الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
آخَرَ غَيْرِ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ. قَالَ: وَكَانَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَرَى الْخَبَرَ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا، مَعَ تَرَدُّدِ الشَّيْخِ، وَلَكِنْ كَانَ يَرَى إذَا قَطَعَ الشَّيْخُ بِالرَّدِّ أَنَّ ذَاكَ يَمْنَعُ قَبُولُ رِوَايَتِهِ. قَالَ إلْكِيَا: وَمَنْ لَمْ يَسْلُكْ الطَّرِيقَ الَّذِي سَلَكْنَاهُ لَا يَعْدَمُ مِنْ التَّعَرُّضِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ كَلَامًا مُخَيِّلًا، فَإِنَّ قَطْعَ النَّافِي قَدْ لَا يُعَارِضُ قَطْعَ الْمُثْبِتِ، فَمِنْ الْمُمْكِنِ أَنَّهُ رَوَاهُ، ثُمَّ نَسِيَ، وَظَهَرَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ.
تَنْبِيهَاتٌ. الْأَوَّلُ: يَجُوزُ لِلرَّاوِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ الْأَصْلِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا. قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ. الثَّانِي: هَذَا كُلُّهُ فِي أَنَّ الْغَيْرَ: هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَهُ؛ لِأَنَّهُ الطَّرِيقُ لَهُ؟ وَقَدْ تَمَسَّك الشَّافِعِيُّ بِرِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيِّ، مَعَ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ: لَا أَدْرِي.
[الشَّيْخُ نَفْسُهُ إذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ هَلْ لَهُ أَنْ يَتَّبِعَ رِوَايَتَهُ وَيَرْوِيَهُ]
أَمَّا الشَّيْخُ نَفْسُهُ إذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ، هَلْ لَهُ أَنْ يَتَّبِعَ رِوَايَتَهُ وَيَرْوِيَهُ؟ كَمَا يَقُولُ سُهَيْلٌ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي. قَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ فِي كِتَابِ " نَقْضِ مُفْرَدَاتِ أَحْمَدَ ": هَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ، يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: تُتْبَعُ رِوَايَتُهُ تَشَوُّفًا إلَى الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ، وَحَكَى بَعْضُ شُرَّاحِ " اللُّمَعِ " مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَنَّ صَاحِبَ " الْأَمْثَالِ " حَكَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَرْوِيَهُ إلَّا الَّذِي نَسِيَهُ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فِي حَقِّهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ الرَّاوِي عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ فَرْعٌ لَهُ وَتَابِعٌ لَهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ الْفَرْعُ أَصْلًا، وَالتَّابِعُ مَتْبُوعًا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ. قَالَ: وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " الْمُلَخَّصِ ": صَنَّفَ الدَّارَقُطْنِيُّ جُزْءًا فِيمَنْ رَوَى عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ، يَعْنِي بَعْدَ نِسْيَانِهِ. قُلْت: وَكَذَلِكَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ
وَذَكَرَ مَا أَهْمَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، أَمَّا عَمَلُهُ بِهِ، فَحَكَى الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ اعْتَلُّوا بِأَنَّ الرَّاوِيَ إذَا نَسِيَ الْخَبَرَ حَرُمَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ بِمُوجَبِهِ، فَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ. قَالَ الْبَاجِيُّ: يُقَالُ لَهُمْ: مَنْ سَلَّمَ لَكُمْ هَذَا؟ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ، إذَا أَخْبَرَهُ الْعَدْلُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ رَوَاهُ. الثَّالِثُ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي إنْكَارِ لَفْظِ الْحَدِيثِ بِالْجُمْلَةِ، فَأَمَّا فِي اللَّفْظَةِ الزَّائِدَةِ فِيهِ إذَا قَالَ رَاوِيهِ: لَا أَحْفَظُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ، أَوْ لَمْ أُحَدِّثْك بِهَا، فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ "، وَجَعَلَهُ أَصْلًا مَقِيسًا عَلَيْهِ أَصْلُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ: إنَّهُ يَقْدَحُ فِي الْحَدِيثِ. قَالَ: وَكَذَا نِسْيَانُ الْإِعْرَابِ. وَكَلَامُ ابْنِ فُورَكٍ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْخِلَافِ بِالْوَاحِدِ. فَأَمَّا الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ إذَا نَسَبُوا ذَلِكَ كَانَ قَادِحًا قَطْعًا؛ لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ.
الرَّابِعُ: مَحَلُّ الْخِلَافِ أَيْضًا فِيمَا إذَا لَمْ يَجْزِمْ الْأَصْلُ بِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْفَرْعُ. فَإِنْ كَانَ الْفَرْعُ غَيْرَ جَازِمٍ بِأَنْ كَانَ شَاكًّا فِيهِ " غَيْرَ ظَانٍّ لَهُ، لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ، وَإِنْ حَذَفَهُ الشَّيْخُ لِفَقْدِ شَرْطِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ شَرْطَهَا الْجَزْمُ بِهَا أَوْ الظَّنُّ، فَإِنْ كَانَ ظَانًّا، وَالْأَصْلُ شَاكٌّ فِيهِ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: فَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ. وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ ظَانًّا عَدَمَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ. قَالَ: فَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ الْقَبُولِ. قَالَ: وَالضَّابِطُ فِيهِ أَنَّهُ مَهْمَا كَانَ قَوْلُ الْأَصْلِ مُعَادِلًا لِقَوْلِ الْفَرْعِ، فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ الِاتِّفَاقِ، وَمَهْمَا كَانَ الْفَرْعُ رَاجِحًا عَلَى قَوْلِ الْأَصْلِ، فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ الْخِلَافِ. وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: وَيُتَّجَهُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ فِي كُلِّ هَذِهِ الْأَقْسَامِ مَقْبُولًا؛ لِأَنَّ الْفَرْعَ لَمْ يُوجَدْ فِي مُقَابَلَتِهِ مَنْ يُعَارِضُهُ، فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الِاسْتِدْلَال.