الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[حكم أهل الكبائر في الآخرة]
وقوله: (وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون).
أصحاب الكبائر من المسلمين وهم الذين ارتكبوا بعض الذنوب الكبيرة، والذنوب فيها: كبائر وصغائر، على الصحيح، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، قال سبحانه وتعالى:((إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ)) [النساء: 31] وقال سبحانه وتعالى: ((الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ)) [النجم: 32] واللمم هي: الصغائر، كالنظرة المحرمة، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:(إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه)). (1)
ومن قال: إن الذنوب كلها كبائر باعتبار أنه لا يستهان بشيء منها؛ إن أراد هذا المعنى فهو حق، ولو كانت مما يعد من الصغائر، أما إن أراد أن الذنوب كلها كبائر فليس بصحيح.
وقد اختلف الناس في حد الكبيرة اختلافا كثيرا، وذكر ابن القيم في «الجواب الكافي» ، (2) وفي «مدارج السالكين» (3) أكثر أو جميع أقوال الناس في ضابط الكبيرة، وضعف كثيرا منها. (4)
(1) رواه البخاري (6243)، ومسلم (2657).
(2)
ص 144.
(3)
1/ 321.
(4)
وكذا شيخ الإسلام في الفتاوى 11/ 656، وانظر: فتح الباري 10/ 409.
والذين عرفوا الكبيرة منهم من عرفها بالحد، ومنهم من عرفها بالعد، فقالوا: الكبائر سبع، أو تسع، أو سبعون.
وأحسنُ حدٍ للكبيرة أنها: «كل ذنب رُتِّب عليه حد في الدنيا، أو تُوُعِد فاعله بلعن أو غضب أو نار، أو نُفي الإيمان عن صاحبه، أو تبرأ منه النبي صلى الله عليه وسلم» .
ومثال ما رتب عليه الحد في الدنيا: السرقة، قال تعالى:((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا)) [المائدة: 38].
ومثال ما لعن فاعله: قذف المحصنة، قال تعالى:((إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) [النور: 23].
ومثال ما تُوُعِد فاعله بالغضب: التولي يوم الزحف، قال تعالى:((وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَاّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ)) [الأنفال: 16]
ومثال ما تُوُعِد فاعله بالنار: أكل مال اليتيم، قال تعالى:((إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)) [النساء: 10]
ومثال ما نُفي عن صاحبه الإيمان: الزاني، كقول النبي صلى الله عليه وسلم:(لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)(1)
ومثال ما تبرأ منه النبي صلى الله عليه وسلم، قوله صلى الله عليه وسلم:(مَن غشَّ فليس مني)(2) وقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية). (3)
والكبائر نفسها متفاوتة، ليست على حد سواء، بل بعضها أكبر من
(1) رواه البخاري (2475)، ومسلم (57) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
رواه مسلم (102) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
رواه البخاري (1297)، ومسلم (103) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
بعض، حتى تنتهي الذنوب إلى أكبر الكبائر، وهو الشرك، ومن الأدلة على هذا: حديث أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثا): الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت). (1)
وبهذا يتبين أن النهي المجرد يدل على التحريم؛ فإن ورد فيه تغليظ فهو كبيرة.
فأما الذنوب الصغيرة فمثل ما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق (2)، ومثل سرقة الشيء الحقير الذي لا قطع فيه، ومثل كذبة الأم على طفلها إذا قالت: تعال أعطيك كذا، ثم لا تعطيه.
فهذه الصغائر جاء في الأحاديث الصحيحة أنها تكفر بالأعمال الصالحة وباجتناب الكبائر، كما في قوله تعالى:((إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلَاً كَرِيمَاً)) [النساء: 31] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)(3)
وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما اجتنبت الكبائر) قيل: إن هذا شرط في تكفير الصغائر، فلا تكفر الصغائر إلا بشرط اجتناب الكبائر، ومنهم من قال: إنها تكفر ما بينها إلا الكبائر. (4)
أما الكبائر فإنها لا تغفر إلا بالتوبة النصوح، أو بالحدود المقدرة؛ فإن الحدود كفارات لأهلها، أو برجحان الحسنات، فقد يكون للعبد حسنات عظيمة ترجح بما عليه من سيئات.
