الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(الإطناب)
والإطناب: إما بالإيضاح بعد الإبهام؛ ليرى المعنى فى صورتين مختلفتين، أو ليتمكّن فى النفس فضل تمكّن، أو لتكمل لذّة العلم به؛ نحو: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (1)؛ فإنّ اشْرَحْ لِي: يفيد طلب شرح لشئ ما له، وصَدْرِي: يفيد تفسيره، ومنه باب نعم على أحد القولين؛ إذ لو أريد الاختصار، لكفى: نعم زيد خ خ.
ــ
الإطناب:
ص: (والإطناب إما بالإيضاح بعد الإبهام إلى آخره).
(ش): الإطناب يكون بأحد أمور: إما بالإيضاح بعد الإبهام أى: أسبابه قصد الإيضاح، والباء فى قوله: بالإيضاح للسببية أى: إذا أردت أن تبهم ثم توضح فإنك تطنب، وفائدته: إما رؤية المعنى فى صورتين مختلفتين بالإبهام والإيضاح، أو ليتمكن المعنى فى النفس فضل تمكن أى: تمكنا زائدا، أو لتكمل لذة العلم به، لأن الشئ إذا علم من وجه ما، تشوقت النفس للعلم به من باقى الوجوه دفعة واحدة.
ومثال الإيضاح بعد الإبهام. رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي فإن قوله: اشرح لى يفيد طلب شرح شئ ما له، وقوله:" صدرى" يفيد تفسيره وبيانه، وكذلك: وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (2) والمقام يقتضى التأكيد للإرسال المؤذن بتلقى الشدائد، وكذلك قوله سبحانه: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (3) فإن المقام يقتضى التأكيد؛ لأنه مقام امتنان وتفخيم، وكذلك: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (4).
(قلت): وفيه نظر من وجهين:
الأول - أن هذا يستلزم أن يكون كل مفعول بيانا بعد إبهام، ويكون الإطناب موجودا حيث وجد المفعول، وهذا لا يتخيله أحد.
الثانى - أن الإطناب ما لو زال، لرجع الكلام إلى المساواة، والمفعول هنا لو لم يذكر رجع الكلام إلى الإيجاز، فدل ذلك على أن اشرح لى صدرى مساواة. وإنما ذكر المفسرون ذلك فى قوله سبحانه: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فقال كثير
(1) سورة طه: 25.
(2)
سورة طه: 26.
(3)
سورة الشرح: 1.
(4)
سورة الحجر: 66.
ووجه حسنه - سوى ما ذكر -: إبراز الكلام فى معرض الاعتدال، وإيهام الجمع بين المتنافيين.
ومنه التوشيع (1)، وهو: أن يؤتى فى عجز الكلام بمثنّى مفسّر باثنين، ثانيهما معطوف على الأول؛ نحو:(يشيب ابن آدم ويشبّ معه خصلتان: الحرص، وطول الأمل)(2).
ــ
منهم إنه منصوب على التمييز؛ لإشعار الكلام (3) الذم على ما يقع به من شرح من الكفر كيف كان الذم بالقول وغيره فحسن إبهام الشرح، ثم تبيينه بالمصدر.
ثم مثل للإيضاح بعد الإبهام بباب نعم وبئس على القول: بأن المخصوص خبر مبتدأ. (قلت): أو مبتدأ خبره محذوف، والألف واللام فى الفاعل للجنس، فإنه حصل التبيين بقوله: زيد بعد الإبهام بقوله: نعم الرجل. أما إذا قلنا: نعم الرجل خبر مقدم، فإنه لم يحصل إبهام ثم تبيين؛ لأنه كلام واحد مبين، غايته أن فيه تقديم المسند على المسند إليه. قال: إذ لو أريد الاختصار لكفى نعم زيد.
(قلت): نعم زيد مساواة لا اختصار ثم قال: (ووجه حسنه) أى حسن الإيضاح بعد الإبهام فى باب نعم. (سوى ما ذكر) من الفوائد أمران:
أحدهما: إبراز الكلام فى معرض الاعتدال أى: التوسط، فإن نعم الرجل زيد متوسط بين الإطناب الزائد بأن تقول: هو زيد.
