الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْأَمْرُ الثَّانِي: إذَا تَضَمَّنَ رَفْعَ الْحَرَجِ إمَّا خَاصًّا أَوْ عَامًّا، فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، أَوْ لَا، يَقْضِي بِكَوْنِهِ مُبَاحًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ نَدْبًا، بَلْ يُحْتَمَلُ، فَيَتَوَقَّفُ؟ ذَهَبَ الْقَاضِي إلَى الثَّانِي، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ الْأَقَلُّ، وَإِذَا قُلْنَا بِالْإِبَاحَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، فَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الِاسْتِبَاحَةِ لِمَا أَقَرَّ عَلَى وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا إلْكِيَا، وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُبَاحٌ بِالْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، فَلَا يَنْتَقِلُ إلَّا بِسَبَبٍ، وَهَذَا مِنْهُمْ تَعَلُّقٌ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُبَاحٌ بِالشَّرْعِ حِينَ أُقِرُّوا عَلَيْهَا، وَهُمَا الْوَجْهَانِ فِي أَصْلِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، هَلْ كَانَتْ عَلَى الْإِبَاحَةِ حَتَّى حَظَرَهَا الشَّارِعُ أَوْ عَلَى الْحَظْرِ حَتَّى أَبَاحَهَا؟ وَلَمْ يَقِفْ الشَّيْخُ السُّبْكِيُّ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَسَأَلَهُ الصَّدْرُ بْنُ الْوَكِيلِ، فَلَمْ يَسْتَحْضِرْ فِيهِ نَصًّا، وَرَجَّحَ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى فِعْلٍ، حَتَّى يُعْرَفَ حُكْمُهُ. فَمِنْ هُنَا دَلَّ التَّقْرِيرُ عَلَى الْإِبَاحَةِ
[شُرُوطُ حُجِّيَّةِ التَّقْرِيرِ]
[شُرُوطُ حُجِّيَّةِ التَّقْرِيرِ] إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّمَا يَكُونُ التَّقْرِيرُ حُجَّةً بِشُرُوطٍ. أَحَدُهَا: أَنْ يَعْلَمَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَا يَكُونُ حُجَّةً، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ لَفْظِ التَّقْرِيرِ، وَخَرَجَ مِنْ هَذَا مَا فُعِلَ فِي عَصْرِهِ مِمَّا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ غَالِبًا، كَقَوْلِهِمْ: كُنَّا نُجَامِعُ وَنَكْسَلُ، وَمَا فُعِلَ فِي عَهْدِهِ عليه السلام، وَلَمْ يُعْلَمْ انْتِشَارُهُ انْتِشَارًا يَبْلُغُ النَّبِيَّ عليه السلام، فَهَلْ يُجْعَلُ ذَلِكَ سُنَّةً وَشَرِيعَةً مِنْ شَرَائِعِهِ؟ جَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْمُلَخَّصِ " بِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فِي
شَرْحِ التَّرْتِيبِ ": اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْأَقِطِ: هَلْ يَجُوزُ فِي الْفِطْرَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ بَلَغَ النَّبِيَّ عليه السلام مَا كَانُوا يُخْرِجُونَهُ فِي الزَّكَاةِ فِي الْأَقِطِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا نُخْرِجُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صَاعًا مِنْ أَقِطٍ» ، فَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ فِي هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ. اهـ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ: كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا، وَأَضَافَهُ إلَى عَصْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ مِمَّا لَا يَخْفَى مِثْلُهُ حُمِلَ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَيَكُونُ شَرْعًا لَنَا، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَخْفَى، فَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذِكْرُهُ حُمِلَ عَلَى إقْرَارِهِ؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ فِيمَا كَثُرَ أَنَّهُ لَا يَخْفَى، كَقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ:«كُنَّا نُخْرِجُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ عليه السلام صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ بُرٍّ» قَالَ: وَعَلَى هَذَا إذَا خَرَّجَ الرَّاوِي الرِّوَايَةَ مَخْرَجَ الْكَثِيرِ بِأَنْ قَالَ: كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا، حُمِلَتْ الرِّوَايَةُ عَلَى عَمَلِهِ وَإِقْرَارِهِ، وَصَارَ كَالْمَنْقُولِ شَرْعًا، وَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ لَفْظِ التَّكْثِيرِ، كَقَوْلِهِ: فَعَلُوا كَذَا فَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَلَا يَثْبُتُ شَرْعٌ بِاحْتِمَالٍ. أَمَّا إذَا أَضَافَهُ إلَى عَصْرِ الصَّحَابَةِ أَوْ أَطْلَقَ فَسَيَأْتِي.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الْإِنْكَارِ، كَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ. فَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ مِنْ خَصَائِصِهِ عَدَمَ سُقُوطِ وُجُوبِ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِالْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ، وَعَدَمَ السُّقُوطِ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ مِنْهُ خَوْفٌ عَلَى نَفْسِهِ بَعْدَ إخْبَارِ اللَّهِ بِعِصْمَتِهِ فِي قَوْلِهِ:{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ: وَإِنَّمَا اخْتَصَّ عليه السلام بِوُجُوبِهِ لِأَمْرَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لَهُ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ بِقَوْلِهِ: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر: 95]
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُنْكِرْهُ لَكَانَ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِلَّا لَأَمَرَ بِتَرْكِهِ. اهـ.
