المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[وجوب الإيمان بالقدر بمراتبه الأربع] - شرح العقيدة الطحاوية - البراك

[عبد الرحمن بن ناصر البراك]

فهرس الكتاب

- ‌بسم الله الرحمن الرحيم

- ‌[ترجمة الإمام الطحاوي]

- ‌[ترجمة الشيخ عبد الرحمن البراك]

- ‌[المقدمة]

- ‌[قول أهل السنة في التوحيد]

- ‌[أقسام التوحيد]

- ‌[نفي المثل عن الله تعالى]

- ‌[نفي العجر عن الله تعالى]

- ‌[كلمة التوحيد وما تتضمنه]

- ‌[دوام الرب تعالى أزلا وأبدا]

- ‌[إثبات الإرادة لله تعالى]

- ‌[تنزيه الله تعالى عن الإحاطة به]

- ‌[تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه]

- ‌[إثبات الحياة والقيومية لله تعالى]

- ‌[تنزيه الله تعالى عن الحاجة والخوف والمشقة]

- ‌[إثبات الكمال المطلق لله تعالى أزلا وأبدا]

- ‌[صفات الله نوعان: ذاتية وفعلية]

- ‌[وصف الله تعالى بالخالق والبارئ قبل خلقه للخلق]

- ‌[إثبات كمال قدرته وغناه تعالى، وفقر خلقه إليه]

- ‌[إثبات صفاته تعالى، ونفي مماثلته للمخلوقات]

- ‌[إثبات علم الله تعالى، وتقديره الأقدار، وضربه الآجال]

- ‌[وجوب الإيمان بالشرع والقدر]

- ‌[إثبات عموم مشيئة الله تعالى]

- ‌[إثبات الحكمة لله تعالى في أفعاله]

- ‌[تنزيه الله تعالى أن يكون ضد أو ند]

- ‌[نفاذ قضائه وحكمه تعالى]

- ‌[وجوب اعتقاد أن محمدا عبد الله ورسوله، وذكر ما تثبت به النبوة]

- ‌[من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه خاتم الأنبياء، وسيد المرسلين]

- ‌[إثبات الخلة له صلى الله عليه وسلم كإبراهيم عليه السلام]

- ‌[حكم دعوى النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌[عموم بعثته صلى الله عليه وسلم للجن والأنس]

- ‌[فضل رسالته، وكمال شريعته صلى الله عليه وسلم

- ‌[عقيدة أهل السنة في القرآن، والرد على المخالفين]

- ‌[إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة]

- ‌[وجوب التصديق بخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وحمله على مراده]

- ‌[وجوب التسليم لحكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتقديمه على الآراء]

- ‌[سوء عاقبة من لم يسلم لخبر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم

- ‌[مذهب أهل السنة في إثبات الصفات وسط بين المعطلة والمشبهة]

- ‌[الواجب في الألفاظ المحدثة في صفاته تعالى]

- ‌[مذهب أهل السنة والجماعة في الإسراء والمعراج]

- ‌[إثبات حوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌[إثبات شفاعته صلى الله عليه وسلم لأمته، وذكر الشفاعة الخاصة به]

- ‌[إثبات الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم]

- ‌[وجوب الإيمان بالقدر بمراتبه الأربع]

- ‌[عجز الخلق عن معرفة حِكَمِ وأسرار القدر]

- ‌[البحث في أسرار القدر سبب للضلال]

- ‌[وجوب التمسك بالكتاب والسنة، وترك الخوض فيما طوي عنا علمه]

- ‌[الإيمان باللوح والقلم]

- ‌[إثبات العرش والكرسي، وغناه تعالى عن كل شيء]

- ‌[إثبات صفة الإحاطة والفوقية لله تعالى]

- ‌[عجز الخلق عن الإحاطة بالله تعالى]

- ‌[إثبات صفة الخلة والتكليم لله تعالى]

- ‌[وجوب الإيمان بالملائكة والأنبياء والكتب]

- ‌[تسمية أهل القبلة بالمسلمين]

- ‌[أهل السنة لا يتكلمون في الله ودينه وكتابه بغير علم]

- ‌[أهل السنة لا يكفرون بكل ذنب]

- ‌[تأثير الذنوب على الإيمان]

- ‌[الرجاء للمحسنين، والخوف على المسيئين]

- ‌[مذهب أهل السنة وسط بين الوعيدية والمرجئة]

- ‌[ما يخرج به المسلم من الإيمان]

- ‌[مذاهب الفِرَقِ في مسمى الإيمان]

- ‌[وجوب الإيمان والعمل بكل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌[زيادة الإيمان ونقصانه]

- ‌[ولاية الله وبم تكون

- ‌[الإيمان بالأصول الخمسة، وتفصيل الإيمان باليوم الآخر]