والإيجاز بأن تقول: نعم زيد الثانى إيهام الجمع بين متنافيين وهما الإطناب والإيجاز. فربما أوهم أنه جمع بين
متنافيين، وليس كذلك. فإن قلت: الإيجاز والإطناب متنافيان قطعا. قلت: نعم، ولكنه جمع بينهما فى محلين؛ فلهذا، ينبغى أن يقول: إيهام الجمع بينهما فى محل باعتبار واحد، أما جمعهما فى محل واحد باعتبار واحد فمحال.
وقد يرد على المصنف أن إيهام الجمع بين متنافيين دخل فى قوله ليرى المعنى فى صورتين مختلفتين قال: (ومنه) أى: من الإيضاح بعد الإبهام: (التوشيع) وهو فى اللغة: لف القطن بعد الندف. وفى اصطلاحهم: أن يؤتى فى عجز الكلام، أى:
(1) التوشيع فى اللغة: لفّ القطن المندوف، وهو فى الاصطلاح على ما ذكر:،، أن يؤتى فى عجز الكلام بمثنى
…
إلخ،،.
(2)
الحديث رواه مسلم والترمذى وابن ماجه عن أنس بلفظ: (ابن آدم
…
الحديث).
(3)
قوله لإشعار الكلام إلخ كذا فى أصله وهو سقيم ولتحرر العبارة اه كتبه مصححه.
وإما بذكر الخاصّ بعد العامّ؛ للتنبيه على فضله؛ حتى كأنه من جنسه؛ تنزيلا للتغاير فى الوصف منزلة التغاير فى الذات؛ نحو: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى (1).
ــ
آخره، بمثنى مفسر باسمين ثانيهما معطوف على الأول، نحو قوله صلى الله عليه وسلم:" يشيب ابن آدم وتشب معه خصلتان الحرص وطول الأمل"(2)، ولك أن تقول: كل مثنى أو جمع ذكر ثم فصل، سواء أكان فى أول الكلام أو آخره، يحصل به الإيضاح بعد الإبهام فما الذى خص آخر الكلام دون أوله وأوسطه؟ وما الذى خص المثنى دون المجموع؟ وهل هذا غير اللف والنشر الذى سيأتى فى البديع؟
ص: (وإما بذكر الخاص إلى آخره).
(ش): من أسباب الإطناب إيراد الخاص بعد العام، ويؤتى به للتنبيه على فضل الخاص حتى كأنه ليس من جنس العام تنزيلا للتغاير فى الوصف فيما حصل به للخاص التمييز عن غيره؛ بمنزلة التغاير فى الذات على الأسلوب الذى سلكه المتنبى فى قوله:
فإن تفق الأنام وأنت منهم
…
فإنّ المسك بعض دم الغزال (3)
وهذا بناء على الراجح عند الأصوليين من أن عطف الخاص على العام ليس بتخصيص. وقيل: هو تخصيص؛ فإن العطف عليه يبين أن هذا الخاص لم يرد بالأول، ومثله المصنف بذكر جبريل وميكائيل عليهما الصلاة والسّلام، بعد ذكر الملائكة - صلى الله عليهم وسلم - فى قوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ (4) تنبيها على زيادة فضلهما.
وعبارة المصنف أحسن من قول غيره فى الآية، أنه عطف فيها الخاص على العام؛ لأن جبريل ليس معطوفا على الملائكة، بل إما على لفظ الجلالة؛ أو على الرسل، والمراد بهم رسل بنى آدم. والمثال الثانى قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ومثله فى الإيضاح أيضا بقوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
(1) سورة البقرة: 238.
(2)
أخرجه بنحوه البخارى فى" الرقاق"، باب: من بلغ ستين فقد أعذر الله إليه فى العمر، (11/ 243)، (ح 6420)، (6421)، ومسلم فى" الزكاة"، (ح 1047).
(3)
البيت من الوافر: وهو لأبى الطيب المتنبى فى شرح ديوانه 2/ 16، وأسرار البلاغة ص 95، رشيد رضا، والإشارات ص 187.
(4)
سورة البقرة: 98.
وإما بالتكرير لنكتة؛ كتأكيد الإنذار فى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (1)، وفى ثمّ دلالة على أن الإنذار الثانى أبلغ.
