الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[مذهب أهل السنة في إثبات الصفات وسط بين المعطلة والمشبهة]
وقوله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه) الناس في باب الأسماء والصفات ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: المعطلة نفاة الأسماء والصفات: الجهمية ورأسهم الجهم بن صفوان ومن تبعه، والمعتزلة ومن وافقهم.
والطائفة الثانية: المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه.
فهما طائفتان متقابلتان على طرفي نقيض، المعطلة يزعمون أنهم بنفيهم للصفات يقصدون تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات، فأظهروا الباطل بصورة من الحق، فأفرطوا في التنزيه، وتجاوزوا الحدود حتى وقعوا في الإلحاد والضلال البعيد.
والمشبهة أثبتوا لله الصفات لكنهم شبهوه بخلقه، يقول قائلهم: له سمع كسمعنا وبصر كبصرنا، فأفرطوا في الإثبات حتى شبهوا الله بخلقه.
وكلتا الطائفتين زائغتان عن الصراط المستقيم.
والطائفة الثالثة: أهل الصراط المستقيم ـ أهل السنة والجماعة ـ الذين آمنوا بكل ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، فهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، فمذهبهم بريء من التحريف والتعطيل، والتكييف والتمثيل، ولهذا قال نعيم بن حماد رحمه الله ذلك الأثر الجليل: (من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه كفر،
وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه) (1) ليس إثبات الصفات من التشبيه في شيء؛ بل إثبات الصفات هو التوحيد.
وقوله: (ومن لم يتوق) يجتنب ويحذر (من النفي) نفي الأسماء والصفات، وهو التعطيل، (والتشبيه) من لم يجتنب ويحذر هذين المذهبين الباطلين (زل) زلت قدمه عن الصراط المستقيم (ولم يصب التنزيه) يعني: المعطلة زعموا أنهم ينزهون الله، وما نزهوا الله؛ بل تنقصوه تعالى أعظم تنقص، والمشبهة الذين قالوا: إن الله له سمع كسمعنا، هؤلاء وإن كان مذهبهم باطلا؛ فإنهم خير من المعطلة النفاة، ولهذا قال بعض أهل العلم:(إن المعطل يعبد عدما، والمشبه يعبد صنما)(2)؛ لأن نفي الأسماء والصفات يستلزم نفي الذات، فكلهم مبطلون؛ لكن الذي يعبد موجودا أعقل من الذي يعبد معدوما.
وقوله: (فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية).
المصنف رحمه الله يتحرى السجع؛ لأنه يروق للسامع، فهو من جنس الشعر (فإن ربنا موصوف بصفات الوحدانية) هذه الكلمات فيها تنويع في التعبير، وتحسينات لفظية مترادفة تقريبا، والوحدانية نسبة للواحد بزيادة (نون).
وقوله: (منعوت بنعوت الفردانية) نسبة للفرد، (ليس في معناه أحد من البرية) ليس له مِثلٌ من خلقه، فالجمل الثلاث مدلولها واحد، وتتضمن أمرين:
إثبات أنه الواحد.
(1) تقدم في ص 110.
(2)
مجموع الفتاوى5/ 261.
ونفي الشريك والمثيل عنه سبحانه وتعالى؛ فهو الواحد الذي لا نظير له ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوَاً أَحَدٌ)) [الإخلاص: 4].
واسم (الواحد) ثابت في القرآن {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [ص: 65] وهو الأحد ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) [الإخلاص: 1].