- ‌[الإيمان بالقدر خيره وشره]

- ‌[حكم أهل الكبائر في الآخرة]

- ‌[مذهب أهل السنة في الصلاة خلف المسلمين، وعلى موتاهم]

- ‌[لا يشهد لمعين من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا بحجة]

- ‌[عصمة دماء المسلمين]

- ‌[وجوب السمع والطاعة بالمعروف لولاة الأمر، وتحريم الخروج عليهم]

- ‌[وجوب إتباع الكتاب والسنة وتجنب الشذوذ والفرقة]

- ‌[حب أهل العدل وبغض أهل الجور]

- ‌[تفويض العلم فيما خفي على العبد إلى الله]

- ‌[من مذهب أهل السنة المسح على الخفين]

- ‌[الحج والجهاد مع الأئمة برهم وفاجرهم]

- ‌[الإيمان بالكرام الكاتبين]

- ‌[الإيمان بملك الموت وأعوانه]

- ‌[الكلام على الروح وبعض متعلقاتها]

- ‌[وجوب الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه]

- ‌[الإيمان بالبعث والجزاء]

- ‌[الإيمان بالعرض والحساب، والصراط والميزان]

- ‌[خلق الجنة والنار وبقاؤهما]

- ‌[الرعد: 35]، وقال تعالى: ((إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ)) [ص: 54]، وقال تعالى: ((عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)) [هود: 108]، وقال تعالى: ((يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)) [التوبة: 21 - 22]

- ‌[سبق القدر فيمن يصير إلى الجنة، ومن يصير إلى النار]

- ‌[كل شيء بقدر]

- ‌[أنواع الاستطاعة]

- ‌[خلق الله لأفعل العباد]

- ‌[كل ما يجري في الكون بمشيئة الله]

- ‌[انتفاع الأموات بعمل الأحياء]

- ‌[إجابة الله لدعاء عباده]

- ‌[إثبات الغضب والرضا لله تعالى]

- ‌[منهج أهل السنة في الصحابة]

- ‌[الأحق بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[العشرة المبشرون بالجنة]

- ‌[منهج أهل السنة في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته]

- ‌[احترام علماء الأمة من السلف ومن اقتفى أثرهم]

- ‌[مرتبة الولاية دون النبوة]

- ‌[منهج أهل السنة في كرامات الأولياء]

- ‌[أشراط الساعة الكبرى]

- ‌[وجوب الحذر من تصديق الكهان والعرافين ونحوهم من المخالفين]

- ‌[من منهج أهل السنة لزوم الجماعة والحذر من الفرقة]

- ‌[وسطية دين الإسلام]

- ‌[براءة أهل السنة من المذاهب المبتدعة]

الفصل: ‌[وجوب الإيمان بالقدر بمراتبه الأربع]

[وجوب الإيمان بالقدر بمراتبه الأربع]

وقوله: (وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يُزاد في ذلك العدد، ولا يُنقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسر لما خلق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله).

الأصل السادس من أصول الإيمان: الإيمان بالقدر، والإيمان بالقدر يشمل أربعة أصول، وهي التي تسمى مراتب الإيمان بالقدر:

الإيمان بعلم الله السابق: وهو الإيمان بأن الله علم بعلمه القديم كل ما يكون، فعَلِمَ العباد وأعمالهم وأحوالهم وطاعاتهم ومعاصيهم بعلمه القديم الأزلي الذي لم يحدث بعد أن لم يكن؛ فإنه تعالى لم يزل عالما بما سيكون.

المرتبة الثانية: الإيمان بكتابة المقادير: وهو الإيمان بأن الله قدر مقادير الخلق، وكتب ذلك على وفق ما علم قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عند مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض)(1)، والآيات الدالة على هاتين المرتبتين كثيرة منها: قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70] وقوله:

(1) تقدم في ص 71.

ص: 162

{وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [فاطر: 11]

المرتبة الثالثة: الإيمان بعموم مشيئة الله: وهو أنه لا خروج لشيء عن مشيئة الله، فكل ما يجري في الوجود فهو بمشيئة الله، فكل حركة وسكون، وكل تغير بوجود أو عدم أو زيادة أو نقص على أي وجه كل ذلك بمشيئة الله، قال تعالى:{فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [البروج: 16] وقوله: {وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاء} [إبراهيم: 27]، وقوله:{وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ} [الإنسان: 30].

والمرتبة الرابعة: الإيمان بعموم خلقه، ومعناه: أن الله خالق كل شيء، فكل موجود فهو مخلوق لله، قال تعالى:((اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)) [الزمر: 62]، ((ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)) [الأنعام: 102].