ــ
إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ (2) فإن الأمر بالمعروف خاص بالنسبة إلى الدعاء إلى الخير. وفيه نظر؛ لأنه من ذكر الأخص الذى هو الجزء الإضافى بعد الأعم، الذى هو الكلى، لا من ذكر الخاص الذى هو فرد بعد العام الذى هو متعدد، وقد قدمنا ذلك فى شرح خطبة الكتاب.
ص: (وإما بالتكرير إلى آخره).
(ش): من أسباب الإطناب إرادة التكرير لنكتة أى: فائدة، وتلك الفائدة إما تأكيد الإنذار، كقوله سبحانه وتعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ وفى ثم تنبيه على أن الإنذار الثانى أبلغ من الأول، كذا قاله الزمخشرى. وسره أن فيها تنبيها على أن ذلك تكرر مرة بعد أخرى، وإن تراخى الزمان بينهما، ومن شأن ذلك أنه لا يكون إلا فى شئ لا يقبل أن يتطرق عليه تغيير، بل هو مستمر على تراخى الزمان.
وذكر الإنذار هنا بحسب المثال وإلا فتأكيد كل شئ كذلك، كقوله سبحانه وتعالى:
وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (3) وقد قدمنا فى باب الفصل والوصل تحقيقا فى هذا المكان، وهل هذا إنذار مؤكد أو إنذاران، لا بأس بمراجعته. زاد فى الإيضاح أن التكرير قد يكون لزيادة التنبيه على ما ينفى التهمة؛ ليكمل تلقى الكلام بالقبول، ومنه قوله تعالى: وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ (4) فإنه تكرر فيه النداء قال: وقد يكون لطول فى الكلام، كقوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (5)، ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا (6) الآية. وقد يكون لتعدد المتعلق كما فى قوله سبحانه وتعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (7) فإنها وإن تعددت فكل واحد منها يتعلق بما قبله، وإن كان قيل: إن بعضها ليس بنعمة فليس من الآلاء. وجوابه: أن الزجر
(1) سورة التكاثر: 3 - 4.
(2)
سورة آل عمران: 104.
(3)
سورة الانفطار: 17، 18.
(4)
سورة غافر: 38، 39.
(5)
سورة النحل: 119.
(6)
سورة النحل: 110.
(7)
سورة الرحمن: 13.
وإما بالإيغال؛ فقيل: هو ختم البيت بما يفيد نكتة يتمّ المعنى بدونها؛ كزيادة المبالغة فى قولها [من البسيط]:
وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به
…
كأنّه علم فى رأسه نار
ــ
والتحذير نعمة. وبما ذكرناه تعلم الحكمة فى كونها زادت عن ثلاثة، ولو كان عائدا لشئ واحد، لما زاد على ثلاثة، لأن التأكيد لا يبلغ أكثر من ثلاثة، كذا قال ابن عبد السّلام وغيره.
فإن قلت: إذا كان المراد بكل ما قبله فليس ذلك بإطناب، بل هى ألفاظ كل أريد به غير ما أريد بالآخر.
(قلت): إذا قلنا: العبرة بعموم اللفظ، فكل واحد أريد به ما أريد بالآخر، ولكن كرر ليكون نصا فيما يليه، وظاهرا فى غيره. فإن قلت: يلزم التأكيد. قلت: والأمر كذلك، ولا يرد عليه أن التأكيد لا يزاد به على ثلاثة؛ لأن ذلك فى التأكيد الذى هو تابع، أما ذكر الشئ فى مقامات متعددة أكثر من ثلاثة فلا يمتنع.
ص: (وإما الإيغال).
(ش): أى: يقع الإطناب بالإيغال من أوغل إذا أمعن. واختلف فيه، فقيل: هو ختم البيت بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها، كزيادة المبالغة فى قول الخنساء:
وإنّ صخرا لتأتم الهداة به
…
كأنّه علم فى رأسه نار (1)
فإنها لم ترض أن تشبهه بالعلم الذى هو الجبل الذى يأتم الهداة به، حتى جعلت فى رأسه نارا.
