الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنها: الأمر، والأظهر: أنّ صيغته من المقترنة باللام؛ نحو: ليحضر زيد وغيرها؛ نحو: أكرم عمرا، ورويد (1) بكرا، موضوعة لطلب الفعل استعلاء؛ لتبادر الفهم عند سماعها إلى ذلك المعنى.
ــ
الأمر من أنواع الطلب:
ص: (ومنها الأمر
…
إلخ).
(ش): من أنواع الطلب الأمر، وهو يعنى أمر حقيقة فى القول الطالب للفعل إيجابا، وكذا ندبا على المشهور، وصيغته نحو: أكرم زيدا، والمقترن باللام، نحو:
ليحضر زيد واسم الفعل نحو: نزال ودراك.
قال: (والأظهر أن هذه الصيغ موضوعة لطلب الفعل استعلاء). وينبغى أن يقول:
طلبا جازما؛ فإنه يدخل فى عبارته المندوب، والصحيح أن صيغة أفعل موضوعة للإيجاب، وإن كان الأمر الأعم منه ومن المندوب. والمصنف لم يفرق بين الأمر وبين صيغة أفعل. والتحقيق ما قلناه، وقوله: الأظهر يحتمل أن يريد به كونها لطلب الفعل ليكون دفعا لمن ادعى أنها حقيقة فى الإباحة مثلا، ويحتمل أن يكون دفعا لقول من قال: إنها للطلب، ولكن اشترط العلو كالمعتزلة أو لم يشترط الاستعلاء ولا العلو، كالإمام فخر الدين وأتباعه مستدلين
بقوله تعالى: فَماذا تَأْمُرُونَ (2) ولا حجة فيه إما لكونه مشتقا من الأمر، بمعنى المشورة والفعل، وإما لأن فرعون إذ ذاك كان مستعليا لهم، وكلامه فى الإيضاح يدل على إرادة كونها لطلب الفعل؛ لأنه لا يستدل على ذلك بإطباق أئمة اللغة على إضافة هذه الألفاظ للأمر بقولهم: صيغة الأمر، واستدل المصنف عليه بتبادر الذهن عن سماع هذه الألفاظ على ذلك، وهذا بناء منه على أن التبادر علامة الحقيقة، كما هو المشهور، وإن كان قد منع ذلك المصنف بما يطول ذكره، وقد تكلمنا عليه فى شرح مختصر ابن الحاجب، بقى على المصنف إشكال وهو أن قوله: الأظهر أن صيغته موضوعة لطلب الفعل، وقوله: لتبادر الذهن إليه عند سماع هذه الصيغة يقتضى أن مجرد سماعها يفضى بتبادر الذهن إلى أنها أمر، وذلك ينفى اشتراط الاستعلاء، وإن كان يتبادر إليها بقرينة الاستعلاء فالتبادر بشرط القرينة شأن المجاز لا الحقيقة، ثم لو أراد هذا لكان الاستدلال على الاستعلاء لا على
(1) فالمراد بصيغته: ما دل على طلب فعل غير كف استعلاء سواء كان اسما أو فعلا.
(2)
سورة الشعراء: 35.
