الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[منهج أهل السنة في الصحابة]
وقوله (ونحبُ أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ولا نُفْرِطُ في حب أحد منهم، ولا نتبرأُ من أحد منهم، ونبغِضُ من يبغِضُهم، وبغيرِ الخيرِ يذكرُهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبُهم دينٌ وإيمان وإحسان، وبغضُهم كفرٌ ونفاق وطغيان).
نحن أهل السنة نحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابي هو:«من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به، ومات على الإسلام» (1)، هذا هو أحسن ما ضبط به الصحابي. وعلى هذا فالصحابة متفاوتون في صحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وأعظمهم حظا من هذه الصحبة هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو الذي جاء النص في القرآن على صحبته ((إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)) [التوبة: 40].
وهذا الحب للصحابة هو ثمرة الإيمان بفضلهم، وأنهم خير الناس، وقد جاءت النصوص من الكتاب والسنة في الدالة على فضلهم، يقول الله تعالى عنهم:((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة: 100]، وقال سبحانه وتعالى:((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)) [الأنفال: 72] إلى قوله: ((أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [الأنفال: 74]، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: ((لَقَدْ
(1) نخبة الفكر ص 148، والإصابة 1/ 158، وفتح المغيث 4/ 8.
رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)) [الفتح: 18]، وقال تعالى:((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا)) [الفتح: 29] إلى آخر السورة، ومن السنة ما جاء في الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم:(خير الناس قرني ثم الذين يلونهم)(1) وفي الحديث الآخر: (خيرُ أمتي القرن الذي بُعِثتُ فيه)(2) وهم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال صلى الله عليه وسلم:(لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)(3).
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)(4) ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في أهل بيعة الرضوان: (لا يدخلُ النارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة)(5) وجاءت نصوص تدل على فضلِ أعيان منهم؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وبقية العشرة المبشرين بالجنة، والحسن والحسين، وثابت بن قيس بن شمَّاس (6)، وعكاشة بن محصن (7)، وغيرهم.
فالأدلة على فضلهم منها ما هو عام في جنس الصحابة، ومنها ما هو أخص من ذلك، ومن الأدلة على فضلهم وتفاضلهم قوله سبحانه وتعالى:((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا)) [الحديد: 10]، والمراد بالفتح: صلح الحديبية الذي عقده
(1) رواه البخاري (2652)، ومسلم (2533) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(2)
رواه مسلم (2534) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
رواه البخاري (3673) ـ واللفظ له ـ، ومسلم (2541) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(4)
رواه البخاري (3007)، ومسلم (2494) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(5)
تقدم في ص 219.
(6)
تقدم في ص 219، تخريج الأحاديث الدالة على فضلهم.
(7)
رواه البخاري (5752)، ومسلم (220) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
الرسول صلى الله عليه وسلم مع المشركين بمكة في السنة السادسة من الهجرة، سماه الله فتحا؛ لأن هذا الصلح صارت عاقبته خيرا للإسلام وأهله (1).
وفيها تصريح بنفي التساوي، ((لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ)) ثم تصريح بالتفوق والفضل، ((أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا)) وهم من أسلم بعد صلح الحديبية، والذين أسلموا بعد الصلح وقبل فتح مكة أفضل ممن أسلم يوم فتح مكة، وهم المعروفون بالطلقاء.
وأحسن ما قيل في بيان المراد بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، الذين ذكرهم بقوله تعالى:((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ)) [التوبة: 100]: إنهم الذين أنفقوا وقاتلوا قبل صلح الحديبية، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم؛ وصلح الحديبية حد فاصل بين مرحلتين، ونوعين من المسلمين (2).
وقيل: المراد بالسابقين هم من صلى إلى القبلتين (3)، وهذا قول ضعيف؛ لأنه لا دليل على تخصيص من صلى إلى القبلتين، ثم كل من صلى إلى القبلة المشروعة فقد أطاع الله، لكن من قال ذلك لاحظ أنَّ من صلى إلى القبلتين لابد أن يكون متقدم الإسلام.
ولكن هذا يخرج من مات قبل نسخ القبلة الأولى، وهو من السابقين قطعا، ويخرج من أسلم بعد نسخ استقبال بيت المقدس، ونسخ الاستقبال كان في السنة الثانية، فإنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما هاجر «صلى إلى بيتِ المقدسِ ستةَ عشر أو سبعةَ عشر شهرا» (4). فهذا لا يصلح ضابطا للسبق.
وقد اختلف الناس في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ثلاث طوائف
(1) تفسير الطبري 22/ 393.