(قلت): وفيه نظر؛ لأن الإطناب: تأدية المراد بزيادة لفظ، والمراد من التشبيه بعلم فوقه نار، غير المراد من التشبيه بالعلم فقط، فلم يحصل بقولها: فوقه نار إطناب. ولو كان هذا إطنابا لكان ذكر الصفة المخرجة فى قولك: أكرم رجلا عالما إطنابا، إلا أن يقال: لم يرد إلا مطلق الهداية، وفيه بعد. وهذا قريب مما سبق فى قول المتنبى:
ولا خير فيها للشجاعة والندى (2)
(1) البيت من البسيط، وهو للخنساء فى ديوانها ص 386، وجمهرة اللغة ص 948، وتاج العروس 10/ 292 (صخر)، ومقاييس اللغة 4/ 109.
(2)
البيت من الطويل وهو لأبى الطيب المتنبى فى شرح ديوانه (2/ 73) الكتب العلمية، وأورده محمد بن على الجرجانى فى الإشارات ص 43.
وتحقيق التشبيه فى قوله (1)[من الطويل]:
كأنّ عيون الوحش حول خبائنا
…
وأرحلنا الجزع الّذى لم يثقّب
وقيل: لا يختصّ بالشعر؛ ومثّل بقوله تعالى: اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (2)
ــ
وكذلك تكون النكتة تحقيق التشبيه فى قول امرئ القيس:
كأنّ عيون الوحش حول خبائنا
…
وأرحلنا الجزع الّذى لم يثقّب (3)
(قلت): وفيه النظر السابق، فإن المعنى لا يتم بدونه، لأن الذى لم يثقب، لم يتم المعنى بدونها لأنها مقصودة فى التشبيه. أو يقال: أريد بقوله: الجزع غير المثقب، فيكون قسما من الإيضاح بعد الإبهام لا قسيما.
ثم نقول: ليس إيضاحا بعد إبهام؛ لأن الإيضاح بعد الإبهام أن يقصد الإبهام أولا، ثم يقصد الإيضاح لغرض الإبراز فى صورتين. وهذا أريد بالجزع فيه غير المثقب، ثم اقتصر عليه، فكان إيجازا. فلما قال: لم يثقب، صار مساواة. وقيل: إن الإيغال لا يختص بالشعر، كذا عبارة المصنف. والصواب: لا يختص به الشعر، فعلى هذا يرسم بأنه ختم الكلام بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها، كقوله سبحانه: اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (4) لأن المقصود حث السامعين على الاتباع، ففى وصفهم بالثانى زيادة مبالغة على اتباع الناس لهم، من ذكر كونهم مرسلين.
(قلت): وإذا كان الإيغال، إما زيادة المبالغة، أو تحقيق التشبيه، فما الموجب للقول بأنه لا يكون إلا فى الشعر؟ وهلا قطع بكونه فى الشعر والنثر؛ لأن فى القرآن من ذلك ما لا يكاد ينحصر؟ إلا أن هذا اصطلاح لا مشاحة فيه.
(1) الجزع: الخرز اليمانى الذى فيه سواد وبياض.
(2)
سورة يس: 21.
(3)
البيت من الطويل وهو لامرئ القيس فى ديوانه ص 53، ولسان العرب 8/ 48 (جزع)، وأساس البلاغة ص 58، (جزع)، وكتاب العين 1/ 216، وتاج العروس 20/ 434 (جزع).
(4)
سورة يس: 20، 21.
وإما بالتذييل؛ وهو تعقيب الجملة بجملة أخرى تشتمل على معناها للتأكيد، وهو ضربان:
ضرب لم يخرّج مخرج المثل؛ نحو: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (1) على وجه.
وضرب أخرج مخرج المثل؛ نحو: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (2)
ــ
ص: (وإما بالتذييل إلى آخره).
(ش): يكون الإطناب بالتذييل، وهو أن يأتى بجملة عقب جملة، والثانية تشتمل على معنى الأولى، وهو ضربان: ضرب منه لا يستقل بنفسه بإفادة المراد، بل يتوقف فى إعادته على ما قبله، كقوله تعالى: جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ يجازى إِلَّا الْكَفُورَ (قوله: على وجه) أى: إنما تكون هذه الآية مثالا على وجه، وهو أن المعنى: وهل يجازى ذلك الجزاء إلا الكفور؟ وقال فى الإيضاح: وذكر الزمخشرى فيه وجها آخر أن الجزاء فيه عام لكل مكافأة يستعمل تارة فى معنى المعاقبة، وأخرى فى معنى الإثابة.
