الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[وسطية دين الإسلام]
وقوله: (ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام، قال الله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام}، وقال تعالى: {ورضيت لكم الإسلام دينا}. وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس).
حقيقة دين الإسلام: عبادة الله وحده لا شريك له، وطاعته سبحانه وتعالى، وهذه الحقيقة يدين بها أهل السماوات من ملائكة الله، وهي: دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، فدين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم هو الإسلام، يدل لذلك قوله تعالى:{إن الدين عند الله الإسلام} أي: الدين المرضيّ، المعتبر في حكمه سبحانه وتعالى هو الإسلام، ويوضح ذلك قوله تعالى:{ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه} ، وهذه ليست خاصة بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؛ بل هذا عام في الأولين والآخرين؛ من ابتغى غير دين الإسلام فلن يقبل منه.
وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم * وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} . وقوله صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لِعَلَّات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد» (1).
فنوح عليه السلام جاء بالإسلام؛ لأنه جاء يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وذكر الله عنه أنه قال لقومه:{ألا تعبدوا إلا الله}
(1) رواه البخاري (3443)، ومسلم (2365) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[هود: 26]، {أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} [نوح: 3]، {وأمرت أن أكون من المسلمين} [يونس: 72]، وهكذا من جاء بعده من الرسل، كإبراهيم ويعقوب قال الله تعالى عن إبراهيم:{إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين * ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ، ويوسف عليه السلام قال:{توفني مسلما} ، وموسى عليه السلام قال:{يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} ، والسحرة لما آمنوا {قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين} ، وهكذا الحواريون أتباع المسيح {قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} .
فالإسلام دين الله، لكن يجب أن يعلم أنه بعد أن بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم صار الإسلام هو ما جاء به، وكل من لم يؤمن بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ويلتزم بمتابعته؛ فليس على الإسلام مهما تدين، حتى ولو لم يشرك.
فاليهود، والنصارى وإن انتسبوا إلى الأنبياء، وإلى التوراة، والإنجيل، فليسو بمسلمين؛ لأنهم جمعوا بين أنواع من الكفر، والشرك؛ وانضاف إلى ذلك كفرهم برسالة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فالنصارى يقوم دينهم الباطل على الشرك، قال تعالى:{لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار * لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} .
واليهود كفروا بما ارتكبوا من العظائم؛ كتحريف كتب الله، والتلاعب بدينه، وقتل الأنبياء، وقد ذكر الله بعض قبائحهم، قال تعالى:{فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا * وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما} . الآيات.
ولهذا جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده
لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (1).
ومن يقول: إن اليهود والنصارى على دين صحيح؛ فإنه كافر؛ لأن ذلك يناقض ما وصفهم الله به، وأخبر عنهم، وهذه قضية ينبغي التنبه لها؛ لأنه قد اشتهر في هذا العصر الدعوة إلى وحدة الأديان، واعتقاد أن اليهود والنصارى والمسلمين كلهم على دين صحيح!
ودين الإسلام توسط واعتدال، بين الغلو والتقصير. والغلو: مجاوزة الحد. والتقصير: هو نقص فيما يجب القيام به. فهذان مدخلان للشيطان على الإنسان، فالشيطان؛ إما أن يحمل الإنسان على الغلو في الدين؛ فيقع في التجاوز؛ فيبتدع في الدين ما لم يأذن به الله.
أو يحمله على التقصير بترك واجب، أو فعل محرم.
والواجب الوقوف عند حدود الله، قال تعالى:{تلك حدود الله فلا تعتدوها} أي: بالتجاوز وهو الغلو.
وقال سبحانه: {تلك حدود الله فلا تقربوها} وهي: المحرمات؛ فقربانها تقصير، وقد يجتمع في الشخص الغلو والإفراط في جانب والتفريط والتقصير في جانب آخر؛ فيجمع بين الغلو والتقصير.
وهذا كثير في الأفراد والطوائف، قال تعالى:{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلَاّ الْحَقِّ} [النساء: 171]، وقال سبحانه وتعالى:{يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} فتحريم الحلال من الابتداع والتنطع والغلو في الدين، {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} وهذا تقصير.
وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على الذين أرادوا أن يتبتلوا، وأن ينقطعوا للعبادة حين: «سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام
(1) تقدم تخريجه في ص 92.
على فراش! فحمد الله وأثنى عليه، فقال: ما بال أقوام قالوا: كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (1).
والغلو يجري في مسائل الدين كلها: الاعتقادية والعملية.
وقوله: (بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس) عطفُ هذه المتقابلات من قبيل عطف الخاص على العام؛ فإن التشبيه والتعطيل يندرجان في الغلو والتقصير؛ فالتشبيه غلو في إثبات الصفات، فالمشبهة يقول أحدهم: لله سمع كسمعي، وبصر كبصري، ويد كيدي! فيشبه الله بخلقه، ويشبه صفاته بصفات خلقه.
ويقابل التشبيه التعطيل، والتعطيل نفي الصفات، ونفيها تقصير فيما يجب إثباته لله تعالى؛ فإنه تعالى أوجب على عباده الإيمان بما أخبر به عن نفسه من أسمائه وصفاته، قال تعالى:(فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير).
والتشبيه والتعطيل كلاهما يتضمن الغلو والتقصير؛ فالتشبيه غلو في الإثبات وتقصير في التنزيه، والتعطيل غلو في التنزيه، وتقصير في الإثبات، فالمعطلة غلوا في التنزيه حتى نفوا صفات الرب تعالى زاعمين أنهم قالوا ذلك تنزيها لله عن مشابهة المخلوقات، فجمعوا بين التعطيل والتشبيه وبين الإفراط والتفريط.