وقد تستعمل لغيره؛ كالإباحة؛ نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين،
ــ
كونها للطلب، وهو خلاف ما سبق، ويرد على المصنف النهى فإنه طلب لفعل؛ لأن مطلوبه كف النفس، وخرج بقوله الاستعلاء: الدعاء والالتماس، واعترض على المصنف بأن اسم الفعل لا يسمى أمرا فى اصطلاح النحاة، وأجيب بأنه يسمى أمرا، فى اصطلاح أهل المعانى، وقد عده صاحب المفصل أمرا وقول المصنف: لطلب الفعل استعلاء لا يقتضى أنه للوجوب أو له وللندب كما توهمه بعضهم، وربما استفيد الأمر من غير هذه الصيغ، مثل: أوجبت، وما أشبهه. وقول المصنف: استعلاء، لا يصح أن يكون مفعولا من أجله، لكن أن يكون منصوبا على إسقاط الخافض، تقديره: على الاستعلاء، أى:
على جهة الاستعلاء، والنصب يكون بإسقاط تعلى كما مر فى قوله تعالى:
وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ (1) على قول، ثم إذا ثبت أنها حقيقة فى طلب استعلائى، فقد تستعمل لغيره، وذلك على أقسام:
الأول: الإباحة، نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين، أى: ابحث لك مجالسة أيهما شئت. قلت: إن كانت أو فى هذا المثال على بابها، فالمعنى: جالس أحدهما، فإن أرادوا أن ذلك لا يجب فهو ممنوع، وما الذى صرفه عن وجوب مجالسة أحد لا بعينه وهو صريح اللفظ، وكون الأصل الجواز أو الحظر لا يقتضى ذلك، وإن أرادوا مع ذلك أنها للإباحة بمعنى أن مجالسة أيهما شاء مباحة، فذلك لا يدفع الجواز، ثم تصير" أو" حينئذ للتخيير، مثل: خذ من مالى درهما أو دينارا، وإن كان المراد أنها بمعنى الواو فما الذى صرفه عن وجوب مجالستها؛ كقولك: جالس الحسن
وابن سيرين، والنحاة يقولون: إن" أو" فى هذا للإباحة، وكلامهم مشكل؛ لأنهم بين قائل: إنها بمعنى الواو، وإنها للإباحة، ولا أدرى ما الذى اقتضى أنها للإباحة إذا كانت بمعنى الواو وهذا رأى ابن مالك، وشيخنا أبو حيان يقول: هى ليست بمعنى الواو، والفرق بينهما أنه لو قال: جالس الحسن أو ابن سيرين، كان له أن يجالس أيهما كان وحده، وأن يجالسهما معا، وإذا قال: جالس الحسن وابن سيرين كان له أن يجالسهما معا، وليس له أن يجالس أحدهما وحده.
قلت: ولا أدرى ما الذى أباح له مجالستهما معا إذا كانت" أو" على معناها
(1) سورة التوبة: 5.
والتهديد؛ نحو: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ (1)، والتعجيز؛ نحو: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (2)،
ــ
الحقيقى؟ ولا أدرى ما الذى منع أن يجالس كلا وحده إذا أتى بالواو، وهى لا تدل على المعية؟ نعم لو كانت مجالسة الحسن وابن سيرين حراما فقال: جالس الحسن أو ابن سيرين، قلنا: إنها للإباحة بمعنى أنه أباح مجالسة أحدهما؛ لأنه أمر بها، والأمر بعد الحظر للإباحة على الصحيح، والعلاقة بين الإباحة والطلب أن كلا منهما مأذون فيه، ولا يقال: الجزئية؛ لأن المباح جنس للواجب على قول فإن كلامنا فى المباح المستوى الطرفين، وليس جنسا للواجب فتأمل ذلك فقد غلط فيه الأكابر، ثم قولهم: الشئ إن كان أصله على التحريم، ثم أمر به فأو للتخيير، مثل: خذ من مالى درهما أو دينارا، وإن لم يكن فهو للإباحة، مثل: جالس الحسن أو ابن سيرين كلام عجيب؛ فإن الإباحة فى جالس الحسن أو ابن سيرين ليست من اللفظ، وكذلك التحريم فى خذ درهما أو دينارا، بل من خارج فحينئذ كل من هذين المثالين كالآخر يقتضى إباحة أحدهما، والتخيير، وأما إباحة الأخذ من أحدهما، وامتناع ذلك فى المثال الآخر فليس من اللفظ، ثم إن الأصوليين قاطبة فسروا الإباحة بالتخيير، وإن كان التحقيق خلافه فإن الإباحة إذن فى الفعل، وإذن فى الترك ينظم إذنين معا، والتخيير إذن فى أحدهما لا بعينه.