هذه أربع مراتب لا بد أن تكون مستقرة في ذهن المسلم، والمؤلف ذكر عبارات كثيرة تتعلق بتقرير الإيمان بالقدر في حدود هذه المراتب المذكورة؛ لكنه نوَّع العبارات وذكر جزئيات وتفصيلات، وفرق الكلام في القدر، فقد تقدم (1) قوله:(خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقدارا، وضرب لهم آجالا، ولم يَخْفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم) وذكر المشيئة (2) وأن (كل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم)، وهنا ذكر أيضا بعض التفصيلات في إطار مراتب القدر المتقدمة، فقال:(وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه)؛ لأنه إذا زاد أو نقص لزم منه تغير علم الله، وأن الله لم يعلم ما سيكون، لا، بل قد فُرغ من الأمر، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار). (3)

(1) ص 68.

(2)

ص 77.

(3)

رواه البخاري (1362)، ومسلم (2647) من حديث علي رضي الله عنه.

ص: 163

وهذا المعنى الذي ذكره مستمد من النصوص، قال تعالى:((إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) [الأنفال: 75]، وقال تعالى:((إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)) [التوبة: 28]، فوَصْفه تعالى بالعلم التام يقتضي أنه سبحانه يعلم ما سيكون تماما من كل الوجوه، يعلم من يدخل الجنة وعددهم ومنازلهم ومراتبهم بعلم مفصل، وليس علما إجماليا.

وقوله: (فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه).

بل العدة قد انقضت، فعدة البشر قد سبق علم الله وكتابه بها من آدم إلى آخر من يخلقه الله من هذا الجنس البشري.

وقوله: (وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه).

وكذلك علم أفعالهم: طاعاتهم ومعاصيهم وما ليس بطاعة ولا معصية، قد أحصاه ((وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدَاً)) [الجن: 28].

وقوله: (وكل ميسر لما خلق له).

لما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه (ما من نفس إلا وقد علم مكانها من الجنة ومكانها من النار، قال رجل: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال: اعملوا فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة، فييسرون لعمل أهل الشقاوة)(1) وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: (أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا؛ بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها)(2) ومعنى ذلك أن الله تعالى يجري الأمور على ما وفق ما سبق به علمه وكتابه، فيُيسير للعبد طريقه ويجعله مهيئا سالكا وهو يسلكه باختياره ومشيئتِه، ولكن مشيئتُه واختياره محكومان بمشيئة الرب

(1) تقدم في ص 163.

(2)

رواه مسلم (2650) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.

ص: 164

كما قال تعالى: ((وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)) [التكوير: 29]، فإذا أطاع العبد ربه فبتوفيقٍ وتيسيرٍ منه تعالى لعبده، وإذا فعل العبد المعصية فبعدم ذلك التوفيق، وعدمُ هذا التوفيق هو تيسيرٌ لذلك العمل.

وهناك سؤال يجري على ألسن بعض الناس يقولون: الإنسان مسير أم مخير؟

وهذا من الألفاظ التي لم ترد في النصوص فلا بد فيها من التفصيل، فمن أراد أنه (مخير) بمعنى أنه له مشيئة واختيار؛ فنعم، وإن أراد أنه مخير أنه يتصرف بمحض مشيئته خارجا عن مشيئة الله وقدرته فهذا باطل، فلا خروج لأحد عن قدرة الله ومشيئته، وكذلك (مسير)؛ فإن أراد بميسر أنه في جميع أموره يتحرك بتدبير الله وتقديره ومشيئته فنعم، وإن أراد أنه مسير لا اختيار له ولا مشيئة؛ بل هو مجبور؛ فهذا باطل.

وقوله: (والأعمال بالخواتيم).

أي: أن المعتبر في مصير العبد هو ما يختم له به، فقد يعيش الإنسان عمرا طويلا وهو في أعمال الكفر والضلال والعصيان، ثم يدركه ما سبق به الكتاب، فيؤمن ويموت، فيختم له بالإيمان والعمل الصالح كحادثة سحرة فرعون أمضوا حياتهم كلها في عبادة فرعون، وعمل السحر، ولما رأوا الآيات أشرق الإيمان في قلوبهم ((فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ)) [الشعراء: 46 - 48] وقوله تعالى: حكاية عن قول فرعون لهم: ((وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابَاً وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ)) [طه: 71 - 72] تحولوا من الكفر الذي هو من أغلظ الكفر إلى هذه المرتبة من الإيمان، فصاروا إلى كرامة الله فختم لهم بذلك العمل، وشواهد هذا كثيرة.

