الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ يُفْهِمُ أَنَّ الْكَذِبَ يَخْتَصُّ بِالْمَاضِي إذْ قَالَ: لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ، وَضَعَّفَ سُؤَالَ مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: غَدًا أُعْطِيكَ دِرْهَمًا، ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ كَاذِبًا، وَالْكَذِبُ حَرَامٌ، فَكَيْفَ لَا يُوجِبُونَ الْوَفَاءَ بِالْوَعْدِ؟ فَقَالَ: وَالْحَالَةُ هَذِهِ آيَةٌ أَنَّهُ حَاكِمٌ عَلَى أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَلَا كَذِبَ فِيهِ، وَالْوَعْدُ إنْشَاءٌ لَا خَبَرٌ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى مَنْ لَمْ يَفِ بِالْوَعْدِ مُخْلِفًا لَا كَاذِبًا، وَلِهَذَا قَالَ عليه السلام فِي حَقِّ الْمُنَافِقِ:«إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ» ، فَسَمَّاهُ مُخْلِفًا، لَا كَاذِبًا، وَلَوْ كَانَ الْإِخْلَافُ كَذِبًا دَخَلَ تَحْتَ عُمُومِ «إذَا حَدَّثَ كَذَبَ» . وَقَدْ يُقَالُ: إذَا لَمْ يَدْخُلْهُ الْكَذِبُ، لَا يَكُونُ خَبَرًا؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ مَا يُفِيدُ الْكَذِبَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخَبَرَ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقْبَلِ، كَمَا تَقُولُ: سَيَخْرُجُ الدَّجَّالُ، وَيَصِحُّ فِيهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ، وَالْوَعْدُ إنْشَاءٌ لَا خَبَرٌ.
[الثَّالِثُ الْخَبَرُ مَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ هَلْ هُوَ خَاصٌّ بِالْكَلَامِ الَّذِي لَهُ خَارِجٌ عَنْ كَلَامِ النَّفْسِ]
الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُمْ: الْخَبَرُ مَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، هَلْ هُوَ خَاصٌّ بِالْكَلَامِ الَّذِي لَهُ خَارِجٌ عَنْ كَلَامِ النَّفْسِ أَمْ يَجْرِي فِي لَفْظِ " خَ بَ رَ "؟ وَقَدْ اضْطَرَبَ كَلَامُ الْفُقَهَاءِ فِي الثَّانِي، فَجَعَلُوهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مَخْصُوصًا بِالصِّدْقِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: إنْ لَمْ تُخْبِرِينِي بِعَدَدِ هَذَا النَّوَى فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ التَّمْيِيزَ، فَلَا يَكْتَفِي بِأَيِّ عَدَدٍ كَانَ، إنْ كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ لَفْظُ الْإِخْبَارِ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ فِي الْحَاوِي ": أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبِشَارَةِ وَالْخَبَرِ، فِيمَا إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَيْهِ فِي أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الصِّدْقُ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيهِمَا، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبِشَارَةِ صَحِيحٌ، وَأَمَّا فِي الْخَبَرِ فَكَلَامُهُمْ مُخْتَلِفٌ فِيهِ، فَقَدْ قَالُوا فِيمَا لَوْ قَالَ: إنْ لَمْ تُخْبِرِينِي بِمَجِيءِ زَيْدٍ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَخْبَرَتْهُ بِمَجِيئِهِ كَاذِبَةً أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ؛ لِوُجُودِ الْإِخْبَارِ بِقُدُومِهِ، وَهُوَ لَا يَشْتَرِطُ فِيهِ الْمُطَابَقَةَ.
وَلَوْ
قَالَ: مَنْ أَخْبَرَتْنِي مِنْكُمَا بِكَذَا فَهِيَ طَالِقٌ، فَأَخْبَرَتَاهُ صَدَقَتَا أَوْ كَذَبَتَا طَلُقَتَا، وَجَعَلَ الْفُورَانِيُّ الْخَبَرَ لِلصِّدْقِ فَقَطْ إذَا قُرِنَ بِحَرْفِ الْبَاءِ؛ لِأَنَّهُ لِلْإِلْصَاقِ، فَيَقْتَضِي وُجُودَ الْمُخْبَرِ بِهِ حَتَّى يُلْصَقَ بِهِ الْخَبَرُ، فَإِذَا قَالَ: إنْ أَخْبَرْتِنِي أَنَّ فُلَانًا قَدِمَ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَأَخْبَرَهُ صَادِقًا أَوْ كَاذِبًا، عَتَقَ الْعَبْدُ، وَلَوْ قَالَ: إنْ أَخْبَرْتِنِي بِقُدُومِ فُلَانٍ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَأَخْبَرَهُ كَاذِبًا لَا يَحْنَثُ عِنْدَ الْفُورَانِيِّ وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ، وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ " لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: إنْ أَخْبَرْتَنِي بِخُرُوجِ فُلَانٍ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ، فَلَكَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، فَأَخْبَرَهُ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْعَشَرَةَ؟ نُظِرَ، إنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي خُرُوجِهِ مِنْ الْبَلَدِ اسْتَحَقَّ، وَإِلَّا فَلَا، وَالنُّكْتَةُ فِي الْجَعَالَةِ، فَقَدْ حَكَاهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ ثُمَّ بَحَثَ مَعَهُ فِي شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ هَلْ يَتَقَيَّدُ الْخَبَرُ بِالصِّدْقِ؟ فَلَوْ كَانَ كَاذِبًا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا؛ لِانْتِفَاءِ الْمَعْنَى الَّذِي عَلَّلَ بِهِ. قُلْت: وَلَعَلَّ الْقَفَّالَ يَخُصُّ ذَلِكَ بِحَالَةِ وُجُودِ الْبَاءِ، كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْ تِلْمِيذِهِ الْفُورَانِيِّ، وَالثَّانِي: يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ هَلْ يَنَالُهُ تَعَبٌ أَمْ لَا؟ قُلْت: وَقَدْ حَكَى النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ " مِنْ زَوَائِدِهِ قَبْلَ هَذَا تَصْرِيحَ الْبَغَوِيّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ أَخْبَرَنِي بِكَذَا، فَلَهُ كَذَا، فَأَخْبَرَهُ إنْسَانٌ فَلَا شَيْءَ