(2)
نسب شيخ الإسلام هذا القول إلى جمهور العلماء. منهاج السنة 2/ 26.
(3)
تفسير الطبري 11/ 638.
(4)
رواه البخاري (4486)، ومسلم (525) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما.
طرفان ووسط، فغلا فيهم أو في بعضهم قوم، وجفا فيهم آخرون، وتوسط فيهم أهل السنة والجماعة، فأهل السنة وسط في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرافضة والخوارج؛ فالخوارج والنواصب مع الروافض على طرفي نقيض، فالروافض يبغضون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسبونهم ويخصون أبا بكر وعمر بمزيد من السب، ويغلظون فيه، فيبغضون الصحابة عموما، ولا يستثنون منهم إلا القليل، وفي المقابل يغلون في أهل البيت، ولاسيما في علي وذريته من فاطمة رضي الله عنهم، فمن الروافض من يكفر الصحابة، ومنهم من يفسقهم، فجمعوا بين ضلالتين: ظلاله العداوة والبغضاء لجمهور الصحابة، وظلاله التعصب والغلو في آل البيت.
وأما الخوارج فضلالهم في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم حيث كفروا عليًا وعثمان وأصحاب الجمل وأهل التحكيم، فنصبوا العداوة لأفضلَ أهلِ بيتِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم عليِّ رضي الله عنه، وكذلك من تبعهم من النواصب الذين يؤذون أهل البيت ويسبونهم بدوافع سياسية.
وأهل السنة والجماعة بين ذلك يحبون أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتولونهم جميعا، وينزلونهم منازلهم، ويعرفون لكل فضله عموما وخصوصا، ويتبرؤون من ضلالة الروافض، والخوارج، والنواصب.
فأهل السنة والجماعة وسط بين الفرق في جميع مسائل الدين، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية، فقال: «هم الوسط في فِرَق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم.
فهم وسط في باب صفات الله سبحانه وتعالى، بين أهل التعطيل الجهمية، وبين أهل التمثيل المشبهة.
وهم وسط في باب أفعال الله بين القدرية، والجبرية.
وفي باب وعيد الله بين المرجئة وبين الوعيدية: من القدرية وغيرهم.
وفي باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية.
وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الروافض وبين الخوارج» (1).
والطحاوي رحمه الله أتى بالعبارات المتضمنة لمعتقد ومنهج أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال:(ونحبُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم) وحب الصحابة رضي الله عنهم، هو من الحب في الله، والحب في الله واجب لكل المسلمين؛ فكل من آمن بالله ورسوله تجب محبته على قدر ما يعرف به من الإيمان والتقوى والعمل الصالح، وأحق الناس من ذلك الواجب هم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لما خصهم الله به من فضيلة صحبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم التي لا يشركهم فيها أحد ممن جاء بعدهم.
وقوله: (ولا نُفْرِطُ في حب أحد منهم)
الإفراط: الغلو وتجاوز الحد، والواجبُ الاعتدال والتوسط، بعدم الإفراط والتفريط، فكل انحراف؛ فإنه يعود إلى أحد الأمرين: إما انحراف بإفراط وتجاوز وغلو، أو تفريط وتقصير وجفاء، وكلهما انحراف عن الصراط، والحق ما وافق الصراط المستقيم.
وقوله: (ولا نتبرأُ من أحد منهم)
ولا نتبرأ من أحد منهم كما تفعل الروافض أو الخوارج؛ بل نواليهم جميعا، وعند الرافضة مقولة:«لا ولاء إلا ببراء» فلا يكون الإنسان عندهم مواليا لأهل بيت الرسول إلا إذا تبرأ من أبي بكر وعمر، فعندهم أن من والى أبا بكر وعمر؛ فقد أبغض عليا، ومن أبغض عليا فهو ناصبي.
نعم من أبغض عليا فهو ناصبي هذا صحيح، لكن زعمهم: أن من والى أبا بكر وعمر فقد أبغض عليا هذا عين الباطل؛ بل أهل السنة
(1) ص 177.
يوالون الصحابة عموما، ويعرفون لهم فضلهم، وينزلونهم منازلهم، فلا يتبرؤون من أحد منهم.
والتبري يتضمن: التخلي عنهم، وكراهتهم ومعاداتهم.
وقوله: (ونبغِضُ من يبغِضُهم).