الثانى: التهديد مثل: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ وفيه خروج عن الإنشاء، فإن التهديد خبر دل على إرادته القرينة والعلاقة فيه المضادة؛ ولذلك لا يمكن إرادة الإيجاب، والتهديد بصيغة واحدة، وإن جوزنا استعمال اللفظ فى حقيقته ومجازه أو فى معنييه الحقيقيين، وهذا أحسن ما يمثل به لقولنا: شرط استعمال المشترك أو الحقيقة والمجاز فى معنييهما عدم التضاد، أى: عدم تضاد الاستعمالين، لا عدم تضاد المعنيين.
الثالث: التعجيز كقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ إذ ليس المراد طلب ذلك منهم، قال بعضهم: لأنه محال، قلت:
التكليف بالحال جائز على الصحيح، لكن القرائن تفيد القطع بعدم إرادة هذا؛ فإنه غير مناسب لما هو المقصود قطعا من التعجيز، والعلاقة فيه أيضا المضادة، وهو أيضا خبر بعجزهم دلت على إرادته القرينة.
(1) سورة فصلت: 40.
(2)
سورة البقرة: 23.
والتسخير؛ نحو: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (1)، والإهانة؛ نحو: كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (2)، والتسوية؛ نحو: فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا (3)، والتمنّى؛ نحو [من الطويل]:
ألا أيّها اللّيل الطّويل ألا انجلى
ــ
الرابع: التسخير نحو: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ والتسخير فى اللغة: التذليل والإهانة، والمراد أنه عبر بهذا عن نقلهم من حالة إلى حالة إذلالا لهم، فإما أن يكون المراد أنه لم يصدر قول، ولكن حالهم حال من قيل لهم ذلك، أو يكون المراد أنهم قيل لهم ذلك قولا لم يقصد به طلب، بل قصد به الإخبار عن هوانهم، وعلى التقديرين يكون خبرا، والعلاقة فيه تحتم مقتضاه لتحتم مقتضى الخبر عن الماضى، وتوهم القرافى أن المراد بالتسخير الاستهزاء، فيقال: ينبغى أن يقال: السخرية، وليس كما قال.
الخامس: الإهانة مثل: قُلْ كُونُوا حِجارَةً الآية والفرق بين هذا والذى قبله أن المقصود من: كونوا حجارة، الإهانة والذى قبله قصد فيه صيرورة الشئ إلى الحالة التى صدرت بها صيغة الأمر، فهذا أعم مما قبله، ومثله المصنف فى الإيضاح والأصوليون بقوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (4) وفيه نظر؛ لجواز أن تكون حقيقة الأمر، والإهانة مفهومة من أمرهم بذلك مع كونه فاعلوه فى من قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ بالاستعارة التهكمية.
السادس: التسوية مثل فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا أى: صبركم وعدمه فى عدم النفع سواء، وعلاقته مضادة التسوية بين الشيئين للوجوب، وهو أيضا خروج من الإنشاء إلى الخبر.
السابع: التمنى كقول امرئ القيس:
ألا أيّها اللّيل الطّويل ألا انجلى
…
بصبح وما الإصباح منك بأمثل (5)
(1) سورة البقرة: 65.
(2)
سورة الإسراء: 50.
(3)
سورة الطور: 16.
(4)
سورة الدخان: 49.
(5)
البيت من الطويل، لامرئ القيس فى ديوانه ص: 18، وخزانة الأدب (2/ 326) ولسان العرب (شلل).
والدعاء؛ نحو: ربّ اغفر لى، والالتماس؛ كقولك لمن يساويك رتبة: افعل بدون الاستعلاء.
ــ
فإن الليل لا يقبل أن يطلب منه الانجلاء، وإنما هذه الصيغة كناية عن تمنى أمنية فيكون باقيا على إنشائيته وجعلوه تمنيا لا ترجيا؛ لأن التمنى لما بعد ومن شأن المحب أن يستبعد انجلاء الليل، والياء ثابتة فى قوله: انجلى؛ لإشباع الكسرة لقصد التصريع، لا أنها من أصل الكلمة كقوله:
ألم يأتيك والأنباء تنمى
الثامن: الدعاء، وهو الطلب من الأعلى على سبيل التضرع، مثل: اللهم اغفر لى.