ص: 165

وكم من كافر يسلم ثم ينضم إلى صف المسلمين فيقاتِل ويُقتَل ولم يعمل قبلها شيئا؛ لكنه آمن بالله ورسوله إيمانا صادقا، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد)(1) وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه في الصحيحين: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. قال: فوالله الذي لا إله غيره، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)(2) فالعبرة بالخواتيم، ماذا ينفع من كان دأبه الإحسان إذا تحول وتغير وانقلب من الإحسان إلى العدوان فبعد أن كان محسنا مصلحا صار ظالما مفسدا، فمن كان مؤمنا مدة طويلة، ثم صار كافرا، فكفره يحبط ما قبله.

ولهذا من أهم ما يجب أن يهتم به المسلم أمر الخاتمة، فيسأل ربه الثبات أولا؛ لأن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، ومن دعائه النبي صلى الله عليه وسلم:(يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)(3) وهذا يتضمن سؤال حسن الخاتمة، والله تعالى يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ

(1) رواه البخاري (2826)، ومسلم (1890) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)

في ص 72.

(3)

رواه أحمد 3/ 112، والبخاري في الأدب المفرد (684)، والترمذي (2140) ـ وقال: حسن ـ وصححه الحاكم 1/ 526 والضياء في المختارة 6/ 211 من حديث أنس رضي الله عنه وروي من حديث غيره من الصحابة.

ص: 166

إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) [آل عمران: 102] أي: استقيموا على الإسلام حتى يأتيكم الموت وأنتم على ذلك، ((وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)) [الحجر: 99] ومن دعاء الصالحين: سؤال الوفاة على الإسلام كما قال السحرة: ((رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرَاً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ)) [الأعراف: 126]، ويوسف عليه السلام يقول:((تَوَفَّنِي مُسْلِمَاً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)) [يوسف: 101] وهذا كله من سؤال الله حسن الخاتمة.

وقوله: (والسعيد من سَعِد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله).

السعيد هو الذي يفوز بمطلوبه ومحبوبه، وينجو من مرهوبه ومكروهه، وهو من يظفر بالكرامة ويفوز بالنعيم المقيم، والشقي ضده، وهو الذي يفوته المطلوب والمحبوب، ويبوء بالمكروه والمرهوب، هو الذي يصير إلى عذاب الله الأليم المهين قال تعالى:((فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَاّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَاّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ)) [هود: 105 - 108].

فالسعادة والشقاوة مقضيان ومُقَدَّران، وفي الحديث الذي تقدم ذكره (1):(أن الملك يؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد) وهذا لا يعني أن الإنسان يصير شقيًا بدون أسباب الشقاوة، ويصير سعيدًا بدون أسباب السعادة، لا؛ بل للشقاوة أسباب، وللسعادة أسباب، فالسعادة سببها توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، وطاعته وطاعة رسله، هذه أسس السعادة؛ إيمان وتقوى، وعمل صالح، ولا تكون السعادة بدون ذلك أبدًا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:(إنه لن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة)(2) فالسعادة موقوفة على أسبابها والشقاوة موقوفة

(1) تقدم تخريجه في ص 72.

(2)

رواه أحمد 1/ 79، والترمذي (3092) ـ وقال: حسن صحيح ـ، والحاكم 4/ 178وصححه.

ص: 167

على أسبابها، فالشقاوة سببها الكفر والعصيان والشرك والظلم والفسق والعدوان، فلا يدخل النار أحد إلا بالأسباب الموجبة لدخولها، ولا يدخل الجنة أحد إلا بالأسباب المقتضية لدخولها، والكل قد سبق به علم الله وقضاؤه وكتابه، فلا بد من استحضار هذه الحقائق، فالشقاوة لا تكون بلا سبب، فمن سبق قضاء الله في شقاوته فلا بد أن تقوم به أسباب الشقوة، ومن سبق قضاء الله بسعادته؛ فلا بد أن تقوم به أسباب السعادة.

ومقام الكلام في القدر من المقامات العظيمة التي تموج فيها الأفكار والأقوال موجا؛ ولكن المعتصَم الذي به النجاة من الزلل في هذه المسالك، وهذه المتاهات التي ضل فيها أكثر الخلق هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا أشكل عليك أمر ولم تدركه بعقلك الناقص القاصر؛ فاعتصم بالله وبكتابه، وحسبك.

وهذا الأصل العظيم مع ما يذكر فيه من تفاصيل بعض المسائل يقوم على المراتب الأربعة المتقدمة، ولا بد مع الإيمان بالقدر من الإيمان بالشرع والإيمان بحكمة الرب، فهذه ثلاثة أصول لا بد من التحقق بها، الإيمان بالقدر بمراتبه الأربع، والإيمان بشرع الله كما تقدم أن المؤلف ذكر الأصلين: الإيمان بالشرع والقدر بعدما ذكر بعض الجوانب في القدر قال: (ولم يخفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته)(1).

(1) ص 74.

ص: 168