وأهل السنة وسط في باب أسماء الله وصفاته بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة، ومذهبهم هو دين الإسلام في هذا الباب.
وقوله: (وبين الجبر والقدر)
الجبر هو مذهب الجهمية، ومن وافقهم، وحقيقته: أن العبد ـ
(1) رواه البخاري (745)، ومسلم (1401) ـ واللفظ له ـ من أنس رضي الله عنه.
عندهم ـ مجبور على أفعاله، وأنه يتصرف بغير مشيئة ولا اختيار ولا قدرة؛ كحركة الريش في مهب الريح، وحركة المرتعش، وحركة الأشجار.
ويقابله القول بالقدر، وهو مذهب المعتزلة القدرية، ويسمون: القدرية، كما أن الجبرية يقال لهم: قدرية أيضا، لكن هذا الاسم أشهر في القدرية النفاة الذين ينفون عموم مشيئة الله، وعموم خلقه؛ فيخرجون أفعال العباد عن أن تكون مخلوقة لله وواقعة بمشيئته وقدرته.
والجبرية يسلبون العبد فاعليته وقدرته ومشيئته، والقدرية النفاة يقولون: إن العبد هو الذي يخلق فعله بمحض قدرته ومشيئته، ولا أثر ولا تأثير لمشيئة الله في أفعالهم.
فالجبرية غلو في إثبات القدر وإثبات فاعلية الله، وقصروا في إثبات فعل العبد وفاعليته واختياره حيث سلبوا العبد قدرته ومشيئته واختياره وفاعليته.
والقدرية غلو في إثبات فاعلية العبد حتى قالوا: إنه هو الذي يخلق فعله بمحض مشيئته وقدرته، وقصروا في إثبات ربوبيته تعالى حيث نفوا تعلق مشيئة الله وقدرته وخلقه بأفعال العباد، فأخرجوا كل أفعال العباد من أقوال وحركات سواء كانت محمودة أو مذمومة عن مشيئة الله وخلقه وقدرته وملكه!
وقد تقدم ذكر بعض شبهات هذين المذهبين ومناقشتهما والرد عليهما، وهذه الكلمات جاءت أخيرا في كلام الطحاوي كالتلخيص لبعض ما تقدم (1).
والقول بالجبر مغالطة وإنكار، وهنا بهذه المناسبة يسأل بعض الناس ويقول: هل الإنسان مخير أو مسير؟ فنقول: لا يصح إطلاق أحد الكلمتين؛ لأن كلا منهما يحتمل حقا وباطلا؛ فإن أردت أن الإنسان
(1) في مواضع ص 77 و 325 و 329.
مخير، أي: له اختيار ومشيئة؛ فيقوم ويقعد ويتكلم بمشيئة، فهذا حق.
وإن أردت أنه مخير، أي: أن له مشيئة وقدرة لا ترتبط بمشيئة الله، فهذا باطل، قال تعالى:(وما تشاءون إلا أن يشاء الله) أو أراد أن له الحرية المطلقة في أفعاله؛ فهو مخير بين الفعل والترك، كما يفهمه بعض الغالطين من قوله تعالى:(وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) فإن هذا ليس تخييرا؛ بل هذا أسلوب تهديد ووعيد شديد، ولذا قال تعالى بعدها:(إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها).
وهكذا قول القائل هل العبد مسير؟ نقول: إذا كنت تريد أنه مسير، أي: أنه لا اختيار له ولا مشيئة فهذا باطل، وهذا هو الجبر. وإن أردت أنه مسير، أي: أن أفعاله تسير على وفق قدر الله ومشيئته، وأنه ميسر لما خلق له، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:«اعملوا فكل ميسر» (1). فهذا حق.
والخلاصة: أن الكلمتين لم تردا في النصوص ولا يصح إطلاقهما نفيا ولا إثباتا لما فيهما من احتمال الحق والباطل (2).
وقوله: (وبين الأمن والإياس).
دين الإسلام وسط في باب الوعد والوعيد، بين الأمن والإياس، والله قد وصف عباده وأولياءه بالخوف والرجاء، قال تعالى:{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] وقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 57]، وقال تعالى:{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [السجدة: 16] فالوسطية ما دلت عليه هذه
(1) تقدم تخريجه في ص 163.
(2)
انظر ص 165.
الآيات، فلا أمن ولا إياس، والأمن واليأس من كبائر الذنوب، قال سبحانه وتعالى:{وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَاّ الضَّآلُّونَ} [الحجر: 56] وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] وقال سبحانه وتعالى: {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99]
فالأمن هو سبيل المرجئة الغلاة، والإياس سبيل الوعيدية الذين يُقَنِّطُون مرتكب الكبيرة من دخول الجنة فيقولون: بوجوب إنفاذ الوعيد، وأنه لا يجوز أن يغفر الله لأهل الكبائر؛ بل لا بد أن يعذبهم، وإذا دخلوا النار فلن يخرجوا منها، وهذا يتضمن تيئيس الموحدين من أهل الكبائر.
فدين الله (بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس) وهو صراط مستقيم لا اعوجاج فيه، أما سائر الطرق والسبل؛ فإنها منحرفة إلى الطرف، قال تعالى:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].
ومذهب أهل السنة والجماعة وسط في كل مسائل الدين.