التاسع: الالتماس، وهو الطلب من المساوى كقولك بلا استعلاء لمن يساويك رتبة:
اسقنى ماء، قلت: والدعاء والالتماس استعمال افعل لهما حقيقة، فلا ينبغى أن يعدا مما خرجت فيه صيغة الأمر عن حقيقته، هذا ما ذكره المصنف، وزاد غيره شيئا آخر، ويمكن أن تزاد تلك الزيادة فنقول حينئذ.
العاشر: الندب، وهذا لم يحتج لعده المصنف؛ لأنه اقتضى كلامه أن صيغة افعل حقيقة فى الندب أيضا، فهو داخل فى حقيقة افعل، وهو إنما يذكر هنا ما خرج عنها غير أن الصحيح أن صيغة افعل للندب مجازا، وعدوا منه قوله: فَكاتِبُوهُمْ والشافعى نص على أن الأمر فيه للإباحة، وأنه من الأمر بعد الحظر، ونقل صاحب التقريب قولا أنها واجبة إذا طلبها العبد، وجعلوا منه التأديب مثل: كل مما يليك، فإن الأدب مندوب إليه، لكنه متعلق بمحاسن الأخلاق، فهو أخص من المندوب، وقد نص الشافعى فى الأم والبويطى والرسالة على أن الأكل من غير ما يليه إذا لم يكن نحو: التمر حرام.
الحادى عشر: الإرشاد، كقوله تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ (1) قال الغزالى والإمام: الإرشاد: الندب لمصالح الدنيا والآخرة، فيحتمل أن يكون قسرا من المندوب تحصل به مصلحتان دنيوية وأخروية، فيكون حكما شرعيا، ويحتمل أن يكون من نوع الإشارة والإخبار أن ذلك مصلحة فى الدنيا، فيكون قسما آخر ليس من الحكم الشرعى.
(1) سورة البقرة: 282.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثانى عشر: الإنذار، نحو قُلْ تَمَتَّعُوا (1) فمنهم من عده من التهديد، ومنهم من جعله قسما آخر، وأهل اللغة قالوا: التهديد: التخويف، والإنذار: الإبلاغ، فهما متقابلان.
الثالث عشر: الامتنان، نحو: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ (2) والظاهر أنه قسم من الإباحة، لكن معه امتنان.
الرابع عشر: الإكرام، مثل قوله تعالى ادْخُلُوها بِسَلامٍ (3) وهو أيضا من الإباحة.
الخامس عشر: الاحتقار، نحو أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (4) وفيه نظر أيضا، ولولا أن الإلقاء سحر لكنت أقول: إنه أمر إباحة.
السادس عشر: التكوين، كقوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ (5) وهو قريب من التسخير، إلا أن هذا أعم.
السابع عشر: الخبر، نحو" إذا لم تستح فاصنع ما شئت"(6)؛ إذ الواقع أن من لم يستح يفعل ما يشاء، وقيل: المعنى إذا وجدت الشئ مما لا يستحيا منه فافعله، فيكون إباحة، وقد تقدم أن غالب هذه الاستعمالات بنقل صيغة افعل إلى الخبر.
الثامن عشر: بمعنى الإنعام، مثل: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ (7) ذكره الإمام فى البرهان قال: وإن كان فيه معنى الإباحة، فالظاهر منه تذكر النعمة.
التاسع عشر: التفويض، كقوله تعالى: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ (8) زاده الإمام أيضا.
العشرون: التعجب، ذكره الهندى، ومثل له بقوله تعالى: قُلْ كُونُوا حِجارَةً (9) وقد تقدم التمثيل له بغيره، وذكره أيضا العبادى فى ترجمة الفارسى من أصحابنا
(1) سورة إبراهيم: 30.
(2)
سورة النحل: 114.
(3)
سورة الحجر: 46.
(4)
سورة يونس: 80.
(5)
سورة يس: 82.
(6)
أخرجه البخارى فى" الأدب"، باب: إذا لم تستح فاصنع ما شئت، (10/ 539)، (ح 6120) من حديث أبى مسعود.
(7)
سورة البقرة: 57.
(8)
سورة طه: 72.
(9)
سورة الإسراء: 50.