هذا تأكيد لقوله: (نحب أصحاب رسول الله، ولا نفرط في حب أحد منهم)، فلا نُفْرِط في حب أحد منهم خلافا للرافضة، ولا نبغض أحدا منهم خلافا للخوارج والروافض والنواصب؛ بل لا بد أن نبغض من يبغضهم، فيجب بغض الرافضة والخوارج لضلالاتهم وبدعهم وبغضهم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (وبغير الخير يذكرهم)
كما تفعل الرافضة؛ فإنهم يذكرون الصحابةَ بالسبِ والذم واللعن والتنقص وأنواع الطعن، وكما تفعل الخوراج بتكفيرهم.
لكن أشقى الناس في هذا هم الرافضة، فهم شر طوائف الأمة على الإطلاق، فجمعوا إلى أصولهم الكفرية البدعية بعض أصول الطوائف الأخرى، فدخل عليهم مذهب الاعتزال فصاروا رافضة ومعتزلة في آن واحد، وهم الأصل في نشوء الغلو في القبور في هذه الأمة، فهم أصحاب بناء المشاهد والقباب على القبور على معظميهم ممن يعدونهم في أئمتهم أو في عظمائهم، فدينهم يقوم على الشرك، والغلو.
وقوله: (ولا نذكرهم إلا بخير).
فنذكرهم بصحبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم، وفضائلهم، وأعمالهم الصالحة، كالهجرة، والنصرة، ويدخل في ذلك الكف عن مساويهم، وما وقع بينهم مما هو من لوازم البشرية، سواء كان اختلافا جماعيا كما حصل في عهد علي رضي الله عنه، أو كان خلافا فرديا، كالذي حدث بين خالد بن الوليد رضي الله عنه وبين عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فقد كان بينهم شيء؛ فسبَّ خالدٌ
عبدَ الرحمن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخالد:(لا تسبوا أصحابي)(1) يريد النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف، وأمثاله من السابقين الأولين، وخالد بن الوليد ممن أسلم بعد الفتح، أي: صلح الحديبية.
فمن منهج أهل السنة والجماعة الإمساك عما جرى بين الصحابة، فلا يجعلونهم موضع كلام وقيل وقال، فإن هذا يوغر الصدور، ويسبب سوء ظن بالصحابة رضي الله عنهم، واقرأ العبارات الحكيمة الدقيقة لشيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية في قوله:«ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم، وألسنتهم لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ـ إلى أن قال: ـ ويمسكون عمَّا شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها: ما هو كذب، ومنها: ما قد زيد فيه ونقص وغُيِّرَ عن وجهه، والصحيح منه: هم فيه معذورن؛ إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون. وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره؛ بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنهم خير القرون» (1)، «وإن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم» (1). ثم إذا كان قد صدر عن أحدهم ذنب، فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذين هم أحق الناس بشفاعته، أو ابْتُلي ببلاء في الدنيا كُفِّر به عنه؛ فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين؛ فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا، فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور لهم» (2) وهذا رصين جدير بالحفظ.
(1) تقدم في ص 357.
(2)
ص 259 و 372 - 273.
وقوله: (وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان).
هذا تأكيد لما قاله أولا، فحب الصحابة من الدين، قال النبي صلى الله عليه وسلم «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» (1)، فإذا كان هذا في الأنصار فالمهاجرون من باب أولى؛ لأنهم في جملتهم أفضل من الأنصار.
فإذا كان الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، ومن أسباب ذوق طعم الإيمان وحلاوته، فمن أفضل وأكمل وأعظم ذلك هو حب الصحابة رضي الله عنهم.
وقوله: (حب الصحابة دين وإيمان) يَرِدُ على ما تقدم (2) من تفسيره للإيمان؛ لأن الحب عمل قلبي، فمن قال: الإيمان هو: تصديق القلب وإقرار اللسان، أو قال: هو تصديق القلب، أو قال: هو المعرفة، فموجب قوله: أن أعمال القلوب فضلا عن أعمال الجوارح لا تدخل في مسمى الإيمان، فهذا الكلام يعارض تعريفه للإيمان؛ إلا أن تكون هذه العبارة على وجه المجاز؛ فإن المرجئة يقولون: إطلاق اسم الإيمان على الأعمال كما في النصوص المصرحة بذلك من باب المجاز، كقوله صلى الله عليه وسلم:(الإيمان بضع وستون شعبة)(3) وعلى كل حال فما قاله الطحاوي في شأن الصحابة كلام حق عظيم رصين، بيَّن فيه مذهب أهل السنة والجماعة في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم اعتقادا وعملا.
(1) رواه البخاري (17)، ومسلم (74) عن أنس رضي الله عنه.
(2)
ص 227.
(3)
تقدم في ص 227.