فلما استعمل فى معنى المعاقبة فى قوله سبحانه: جَزَيْناهُمْ بمعنى: عاقبناهم قيل:
وهل يجازى إلا الكفور، بمعنى: وهل يعاقب؟ فعلى هذا يكون من الضرب الثانى.
(قلت): فيما قاله المصنف نظر؛ لأن:" وهل يجازى إلا الكفور" على التقديرين من الضرب الأول؛ لأنها لا تستقل بنفسها. إما لأن المراد وهل يجازى ذلك الجزاء أى:
العقاب الأشد على الأول، وإما وهل يجازى ذلك الجزاء الذى هو العقوبة. فالذى قاله المصنف لا وجه له؛ ولهذا قال الزمخشرى بعد ذكر الوجه الثانى: إنما أراد الجزاء الخاص، وهو العقاب.
والضرب الثانى ما خرج مخرج المثل لاستقلاله بنفسه كقوله تعالى: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً.
(قلت): وقد يقال: ليس هذا إطنابا؛ لأن فى الثانية شيئا مرادا لم تتضمنه الأولى، وهو كون الباطل زهوقا، وهو يعطى المبالغة؛ لكونه اسما يدل على الثبوت، ولصيغته
(1) سورة سبأ: 17.
(2)
سورة الإسراء: 81.
وهو - أيضا - إمّا لتأكيد منطوق؛ كهذه الآية. وإما لتأكيد مفهوم؛ كقوله [من الطويل]:
ولست بمستبق أخا لاتلمّه
…
على شعث أىّ الرّجال المهذّب (1)
ــ
وهو فعول الدالة على المبالغة، فقد اشتملت على معنى زائد، لا على معنى الأولى فقط.
قال المصنف فى الإيضاح: وقد اجتمع الضربان فى قوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ (2) فإن: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ من الأول وكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ من الثانى. ثم قال: (وهو أيضا) أى والتذييل أو الضرب الثانى، وفيه بعد؛ لأن الضرب الأول تطرقه هذا التقسيم أيضا، إما لتأكيد مفهوم كقول النابغة الذبيانى:
ولست بمستبق أخا لا تلمّه
…
على شعث أىّ الرّجال المهذّب (3)
لأن صدر البيت دل بمفهومه على نفى الكامل، فحقق ذلك بقوله: أى الرجال المهذب؟ لأنه استفهام بمعنى النفى.
(قلت): وفى دعوى أن صدره دل على نفى الكامل بالمفهوم نظر؛ لأن معنى النصف الأول: لا يدوم لك ود من لا تلم شعثه، سواء أكان له شعث، أو لم يكن، بل كان كاملا. فكأنه قال: من لم ترض بعيوبه، لا يحصل لك وده. وذلك لا يلزم منه، أنه لا وجود للكامل.
(1) البيت للنابغة ديوانه ص 66، أورده محمد بن على الجرجانى فى الإشارات ص 160 وهو من قصيدة يعتذر فيها للنعمان بن المنذر ويمدحه مطلعها:
أتانى - أبيت اللعن - أنك لمتنى *
…
وتلك التى أهتم منها وأنصب
الشعث: التفرق وذميم الخصال.
(2)
سورة الأنبياء: 34، 35.
(3)
البيت من الطويل وهو للنابغة الذبيانى فى ديوانه ص 28، ولسان العرب 2/ 161 (شعث)، 14/ 81 (بقى)، وتهذيب اللغة 1/ 406، 6/ 266، 9/ 348، وكتاب العين 5/ 230، وجمهرة اللغة ص 308، وجمهرة الأمثال 1/ 188، وفصل المقال ص 44، والمستقصى 1/ 450، ومجمع الأمثال 1/ 23، ومقاييس اللغة 1/ 277، وأساس البلاغة ص 27 (بقى) وتاج العروس (بقى).
وإما بالتكميل، ويسمى الاحتراس - أيضا - وهو أن يؤتى فى كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفعه؛ كقوله من [الكامل]:
فسقى ديارك غير مفسدها
…
صوب الرّبيع وديمة تهمى
ونحو: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ (1).
