الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[وجوب السمع والطاعة بالمعروف لولاة الأمر، وتحريم الخروج عليهم]
وقوله: (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة).
(ولا نرى) أي: نحن أهل السنة والجماعة. (الخروج) يعني: بالسلاح والقتال. (أئمتنا وولاة أمرنا) أئمة المسلمين.
(وإن جاروا) وإن كان منهم ظلم على الرعية؛ فالواجب الصبر والمدافعة بالتي هي أحسن.
وهذا أصل عظيم من أصول أهل السنة، وهو النصح لولاة الأمر، وهو محبة الخير لهم والدعاء لهم بالعافية وصلاح الحال والاستقامة، والتوفيق للقيام بحق الله وحقوق رعاياهم، ومن كمال النصح للأمة عدم الخروج عليهم بالسلاح وقتالهم لما يحصل منهم من ظلم أو معصية بحجة إنكار المنكر، أما من يخرج عليهم للمنازعة على السلطة فهذا لون آخر؛ فالذي نعنيه هنا أن أهل السنة والجماعة لا يرون الخروج على الأئمة بسبب ما يقع منهم من ظلم ومنكرات.
والله تعالى قد أمر بطاعة ولاة الأمر في قوله سبحانه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)) [النساء: 59]، وكذلك
الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني)(1)، وقال صلى الله عليه وسلم:(على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة}، (2)، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:{إنما الطاعة في المعروف} (3) وقال صلى الله عليه وسلم: {من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية} . (4)، وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم:(خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قالوا: يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، أَلا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة)(5)، وفي حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال:«بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» . (6) وفي رواية: «وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم» . (7) والأحاديث في الأمر بطاعة ولاة الأمر بالمعروف، والنهي عن الخروج عليهم كثيرة مستفيضة.
وخالف المعتزلةُ أهلَ السنة في هذا الأصل، فالمعتزلة من أصولهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخلون في مفهومه: الخروج على
(1) رواه البخاري (7137)، ومسلم (1835) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
رواه البخاري (7144)، ومسلم (1839) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(3)
رواه البخاري (7145)، ومسلم (1840) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(4)
رواه البخاري (7054)، ومسلم (1849) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(5)
رواه مسلم (1855) من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه.
(6)
رواه البخاري (7056)، ومسلم (1709) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
(7)
رواه البخاري (7200)، ومسلم (1709).
الولاة الظلمة، ويجعلون الخروج عليهم واجبا؛ لأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا مخالف لما دلت عليه النصوص الصحيحة الصريحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومخالف لما عليه أهل السنة والجماعة، وهو مخالف لقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه يقوم على قاعدة احتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، فإنكار المنكر المقصود منه هو إزالة المنكر أو تخفيفه، فإذا كان إنكار المنكر يؤدي إلى منكر أعظم لم يجز الإنكار، ولا شك أن الخروج على الأئمة يؤدي إلى إهلاك الحرث والنسل، وفساد دين الناس ودنياهم، فهذا التشريع هو مقتضى الحكمة، فليس تحريم الخروج على الأئمة رضًا بظلمهم وفجورهم؛ بل درءا لما هو أعظم من ذلك، والواقع شاهد بأن ما جاءت به الشريعة هو الغاية في الحكمة وتحقيق المصالح العادلة.
وقوله: (ولا ندعو عليهم).
الدعاء لهم بالصلاح، هذا موجب النصيحة، قال النبي صلى الله عليه وسلم:(الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)(1) والنصيحة أن تدعو لهم بالصلاح، اللهم أصلحهم، اللهم أصلح بطانتهم، اللهم اهدهم صراطك المستقيم، ادعُ لهم لعل الله يصلح حالهم، لكن جرت عادة الناس أنهم لا يلتزمون بهذا المنهج، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث:«وشرار أئمتكم الذي تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» (2) ليس هذا إقرارا، وإنما هذا من قبيل الإخبار بالواقع، ولم يُسَق على وجه التسويغ والتجويز له، فأهل العلم والإيمان، والصلاح والتجرد عن الهوى وإيثار الدنيا يحبون الخير لإخوانهم المسلمين، ولا سيما ولاة الأمر سواء أعطوهم من الدنيا أم لم يعطوهم، وفي الحديث الصحيح: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم
(1) رواه مسلم (55) من حديث تميم الداري رضي الله عنه.
(2)
تقدم في ص 269.
ولهم عذاب أليم» ـ وذكر منهم ـ: «
…
ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفى وإن لم يعطه منها لم يفِ» (1)، فهو دائر مع الدنيا، وهذا واقع، فأكثر الناس إنما ينكرون على الولاة أمر الدنيا لا أمر الدين، فلا ينقمون تقصيرهم في حقوق الله، إنما نقمتهم الأثرة، ويطلبون منافستهم في الدنيا، ولهذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الأنصار فقال:(إنكم ستلقون بعدي أثرة؛ فاصبروا حتى تلقوني على الحوض). (2)
وقوله صلى الله عليه وسلم: (أثرة): استبداد بالولايات وبالمال. وقوله صلى الله عليه وسلم: (فاصبروا) أي: لا تنازعوا ولاة الأمر من أجل ذلك.
وكثير ما يكون الخروج على الولاة من أجل المنازعة على السلطة باسم الإصلاح الدنيوي أيضا؛ فينتج عنه شر مستطير على الناس، فتسفك الدماء وتنتهك الحرمات، وتذهب الأموال، وينتشر الفساد، خصوصا إذا لم يكن هناك استقرار في الأمر فتعم الفوضى، ويتمكن كل مجرم من بلوغ مرامه، واقتراف إجرامه.
وقوله: (ولا ننزع يدا من طاعتهم).
لا ننزع يدا من طاعتهم؛ بل ندين لله بطاعتهم بالمعروف، عملا بأمر الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة).
نرى طاعتهم بالمعروف واجبة؛ لأنها من طاعة الله؛ فَكُلُ مَن أمر الله بطاعته فطاعتهم من طاعته، فالرسول صلى الله عليه وسلم تجب طاعته مطلقا بلا قيد؛ لأن طاعته طاعة لله مطلقة، ومَن سواه ممن أمر الله بطاعته يطاع لكن بقيد، وهو ألا تكون في معصية، قال النبي صلى الله عليه وسلم:(إنما الطاعة في المعروف)(3). فإذا الإنسان أطاع ولي الأمر بالمعروف إيمانا
(1) رواه البخاري (7212)، ومسلم (108) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
تقدم في ص 152.
(3)
تقدم في ص 269.
واحتسابا أثيب على ذلك، أما إذا أطاعهم خوفا من عقوبتهم، فهذا ليس بمطيع لله؛ لأن هذه ليست طاعة اختيارية تعبدية؛ بل طاعة عَادِيَّة قهرية.