هذا ما يتعلق بالكبائر.
(1) رواه البخاري (2654)، ومسلم (87).
(2)
ص 252.
(3)
رواه مسلم (233) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
فتح الباري لابن رجب 4/ 223، وفتح الباري لابن حجر 2/ 12 و 372 و 8/ 357.
أما مرتكب الكبيرة فله حكم في الدنيا وحكم في الآخرة، فحكمه في الدنيا تقدمت الإشارة إليه (1)، وأن مرتكب الذنوب التي دون الشرك لا يكفر بذلك خلافا للخوارج؛ بل ولا يخرج من الإيمان خلافا للمعتزلة؛ بل هو مؤمن ناقص الإيمان.
أما حكمه في الآخرة فأهل السنة والجماعة يقولون: إنه تحت مشيئة الله إن شاء غفر له ولم يدخله النار، وإن شاء عذبه ثم أخرجه من النار برحمته وبشفاعة الشافعين من أهل الطاعات.
وقوله: (وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم)(2)
هذا القيد قد يكون له مفهوم، وأن حكم أهل الكبائر مختص بأمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ وأهل الكبائر من الأمم الماضية ليس عندنا في حكمهم دليل، إنما النصوص الصريحة جاءت في شأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال:(لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة ـ إن شاء الله ـ من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا)(3) وكذلك أحاديث الشفاعة المصرحة بأنه صلى الله عليه وسلم يشفع أربع مرات وفي كل مرة: (يسجد صلى الله عليه وسلم لربه ويدعو ويستشفع فيقال له: ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، ثم أشفع: فيَحُدُّ لي حدًا فأخرجهم من النار)(4) وهذا ما عناه الطحاوي بقوله: (وأهل الكبائر
…
في النار لا يخلدون) (في النار) متعلق بـ (يخلدون) أي: وأهل الكبائر لا يخلدون في النار إذا دخلوها، وليس مقصوده أنهم لا بد لهم من دخول النار ولكنهم لا يخلدون فيها.
وقوله: (إذا ماتوا وهم موحدون، وإن كانوا غيرَ تائبين)
(1) ص 214 وما بعدها.
(2)
قوله: «من أمة محمد صلى الله عليه وسلم» رأيت مخطوطتين ليست فيها هذه الجملة، كذا ذكر ابن أبي العز ص 525: أنها ليست في بعض النسخ.
(3)
تقدم في ص 155.
(4)
تقدم في ص 156.
هذا قيد لا بد منه، وهذا هو محل الخلاف بين طوائف المسلمين، أما التائب فقد اتفقوا أن من تاب تاب الله عليه، لكن الخلاف في من مات مصرا على ذنبه لم يتب منه، فهذا هو المُعَرَّضُ للوعيد؛ أما من تاب توبة نصوحا مستوفية للشروط إقلاعا وندما وعزما؛ فإنه مغفور له، وليس هو من أهل الوعيد.
والطحاوي هنا بيَّن مذهب أهل السنة والجماعة في حكم أهل الكبائر في الآخرة: أنهم مستحقون للوعيد؛ ولكنهم تحت مشيئة الله، إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم، ومن عذبه منهم فلا بد أن يخرجه من النار؛ لأنه لا يخلد أحد من أهل التوحيد، إذ (من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال خردلة، أو شعيرة، أو بُرَّة أو ذرة من إيمان) لابد أن يخرج من النار، كما تقدم في أحاديث الشفاعة. (1)
أما الخوارج والمعتزلة فقد اتفقوا على حكم مرتكب الكبيرة في الآخرة، وهو: أنه لابد من دخول النار، وعندهم أن من دخل النار؛ فإنه لا يخرجون منها.