ــ
ص: (وإما بالتكميل إلى آخره).
(ش): التكميل ويسمى الاحتراس أيضا، وهو أن يؤتى فى كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفع ذلك التوهم. وهو ضربان: ضرب يتوسط الكلام أى: يقع بين المسند والمسند إليه، نحو قول طرفة يمدح قتادة:
فسقى ديارك غير مفسدها
…
صوب الرّبيع وديمة تهمى (2)
لأن قوله: فسقى ديارك صوب الربيع، يفهم منه أن المراد: سقاها ما لا يفسد؛ ولكن الإطلاق قد يوهم ما هو أعم، أو أنه دعاء عليه، فصرف هذا الوهم بقوله: غير مفسدها، ولهذا عيب على القائل:
ألا يا اسلمى يا دارمىّ على البلى
…
ولا زال منهلّا بجرعائك القطر (3)
حيث لم يأت بهذا القيد، والعيب عليه عيب؛ لأن البيت موافق لقوله سبحانه وتعالى: يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (4) وضرب يقع فى آخره، كقوله سبحانه:
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ لنفى ذلك، لا يقال: أعزة على
(1) سورة المائدة: 54.
(2)
البيت من الكامل وهو لطرفة بن العبد فى ديوانه ص 88، وتخليص الشواهد ص 231، والدرر 4/ 9، ومعاهد التنصيص 1/ 362، وبلا نسبة فى لسان العرب 15/ 365 (همى)، وهمع الهوامع 1/ 241.
(3)
البيت من الطويل هو لذى الرمة فى ديوانه ص 559، والإنصاف 1/ 100 وتخليص الشواهد ص 231، 232، والخصائص 2/ 287، والدرر 2/ 44، 4/ 61، وشرح التصريح 1/ 185، وشرح شواهد المغنى 2/ 617، والصاحبى فى فقه اللغة ص 232، واللامات ص 37، ولسان العرب (يا) ومجالس ثعلب 1/ 42، والمقاصد النحوية 2/ 6، 4/ 285، وبلا نسبة فى أوضح المسالك 1/ 235، وجواهر الأدب ص 290، والدرر 5/ 117، وشرح الأشمونى 1/ 178، وشرح ابن عقيل ص 136، وشرح عمدة الحافظ ص 199، وشرح قطر الندى ص 128، ولسان العرب 15/ 434 (ألا)، ومغنى اللبيب 1/ 243، 1/ 111، 2/ 4، 70.
(4)
سورة هود: 52.
وإما بالتتميم، وهو أن يؤتى فى كلام لا يوهم خلاف المقصود بفضلة، لنكتة؛ كالمبالغة؛ نحو: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ (1) فى وجه، أى: مع حبه.
ــ
الكافرين، أفاد معنى جديدا؛ لأن القول هو إطناب لما قبله من حيث رفع توهم غيره، وإن كان له معنى فى نفسه.
ص: (وإما بالتتميم إلى آخره).
(ش): التتميم: أن يؤتى فى كلام لا يوهم غير المراد بفضلة تفيد نكتة، كالمبالغة فى نحو قوله سبحانه وتعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ فى وجه أى: مع حبه، والضمير للطعام أى: مع اشتهائه، وكذلك: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ (2) وقيل: المراد على حب الله، فلا يكون مما نحن فيه؛ لأن الإطعام على حب الله، ليس أبلغ من الإطعام لا بهذا القيد.
(قلت): فيه نظران:
أحدهما - أنه قد يقال: إن على حبه يفيد فائدة زائدة، وهى الإطعام مع الحب. فإما أن يقال: ليس هذا مبالغة، بل تضمن فائدة جديدة؛ لأن مطلق الإطعام لم يفده بهذا القيد، إلا أن يجاب بأن إفادته إفادة جديدة، لا ينافى أنه إطناب لما قبله، وإما أن يقال: مطلق الإطعام يحتمل أن يكون مع حبه أولا، فهو يوهم أن لا يكون مع الحب، وهذا احتمال مساو، والوهم يحصل بالمساوى، بل بالمرجوح، وحينئذ فيكون من قسم التكميل. وليت شعرى: أى فرق فى اللغة بين التكميل والتتميم وهما شئ واحد؟
والثانى - أن هذا قريب من الإيغال، أو هو هو، على أنه يمكن أن يقال: فرق بين التكميل والتتميم لغة، فالتكميل استيعاب الأجزاء التى لا توجد الماهية المركبة إلا بها. والتتميم قد يكون بما وراء الأجزاء من زيادات يتأكد بها ذلك الشئ الكامل، ويستأنس لذلك بقوله تعالى: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ (3) أى لم تنقص أجزاؤها وقوله: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ (4) روى إتمامهما أن تحرم من دويرة أهلك، وهو وصف فيه زيادة على الأجزاء فإن ماهيتى الحج والعمرة توجدان دونه، وقد جمع بينهما فى قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ
(1) سورة الإنسان: 8.
