الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الكلام على الروح وبعض متعلقاتها]
وقوله: (أرواح العالمين)
يتعلق بهذه الجملة الكلام في الروح التي بها حياة الناس، وتسمى النفس.
والروحُ موضوعُ حديثٍ طويلٍ للناس، فقد خاض فيه الناس كثيرا بالحق وبالباطل، والناس في شأن الروح وحقيقتها ثلاثة مذاهب:
قوم قالوا: إنها جزء من البدن، أو صفة من صفاته: إما النَفَس الذي تتردد في البدن، ومنهم من قال: إنها الحياة، أو المزاج، أو نفس البدن، وهذه الأقوال منسوبة إلى كثير من المتكلمين.
وقابلهم الفلاسفة فقالوا: إن الروح لا تقوم به أية صفة، فالروح ليست داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عَرَض، وليس لها أية صفة، قال شيخ الإسلام رحمه الله في التدمرية:(يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم، وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود)(1)
فهذان القولان على طرفي نقيض، وكل منهما باطل.
والقول الوسط: إن الروح حقيقة موجودة قائمة بنفسها، ولها وجود مستقل عن البدن، فليست كالعرض الذي لا يقوم إلا بجسم؛ لكنها تتصل بالبدن وتنفصل عنه، وتسري فيه سريانا على وجه التقريب كسريان النار في الفحم، وسريان الدهن في الزيتون، وسريان الماء في العود،
(1) ص 169.
المهم أن لها كيانا يخصها، وهي موصوفة بصفات ثبوتية وسلبية، مثل: أنها تذهب وتجيء، وتُقبض وترسل، وهذا بنص القرآن:((اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى)) [الزمر: 42] وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذكر عند النوم: {باسمك ربِّ وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين} (1)، وهي مغايرة في حقيقتها للأجسام المشهودة.
فهذا هو القول الوسط الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وهذا مذهب أهل السنة: أن الروح شيء موجود متميز، وهي حقيقة قائمة بنفسها، وموصوفة بصفات ثبوتية وسلبية، وهي مغايرة في ماهيتها وحقيقتها للأجسام المشهودة.
ويتعلق بالروح مسائل كثيرة اعتنى بذكرها ابن القيم في كتابه «الروح» ، وفصَّل القول فيها.
منها: الكلام في خلق الروح فقد قيل: إنها قديمة، أي: ليست محدثة، فلا بداية لوجودها، وهذا باطل؛ بل هي محدثة ومخلوقة كسائر المخلوقات، فالإنسان مخلوق: روحه وبدنه. (2)
ومنها: هل تموت الروح أو لا تموت؟ فيه خلاف، والذي رجحه ابن القيم (3)، وهو الصواب: أن موت الأرواح هو مفارقتها لأجسادها؛ فإن أريد هذا القدر فهي ذائقة الموت فـ: ((كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)) [آل عمران: 185] وإن أريد أنها تصير عدمًا بعد فراقها للبدن فلا؛ فالروح باقية؛ إما في نعيم أو عذاب.
ومن المسائل التي طرقها ابن القيم كذلك: الفرق بين النفس
(1) البخاري (6320)، ومسلم (2714) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
الروح ص 226.
(3)
الروح ص 70.
والروح (1)، وبيَّن أن النفس تطلق على معان متعددة، والروح تطلق على معان متعددة، وتتفقان في بعض المواضع، فإذا قيل ـ مثلاـ: خرجت نفسه أو خرجت روحه؛ فالمعنى واحد.
ومنها: هل النفس واحدة أو ثلاث؟ (2)
الصحيح: أنها واحدة؛ لكن ذكرها بلفظ: النفس الأمارة بالسوء، والنفس المطمئنة، والنفس اللوامة إنما هو باعتبار صفاتها، وإلا فهي نفس واحدة.
ومن الناس من يقول: لم الخوض والكلام في الروح مع أن الله تعالى يقول: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)) [الإسراء: 85]؟
والجواب: أن هذه الآية ليس فيها النهي عن الكلام في الروح.
ثم إن الروح في الآية قد اختلف فيه، فقيل: إنه الروح الأمين جبريل عليه السلام.
وقيل: إنه ملك آخر.
وقيل: المراد بالروح الوحي (3).
وإذا كان المراد: الروح التي هي النفس، فإن الله قال:((قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)) [الإسراء: 85] وليس في هذا النهي عن الكلام في الروح، والواجب هو الكلام فيها بعلم، أما الكلام فيها بغير علم؛ فهذا هو المحذور، وفي كل مقام أيضا، أما الكلام في الروح في حدود ما جاء في الكتاب والسنة؛ فهذا حق وبيان لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
والكلام والبحث في الروح له فائدتان:
الأولى: معرفة الحق من الباطل من أقوال الناس.
والثانية: معرفة ما ورد في الكتاب والسنة في شأن الروح.
(1) الروح ص 325.
(2)
الروح ص 330.
(3)
تفسير البغوي 5/ 125، وزاد المسير 5/ 60.
وضرب شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة التدمرية (1) بها المثل لبيان وتقرير أن قيام الصفات بالموصوف لا يلزم منه المشابهة لغيره، ليقرر بذلك أن إثبات صفات الله لا يستلزم معرفة كنهه ولا تشبيهه بخلقه، فالروح مع أنها موصوفة في النصوص بصفات ثبوتية وسلبية؛ فالعقول عاجزة عن تكييفها، وهي عن تكييف الرب أعجز، وهي مباينة للأجسام المشهودة، ومباينة الله لخلقه أعظم، وهو كلام ناصع بيِّنٌ متضمن لإفحام المبطلين المعطلين.
(1) ص 169.