وقوله: (بعد أن لقوا الله عارفين) أي: مؤمنين بربهم الإيمان الصحيح، وعلق الشارح ابن أبي العز على قوله:(عارفين) بأنه: «لو قال: (مؤمنين) لكن أولى؛ لأن من عرف الله ولم يؤمن به فهو كافر، ثم قال: وكأنه يريد المعرفة التامة المستلزمة للاهتداء التي يشير إليها أهل الطريقة، وحاشا أولئك أن يكونوا من أهل الكبائر؛ بل هم سادة الناس وخاصتهم» . (2)
لأن أهل الكبائر ليسوا من أهل العلم التام بالله سبحانه وتعالى، وإنما يريد مطلق المعرفة، إذا ماتوا بعد أن لقوا الله عارفين موحدين.
(1) ص 156.
(2)
ص 527.
قوله: (وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر عز وجل في كتابه: ((وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء: 48]، وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته).
أي: في الآخرة هم في مشيئة الله وحكمه، يحكم فيهم بما شاء، وهو الحكيم العدل الجواد المتفضل سبحانه وتعالى، وإذا كانوا تحت مشيئة الله فالأمر محتمَل؛ فإما أن يغفر الله لهم ويدخلهم الجنة بلا عذاب، وإما أن يعذبهم بالنار حسبما تقتضيه حكمته ومشيئته، ثم يخرجهم منها برحمته وبشفاعة الشافعين من أهل الطاعات، والدليل على هذا قوله تعالى:((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء: 48] ودلت هذه الآية على أن الذنوب قسمان:
قسم لا يُغفر، وهو الشرك الأكبر، ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)) [النساء: 48] خص الشرك بأنه لا يغفر. وقسم دون الشرك ((وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء: 48] وقيَّد غفرانه بالمشيئة.
ويشكل على ظاهر هذه الآية قوله تعالى: ((قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعَاً)) [الزمر: 53] فيها الإطلاق والتعميم، فعم حيث قال:((جَمِيعَاً))، وأطلق حيث لم تقيد هذه المغفرة بالمشيئة.
فالتعارض بين الآيتين ظاهر، في آية الزمر عم وأطلق، وفي آية النساء خص وقيد.
والجمع بين الآيتين: أن آية النساء في شأن من لم يتب، وآية الزمر في التائب، فمن تاب تاب الله عليه، ومغفرة الذنوب بالتوبة جاءت مطلقة غير مقيدة، فلا نقيدها، ولا نقول: إن من تاب تاب الله عليه إذا شاء، فمن تاب توبة نصوحا تاب الله عليه، وعدا لا يخلف ((إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمَاً حَكِيمَاً)) [النساء: 17]، فمن لم يتب إن كان ذنبه
الشرك؛ فإنه لا يغفر الله له، وإن كانت ذنوبه دون ذلك فإنها تحت المشيئة، هذا من لم يتب، أما من تاب فيتوب الله عليه مهما كانت ذنوبه كِبَرا وكثرة، كما في قصة الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، ثم كمل المائة، ثم تاب توبة نصوحا؛ فقبل الله منه وغفر له. (1)
فهذا هو الدليل على هذا التفصيل، وأن من مات من أهل الكبائر من غير توبة؛ فإنه تحت مشيئة الله إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه.
والذين يخرجهم الله سبحانه من النار منهم من يخرجه بشفاعة الشافعين، وأعظم الناس حظا من أهل الشفاعة هو نبينا صلى الله عليه وسلم، فالله يخرج بشفاعته من النار ما لا يخرجه بشفاعة غيره من الملائكة والنبيين والصالحين؛ فإن الملائكة يشفعون، والأنبياء يشفعون، والمؤمنون يشفعون، ويخرج سبحانه من شاء من النار بمحض رحمته لا بسببٍ من جهة بعض العباد، ومرد الأمر كله إلى الله، فالله هو الذي يأذن للشافع بالشفاعة، وهو الذي يقبلها منه، فمرد الأمر كله إليه. (2)
وقوله: (ثم يبعثهم إلى جنته).