(2)
سورة البقرة: 177.
(3)
سورة البقرة: 196.
(4)
سورة البقرة: 196.
وإما بالاعتراض، وهو أن يؤتى فى أثناء كلام أو بين كلامين متصلين [ب] معنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب،
ــ
عْمَتِي (1) لما كانت أركان الدين وجد منها الجزء الأخير إذ ذاك، استعمل فيه لفظ الكمال. ولما كانت نعم الله حاصلة للمؤمنين قبل ذلك اليوم غير ناقصة، استعمل فيها الإتمام لأنه زيادة على نعم الله التى كانت قبل ذلك كاملة. فإن تم هذا، ظهر وجه تسمية الأول بالتكميل؛ لأنه يدفع إيهام غير المراد، وذلك كالجزء من المراد، لأن الكلام إذا أوهم خلاف المراد، كان كالذى دلالته ناقصة بخلاف التتميم.
ص: (وإما بالاعتراض إلى آخره).
(ش): الإطناب يكون أيضا بالاعتراض فى أثناء كلام، أو بين كلامين متصلين معنى أى: يكون اتصالهما معنويا، سواء أكان لفظيا، أو لا بجملة، أو أكثر، لا محل لها من الإعراب لنكتة سوى دفع الإيهام أى: الذى ذكر فى التكميل.
وقول المصنف: (لا محل لها من الإعراب) اعتراض، وتقرير كلامه بجملة لا محل لها من الإعراب، أو أكثر كذلك وكون الواقع بين الكلامين المتصلين معنى لا لفظا جملة اعتراضية هو اصطلاح أهل المعانى، لنظرهم إلى المعنى. أما النحاة فلا يسمونها اعتراضية، حتى يكون ما قبلها وما بعدها، بينهما اتصال لفظى. والزمخشرى يكثر منه ذكر الاعتراض فى شئ بين كلامين، بينهما اتصال معنوى، فيعترض عليه النحاة، بأنه ليس ذلك باعتراض. ولا اعتراض عليه، لأنه يمشى على اصطلاح أهل هذا العلم ما أمكنه.
وقول المصنف: (أو أكثر) هو صحيح فيما وقع بين كلامين بينهما اتصال معنوى فقط. فإن كان بينهما اتصال لفظى، فكذلك عند الجمهور، خلافا لأبى على، ودليل الجواز قول زهير:
لعمرك والخطوب مغيرات
…
وفى طول المعاشرة التغالى
لقد باليت مظعن أمّ أوفى
…
ولكنّ أمّ أوفى لا تبالى (2)
(1) سورة المائدة: 3.
(2)
البيتان من الوافر: وهما لزهير بن أبى سلمى فى ديوانه ص 342، وكتاب العين 1/ 248، وشرح شواهد المغنى 2/ 821، واللامات ص 84، وبلا نسبة فى مغنى اللبيب 2/ 395.
