)
والحوض في عرصات القيامة، قبل دخول الجنة، يرد عليه
(1) قطف الأزهار المتناثرة ص 297، ونظم المتناثر ص 248، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير 19/ 423 - 466 فقد أطال في سرد أحاديث الحوض.
(2)
رواه البخاري (4330)، ومسلم (1061) من حديث أنس رضي الله عنه.
(3)
رواه البخاري (6583 و 6584)، ومسلم (2290 و 2291) من حديث سهل بن سعد وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم.
(4)
رواه البخاري (6579) مسلم (2292) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(5)
رواه البخاري (6579)، ومسلم (2292) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، ومسلم (247) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه و (2300) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، و (2301) من حديث ثوبان رضي الله عنه.
المستمسكون بسنته صلى الله عليه وسلم، فمن شرب منه لم يظمأ بعدها أبدا (1)؛ لأنه يصير إلى الجنة، وعنده أنهارها:((وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى)) [طه: 119] فليس فيها ظمأ ولا جوع؛ لأن كل مطالب النفوس موجودة، ((يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ)) [الزخرف: 71]، {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [محمد: 15] ((تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ)) [الأعراف: 43] في آيات كثيرة.
ومما جاء في أحاديث الحوض أنه: «يشخب فيه ميزابان من الجنة» (2) ميزابان يصبان فيه ـ الله أعلم بقدرهما وصفتهما ـ من نهر الكوثر الذي أعطاه الله وأكرمه به ((إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)) [الكوثر: 1] والمعتمد في تفسيره: أنه نهر في الجنة أكرمه الله به، ففي حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم» . (3)
فيجب الإيمان بما دلت عليه هذه الأخبار، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، ولهذا قال الطحاوي:(والحوض الذي أكرمه الله تعالى به ـ غياثًا لأمته ـ حق).
وورد في حديث رواه الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لكل نبي حوضا)(4)؛ ولكن أعظمها حوض نبينا صلى الله عليه وسلم؛ لأن المؤمنين من أمته صلى الله عليه وسلم
(1) نفس تخريج حديث سهل وأبي سعيد السابق.
(2)
رواه مسلم (2300) عن أبي ذر رضي الله عنه، و (2301) عن ثوبان رضي الله عنه.
(3)
رواه مسلم (400) من حديث أنس رضي الله عنه.
(4)
الترمذي (2443)، وقال: حديث غريب، وقد روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، ولم يذكر فيه عن سمرة، وهو أصح، وانظر: فتح الباري 11/ 467، والسلسلة الصحيحة (1589).
هم أضعاف أضعاف المؤمنين من سائر الأمم، فكثرة أتباعه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به يقتضي أن يكون حوضه أعظم الموارد.
وتكلم بعض العلماء في شأن ترتيب الحوض مع بعض أمور القيامة، هل يكون قبل الميزان أو بعده؟ وهل هو قبل الصراط أو بعده؟
والشارح ابن أبي العز (1) نقل عن القرطبي (2): أنه قبل الميزان، وعلل هذا بأن الناس يبعثون من قبورهم عطاشا، فيقدم قبل الميزان والصراط.
وهذا لا يكفي دليلا، وما الدليل على أن المؤمنين الذين هم أهل الورود يبعثون عطاشا؟!
فهذه المسألة يجب الإمساك عن الكلام فيها، فلا نقول: قبل ولا بعد، فالله أعلم، هذه أمور غيبية، ولا يجزم بشيء منها إلا بحجة وبرهان.
وأما كونه قبل الصراط أو بعد الصراط فهذا فيه تأمل، واستدل من قال: إنه قبل الصراط: بأنه ثبت أنه يَرِد عليه من يذاد عنه ممن استوجب العذاب، وهؤلاء لا يجاوزون الصراط.
واختار ابن القيم: بعد أن حكى القولين أنه لا يمتنع أن يكون قبل الصراط وبعده، فإن طوله شهر وعرضه شهر، فإذا كان بهذا الطول والسعة، فما الذي يحيل امتداده إلى ما وراء الصراط، فيردونه قبل وبعد. (3)
والأمر محتَمل. والله أعلم.
(1) ص 282.
(2)
التذكرة 2/ 702.
(3)
زاد المعاد 3/ 683.