الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه خاتم الأنبياء، وسيد المرسلين]
قوله: (وإنه خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين)
أي الذي ختم به الأنبياء فلا نبي بعده، وقد دل على ذلك قوله سبحانه:((ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النّبيّين))، وقال تعالى:((وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل)) فجميع الرسل، والأنبياء قد مضوا قبله، فلا نبي، ولا رسول بعده صلى الله عليه وسلم.
وقد دلت نصوصٌ كثيرة من السنة على أنه صلى الله عليه وسلم لا نبي بعده، فمن أسمائه صلى الله عليه وسلم العاقب وهو الذي جاء بعد الأنبياء، فلا نبي بعده. (1)
وفي حديث ثوبان رضي الله عنه: (إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي)(2)
وهذه قضيةٌ معلومةٌ من دين الإسلام بالضرورة ليس في ذلك اختلاف، ولا خفاء بل هو أمرٌ ظاهر مثل الشمس، ومن شك في أنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فهو كافر، فضلا عن من يدّعي النبوة، أو يُصّدق مدعيها.
إذًا؛ فلا بد في شهادة أن محمدًا رسول الله من الإيمان بأنه خاتم الأنبياء.
(1) تقدم في ص 84.
(2)
رواه أحمد 5/ 278، وأبو داود (4252) والترمذي (2219) وصححه، ونحوه في البخاري (3609)، ومسلم في الفتن (157) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ولا بد من الشهادة أنه صلى الله عليه وسلم رسول إلى جميع الناس، وهذه ـ أيضا ـ من ضرورات الدين، قال تعالى:((قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً)) ((وما أرسلناك إلَّا كافَّةً للنَّاس)) ((تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً)) ((وما أرسلناك إلى رحمةً للعالمين)).
فمن اعتقد أن أحدًا يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر، فضلا عن من ادعى ذلك لنفسه.
ومن اعتقد أن اليهود والنصارى لا يلزمهم اتباع محمدٍ صلى الله عليه وسلم فهو كافر، قال النبي صلى الله عليه وسلم:(والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)(1)، وقال صلى الله عليه وسلم:(لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي)(2)
وعيسى عليه السلام ينزل في آخر الزمان، ويحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم (3).
فشريعة محمد، ودعوة محمد صلى الله عليه وسلم لازمة لجميع البشرية، ولا يسع أحدًا الخروجُ عن شريعته صلى الله عليه وسلم.
قوله: (وإمام الأتقياء)
الأتقياء: جمع تقي، وإمامهم ـ أي ـ مُقدّمَهُم، فجميع المتقين من النبيين فمن دونهم إمامهم مطلقا محمد صلى الله عليه وسلم، لكن يمكن للإنسان أن يكون إماما لجنس من المتقين، ولهذا كان من دعاء عباد الرحمن:((واجعلنا للمتقين إماماً)) [الفرقان: 74] فيمكن أن تقول: اللهم اجعلني إماما للمتقين ـ أي ـ قدوة في الخير، ويقتدي به المتقون.
(1) رواه مسلم (153) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
رواه ابن أبي شيبة 13/ 459، وأحمد 3/ 338 من حديث جابر رضي الله عنه، وانظر: إرواء الغليل 6/ 34.
(3)
رواه مسلم (155) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
قوله: (وسيد المرسلين)
أي: أفضلهم، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:(أنا سيد ولد آدم يوم القيامة)(1).
أي: هو أفضل ذرية آدم من أولهم إلى آخرهم بما فيهم من الأنبياء والمرسلين، ومن الأدلة ـ أيضا ـ أنه يوم القيامة عندما يطلب الناس الشفاعة من آدم، وأولي العزم فيترادّونها حتى ينتهي الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول:(أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع). (2)
وهذا هو المقام المحمود الذي خصّهُ الله به وفضّلهُ به قال تعالى: ((عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا)) [الإسراء: 79](3)
ولا شك أن الأنبياء، والرسل متفاضلون بنص القرآن، فأفضلهم على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم، ويليه إبراهيم، ويليه بقية أولوا العزم، وهم في المشهور عند أهل العلم أنهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وهم المذكورون في قوله تعالى:{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [الأحزاب: 7]، وقوله تعالى:{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} [الشورى: 13] إذًا؛ فأفضل الأنبياء والرسل هم أولوا العزم، وأفضلهم الخليلان، فالله تعالى قد أخبر أنه اتخذ إبراهيم خليلا {وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} [النساء: 125]، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله اتخذه خليلا كما اتخذا إبراهيم خليلا (4)
(1) رواه مسلم (2278) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
رواه البخاري (7510) ومسلم (192) من حديث أنس رضي الله عنه.
(3)
تفسير الطبري 15/ 43.
(4)
سيذكره بلفظه في ص (بعد صفحة).
أما ما جاء من النهي عن التفضيل في قوله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تفضلوا بين أنبياء الله) فهذا محمول عند أهل العلم بالتفضيل على وجه التعّصب الذي يتضمن تنقُّص الآخر، كما يبينه سبب الحديث الصحيح: أن يهوديا عرض سلعة له فأعطي بها شيئا كرهه فقال: لا والذي اصطفى موسى عليه السلام على البشر، فسمعه رجل من الأنصار فلطم وجهه، قال: تقول والذي اصطفى موسى عليه السلام على البشر ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، فذهب اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم إن لي ذمة وعهدا، وقال: فلان لطم وجهي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لم لطمت وجهه» ؟ قال: قال يا رسول الله: والذي اصطفى موسى عليه السلام على البشر، وأنت بين أظهرنا، قال: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف الغضب في وجهه، ثم قال:«لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، قال: ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث فإذا موسى عليه السلام آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أو بعث قبلي» (1).
فالنهي عن التفضيل على سبيل التعّصب، أو الذي يتضمن تنقّص الأنبياء، أما التفضيل لبيان الواقع ولاعتقاد الحق، وإنزال كل منزلته فهذا لا بد منه، فالرسول صلى الله عليه وسلم نوه بفضله؛ لأنه لا يعلم إلا من جهته أو من القرآن، والله تعالى نص على التفاضل بين الأنبياء {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [البقرة: 253]
(1) رواه البخاري (3414)، ومسلم (2373) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.