الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلَّا الْكَبَائِرَ، وَهَذَا يُسَاعِدُهُ مُطْلَقُ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِالتَّكْفِيرِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْمُرَادَ بِالْكَبَائِرِ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ الْكُفْرُ كَمَا قَالَ ابْنُ فُورَكٍ، فَنَحْمِلُ الْحَدِيثَ عَلَيْهَا، وَتَسْقُطُ الدَّلَالَةُ بِهَا لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَالثَّانِي: الْإِصْرَارُ بِالْفِعْلِ، وَيَحْتَاجُ إلَى ضَابِطٍ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: لَمْ أَظْفَرْ فِيهِ بِمَا يُثْلِجُ الصُّدُورَ، وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِالْمُدَاوَمَةِ، وَحِينَئِذٍ هَلْ تُعْتَبَرُ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ الصَّغَائِرِ أَمْ الْإِكْثَارِ مِنْ الصَّغَائِرِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ أَوْ أَنْوَاعٍ؟ وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ عَنْهُ وَجْهَانِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيُوَافِقُ الثَّانِي قَوْلَ الْجُمْهُورِ: مَنْ تَغْلِبُ مَعَاصِيهِ طَاعَتَهُ كَأَنْ يُزَوِّرَ الشَّهَادَةَ. قَالَ: وَإِذَا قُلْنَا بِهِ لَمْ يَضُرَّهُ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ الصَّغَائِرِ إذَا غَلَبَتْ الطَّاعَاتُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ تَضُرُّهُ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ مُدَاوَمَةَ النَّوْعِ تَضُرُّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَلِأَنَّهُ فِي ضِمْنِ حِكَايَتِهِ قَالَ: إنَّ الْإِكْثَارَ مِنْ النَّوْعِ الْوَاحِدِ كَالْإِكْثَارِ مِنْ الْأَنْوَاعِ، وَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ مَعَهُ التَّفْصِيلُ. نَعَمْ، يَظْهَرُ أَثَرُهَا فِيمَا إذَا أَتَى بِأَنْوَاعٍ مِنْ الصَّغَائِرِ، فَإِنْ قُلْنَا: بِالْأَوَّلِ لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي ضَرَّ.
[خَبَرِ الْفَاسِقِ]
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ مَسَائِلُ. أَحَدُهَا: عَدَمُ قَبُولِ خَبَرِ الْفَاسِقِ. وَالْفِسْقُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ حَيْثُ الْأَفْعَالُ، فَلَا خِلَافَ فِي رَدِّهِ. الثَّانِي: مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ كَالْمُبْتَدِعَةِ، وَفِيهِ خِلَافٌ. وَحَكَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى رَدِّ خَبَرِ الْفَاسِقِ. قَالَ: إنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ، عِنْدَ جَمِيعِهِمْ، وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ
وَإِنْ بَاحُوا بِقَبُولِ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ، فَلَمْ يَبُوحُوا بِقَبُولِ رِوَايَتِهِ، فَإِنْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ فَهُوَ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَلِلْمُقْدِمِ عَلَى الْفِسْقِ أَحْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَعْلَمَ حُرْمَةَ مَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى رَدِّهِ، كَذَا قَالَ فِي " الْمَحْصُولِ " وَغَيْرِهِ، وَيُتَّجَهُ تَقْيِيدُهُ بِالْمَقْطُوعِ بِكَوْنِهِ فِسْقًا، أَمَّا الْمَظْنُونُ فَيُشْبِهُ تَخْرِيجَ خِلَافٍ فِيهِ، إذْ حَكَوْا وَجْهًا فِيمَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ وَهُوَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُرَدُّ، وَالرِّوَايَةُ مُلْحَقَةٌ بِالشَّهَادَةِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْعَدَالَةِ.
الثَّانِي: أَنْ يَقْدُمَ عَلَى الْفِسْقِ مُعْتَقِدًا جَوَازَهُ لِشُبْهَةٍ أَوْ تَقْلِيدٍ فَأَقْوَالٌ: ثَالِثُهَا: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَظْنُونِ وَالْمَقْطُوعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمَظْنُونَاتِ: أَقْبَلُ شَهَادَةَ الْحَنَفِيِّ إذَا شَرِبَ النَّبِيذَ وَأَحُدُّهُ، وَقَالَ فِي الْقَطْعِيَّاتِ: أَقْبَلُ شَهَادَةَ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ إلَّا الْخَطَّابِيَّةَ مِنْ الرَّافِضَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ شَهَادَةَ الزُّورِ لِمُوَافِقِيهِمْ، وَحُكِيَ فِي " الْمَحْصُولِ " الِاتِّفَاقُ فِي الْمَظْنُونِ عَلَى الْقَبُولِ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَالْأَظْهَرُ ثُبُوتُ الْخِلَافِ فِيهِ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ، وَهَذَا مِنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَقْطُوعِ بِهِ إذَا لَمْ يَرَ صَاحِبُهُ جَوَازَ الْكَذِبِ، وَالْأَكْثَرُونَ قَبِلُوا رِوَايَتَهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ، وَالْإِمَامِ الرَّازِيَّ وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ ": إذَا كَانَ فِسْقُهُ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ لَمْ يُرَدَّ خَبَرُهُ، وَقَدْ قَبِلَ التَّابِعُونَ أَخْبَارَ الْخَوَارِجِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَرُدُّ شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ.