الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَشَنَّعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى الْفُقَهَاءِ إثْبَاتَهُمْ الْإِجْمَاعَ بِالْعُمُومَاتِ، وَالظَّنِّيَّاتِ، وَاعْتِقَادَهُمْ أَنَّ مُخَالِفَهَا بِتَأْوِيلٍ لَا يُكَفَّرُ، وَلَا يُفَسَّقُ، مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ مُخَالِفَ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ يُكَفَّرُ أَوْ يَفْسُقُ، وَهُوَ تَرْجِيحٌ لِلْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ، وَسَيَأْتِي جَوَابُهُ.
قَالَ الْآمِدِيُّ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ: وَالْمَسْأَلَةُ دَائِرَةٌ عَلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِ دَلِيلِ الْأَصْلِ مَقْطُوعًا بِهِ، وَعَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ، فَمَنْ شَرَطَ الْقَطْعَ مَنَعَ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُفِيدًا فِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَمْ يَمْنَعْ، وَكَلَامُ الْإِمَامِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْخِلَافَ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، بَلْ هُوَ جَارٍ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ أَصْلَ الْإِجْمَاعِ ظَنِّيٌّ. وَإِذَا قُلْنَا بِالِاكْتِفَاءِ بِالْآحَادِ فِي نَقْلِهِ كَالسُّنَّةِ، فَهَلْ يُنَزَّلُ الظَّنُّ الْمُتَلَقَّى مِنْ أَمَارَاتٍ وَحَالَاتٍ مَنْزِلَةَ الظَّنِّ الْحَاصِلِ مِنْ نَقْلِ الْعُدُولِ، قَالَ الْإِبْيَارِيُّ: فِيهِ خِلَافٌ، وَذَهَبَ الْإِمَامُ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا لِعَمَلٍ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْهَا مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ قَوْلِ الشَّارِعِ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ لَفْظِهِ مِمَّا يُشْعِرُ بِهِ ظَاهِرُهُ.
[الْمَبْحَثُ السَّابِعُ فِي اسْتِحَالَةِ الْخَطَأِ عَلَى الْإِجْمَاعِ]
[الْمَبْحَثُ السَّابِعُ] فِي اسْتِحَالَةِ الْخَطَأِ عَلَى الْإِجْمَاعِ وَفِيهِ مَسَائِلُ. الْأَوَّلُ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ عَلَى الْخَطَأِ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي طَرِيقِهِ. فَنَقَلَ الْقَاضِي عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ السَّمْعُ دُونَ الْعَقْلِ، وَأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ الْخَطَأُ عَلَيْهِمْ عَقْلًا، وَلَكِنَّهُ امْتَنَعَ بِالسَّمْعِ، وَقِيلَ: بَلْ امْتَنَعَ عَقْلًا وَسَمْعًا.
قَالَ ابْنُ فُورَكٍ: قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّ اللَّهَ - جَلَّ ذِكْرُهُ - لَمَّا خَتَمَ أَمْرَ الرِّسَالَةِ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَصَمَ جُمْلَةَ أُمَّتِهِ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْخَطَأِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، حَتَّى يَكُونُوا مَعْصُومِينَ فِي التَّبْلِيغِ وَالْأَدَاءِ وَيَكُونُوا كَنَبِيٍّ جَدَّدَ شَرِيعَةً. قُلْت: وَقُبِلَ قَوْلُهُمْ كَقَوْلِ الْمَعْصُومِ. فَإِنْ قِيلَ: سَيَأْتِي جَوَازُ رُجُوعِهِمْ عَمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ إذَا شَرَطْنَا انْقِرَاضَ الْعَصْرِ. قُلْنَا: قَائِلُهُ يُجَوِّزُ الْخَطَأُ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ، وَهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ دَوَامِ الْخَطَأِ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ إنْ قَصُرَ الزَّمَانُ، فَإِنْ تَطَاوَلَهُ بِحَيْثُ يَتَّبِعُهُمْ النَّاسُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ فَمُسْتَحِيلٌ، كَمَا يَمْتَنِعُ فِي الرِّسَالَةِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يُخْطِئَ كُلُّ فَرِيقٍ فِي مَسْأَلَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ عَنْ الْأُخْرَى، فَيَجُوزُ الْقَطْعُ بِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يَجُوزُ أَنْ يُخْطِئَ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى الْخَطَأِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ. مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ قَائِلًا بِمَذْهَبِ الْخَوَارِجِ، وَالْبَاقِي بِالِاعْتِزَالِ وَالرَّفْضِ. وَفِي الْفُرُوعِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: النِّصْفُ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَرِثُ، وَالْبَاقِي بِأَنَّ الْقَاتِلَ عَمْدًا يَرِثُ لِرُجُوعِهِمَا إلَى مَأْخَذٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَانِعُ الْمِيرَاثِ، فَوَقَعَ الْخَطَأُ فِيهِ كُلِّهِ. اخْتَلَفُوا فِيهِ. فَمَنْ نَظَرَ إلَى اتِّحَادِ الْأَصْلِ مَنَعَ، وَمِنْ نَظَرَ إلَى تَعَدُّدِ الْفُرُوعِ اخْتَارَ، وَالْأَكْثَرُونَ كَمَا قَالَ الْهِنْدِيُّ عَلَى امْتِنَاعِهِ؛ لِأَنَّهُ إجْمَاعٌ عَلَى خَطَأٍ، فَلَمْ يَقَعْ مِنْهُمْ، كَمَا لَمْ يَقَعْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ. وَقِيلَ: يَصِحُّ، وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ عَلَى خَطَأٍ. حَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَيْسَ بِقَوْلِ كُلِّ الْأُمَّةِ، بَلْ الْفَرِيقُ الذَّاهِبُ إلَيْهَا فَقَطْ.