وَحِينَئِذٍ فَلَا يُعْقَلُ هَذَا الشَّرْطُ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: كَوْنُ الْمُقَرِّ عَلَى الْفِعْلِ مُنْقَادًا لِلشَّرْعِ، سَامِعًا مُطِيعًا، فَالْمُمْتَنِعُ كَالْكَافِرِ لَا يَكُونُ التَّقْرِيرُ فِي حَقِّهِ دَالًّا عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَأَلْحَقَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمُنَافِقَ، وَنَازَعَهُ الْمَازِرِيُّ؛ لِأَنَّا نُجْرِي عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ ظَاهِرًا، وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الِالْتِزَامِ وَالِانْقِيَادِ فِي الْجُمْلَةِ، وَحَكَى الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ " فِي تَقْرِيرِ الْمُنَافِقِ خِلَافًا، وَمَالَ إلْكِيَا إلَى مَا قَالَهُ إمَامُهُ. قَالَ:؛ لِأَنَّهُ عليه السلام كَانَ كَثِيرًا مَا يَسْكُتُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ عِلْمًا مِنْهُ أَنَّ الْعِظَةَ لَا تَنْفَعُ مَعَهُمْ، وَإِنْ كَانَ الْعَذَابُ حَقِيقًا بِهِمْ، وَشَرَطَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تَعْلِيقِهِ كَوْنَ التَّقْرِيرِ بَعْدَ ثُبُوتِ الشَّرْعِ، وَأَمَّا مَا كَانَ يُقِرُّ عَلَيْهِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الشَّرْعِ، حِينَ كَانَ دَاعِيًا إلَى الْإِسْلَامِ فَلَا، وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى الثَّانِي، وَشَرَطَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ إنْكَارٌ سَابِقٌ قَالَ: وَإِذَا ذَمَّ الرَّسُولُ فَاعِلًا بَعْدَ إقْرَارِهِ عَلَى فِعْلِ مِثْلِهِ، دَلَّ عَلَى حَظْرِهِ بَعْدَ إبَاحَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ هُوَ الذَّمُّ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، دَلَّ عَلَى الْحَظْرِ بَعْدَ الْإِبَاحَةِ. قَالَ: وَإِذَا عُلِمَ مِنْ حَالِ مُرْتَكِبِ الْمُنْكَرِ أَنَّ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ يَزِيدُهُ إغْرَاءً عَلَى مِثْلِهِ، فَإِنْ عَلِمَ بِهِ غَيْرُ الرَّسُولِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ؛ لِئَلَّا يَزْدَادَ مِنْ الْمُنْكَرِ بِالْإِغْرَاءِ، وَإِنْ عَلِمَ بِهِ الرَّسُولُ فَفِي إنْكَارِهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ لِمَا ذُكِرَ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَالثَّانِي: يَجِبُ إنْكَارُهُ لِيَزُولَ بِالْإِنْكَارِ تَوَهُّمُ الْإِبَاحَةِ. قَالَ: وَهَذَا الْوَجْهُ