بعدما يخرجهم من النار يبعثهم إلى الجنة، كما في الحديث: «وأنهم يخرجون من النار وقد صاروا حُمَمًا، فَيُلْقَون في نهر بأفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فَيَنْبُتُون كما تنبت الحِبَّة في حميل السيل
…
فيدخلون الجنة» (3)، بفضله سبحانه وتعالى.
وقوله: (وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته).
هذا تعليل لقوله ـ في أهل الكبائرـ: (وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله
…
وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته) ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى
(1) رواه البخاري (3470)، ومسلم (2766) وسيأتي بلفظه في ص 287.
(2)
انظر: ص 156.
(3)
تقدم في ص 156.
الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ)) [محمد: 11] فالله ولي المؤمنين، وكل عبد مؤمن له حظ ونصيب من ولاية الله سبحانه بقدر ما معه من إيمان وعمل صالح، قال تعالى:((أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)) [يونس: 62 - 63].
والمعرفة هنا كالمعرفة في قوله السابق (1)، (عارفين) أي: مطلق المعرفة ومطلق الإيمان، لا المعرفة التامة التي هي كمال العلم بالله.
وقوله: (ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته).
الله سبحانه تولى أهل معرفته ولم يجعلهم في الدنيا والآخرة كأهل نكرته، فالفاسق في الدنيا أخ للمؤمنين، فقوله تعالى:((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) [الحجرات: 10] يشملُ جميعَ المؤمنين صالحهم وفاسقهم، وقال تعالى في شأن القاتل:((فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ)) [البقرة: 178] فجعل القاتل أخا للمقتول، فالفاسق لا يجعله كالكفار المنكرين له، أوالمشركين به.
وقوله: (الذين خابوا من هدايته) هم الكفار والمشركون، فليس لهم حظ أبدا من الهداية.
وقوله: (ولم ينالوا من ولايته).
عبارة المؤلف دقيقة، فلم يقل:(ولم ينالوا ولايته)، فيشعر بالكمال؛ بل قال:(ولم ينالوا من ولايته) فما نالوا حظا، وهذا منطبق على الكفار.
وقوله: (اللهم يا ولي الإسلام وأهله، ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به).
ختم الكلام في حكم أهل الكبائر في الآخرة، وأنهم تحت مشيئة الله، وأن الله ميزهم فلم يجعلهم كالكفار الذين هم أهل النار،
(1) ص 256.
بقوله: (اللهم يا ولي الإسلام وأهله، ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به) وهذا يتضمن سؤال الله حسن الخاتمة، والثبات على الإسلام، قال الله تعالى:((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) [آل عمران: 102] يعني: استقيموا على الإسلام حتى يأتيكم الموت وأنتم على ذلك، وهكذا ينبغي للمسلم أن يسأل ربه الثبات على الإسلام، والاستقامة عليه حتى الممات؛ فإن الأعمال بالخواتيم، ومن دعاء الأنبياء والصالحين: سؤال الثبات والوفاة على الإسلام كما قال يوسف عليه السلام: ((تَوَفَّنِي مُسْلِمَاً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)) [يوسف: 101]، وقال السحرة بعد التوبة:((أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرَاً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ)) [الأعراف: 126]، وذكر الشارح ابن أبي العز أن بعضهم:«استدل بهاتين الآيتين على جواز تمني الموت، ولا دليل له فيه؛ فإن الدعاء إنما هو بالموت على الإسلام، لا بمطلق الموت، ولا بالموت الآن» (1) بل هو من سؤال الله حسن الخاتمة، والوفاة على الإسلام ((تَوَفَّنِي مُسْلِمَاً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)) [يوسف: 101]، أما تمني الموت فلا يجوز لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه بقوله:«لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي» . (2)
(1) ص 529.
(2)
رواه البخاري (6351)، ومسلم (2680) من حديث أنس رضي الله عنه.