لنكتة سوى دفع الإيهام؛ كالتنزيه فى قوله تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (1)، والدعاء فى قوله [من السريع]:
إنّ الثّمانين وبلّغتها
…
قد أحوجت سمعى إلى ترجمان (2)
والتنبيه فى قوله (3)[من الكامل أو السريع]:
واعلم فعلم المرء ينفعه
…
أن سوف يأتى كلّ ما قدرا
ــ
هذا عند النحاة، وسنتكلم عليه آخر الكلام - إن شاء الله تعالى - وأما البيانيون فاعتراض أكثر من جملتين عندهم إذا لم يكن بين الكلام اتصال لفظى، فإنه الاعتراض عنده. ثم أخذ المصنف فى تفصيل نكت الاعتراض، فقال: كالتنزيه أى: إرادة تنزيه الله سبحانه وتعالى فى قوله: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ فسبحانه هنا تضمنت تنزيها لله تعالى عن البنات. وكالدعاء فى قول عوف بن محلم الشيبانى:
إنّ الثّمانين وبلّغتها
…
قد أحوجت سمعى إلى ترجمان
وينبغى أن يذكر نكتة اقتضت الإطناب فإرادة التنزيه فى سبحانه تقضى بشناعة جعل البنات لله تعالى، ففيه تأكيد وتسديد. والدعاء بالثمانين فيه تأكيد لتحقيق مقالته؛ لأنه إذا بلغ الثمانين صدقه فى احتياج سمعه إلى ترجمان. وإن كان قيل: إن هذه الجملة، ليس فيها تسديد للكلام، إلا بهذه الطريق الموهمة للدعاء عليه بالصيرورة إلى ضعف سمعه، واحتياجه لترجمان. وهذا سؤال ذكره الشيخ عز الدين بن عبد السّلام، ورأيت التنوخى سبقه إليه. وبالجملة ما اقتصر المصنف عليه من إرادة التنزيه والدعاء، لا يقضى بالاعتراض إلا بهذه الضميمة. وكالتنبيه فى قول الشاعر:
واعلم فعلم المرء ينفعه
…
أن سوف يأتى كلّ ما قدرا (4)
(1) سورة النحل: 57.
(2)
البيت لعوف بن محلم الشيبانى أورده محمد بن على الجرجانى فى الإشارات ص 163.
(3)
أورده محمد بن على الجرجانى فى الإشارات ص 163.
(4)
البيت من الكامل، وهو بلا نسبة فى الدرر 4/ 30، وشرح شواهد المغنى 2/ 828، وشرح ابن عقيل ص 195، ومعاهد التنصيص 1/ 377، ومغنى اللبيب 2/ 398، والمقاصد النحوية 2/ 313، وهمع الهوامع 1/ 348.
ومما جاء بين كلامين وهو أكثر من جملة: قوله تعالى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ (1)؛ فإن قوله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ بيان لقوله: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
ــ
وينبغى أن يقال: النكتة أن الإخبار بأن علم المرء ينفعه فيه تأكيد لامتثال الأمر فى قوله: اعلم. زاد المصنف فى الإيضاح: أنه قد يكون لتخصيص أحد مذكورين بزيادة التأكيد فى أمر علق بهما، نحو: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ (2) أو للاستعطاف، كقول المتنبى:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه
…
يا جنتى، لرأيت فيه جهنما (3)
أو التنبيه على سبب أمر غريب، كقول الشاعر:
فلا هجره يبدو وفى اليأس راحة
…
ولا وصله يبدو لنا فنكارمه
فإن قوله: فلا هجره يبدو يشعر بطلب هجر الحبيب، وهو مستغرب حتى ذكر سببه، وهو أن اليأس راحة فهى المطلوبة، لا أن الهجر نفسه مقصود، وفيه نظر. قد يقال: إن هذا من قسم التكميل؛ لأن فيه دفع إيهام أن يكون الهجر لنفسه مقصودا، ثم قال المصنف:
ومما جاء بين كلامين، وهو أكثر من جملة أيضا، قوله تعالى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فإن قوله تعالى:
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ متصل بقوله: فَأْتُوهُنَّ لأنه بيان له.
(قلت): وفى قول المصنف: أن فيه اعتراض أكثر من جملة نظر؛ لأن المراد بقولنا أكثر من جملة: أن لا تكون إحداهما معمولة للأخرى، وإلا فهما فى حكم جملة واحدة.
وقوله تعالى: يُحِبُّ التَّوَّابِينَ خبر إن (4)، فلا يكون مع ما قبله جملتين معترضتين، وكذلك قوله تعالى: يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ معطوف على الخبر، وفيما ذكره المصنف شبه من قول الزمخشرى فى قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (5) إن فى هذه الآية الكريمة سبع جمل معترضة:
(1) سورة البقرة: 222 - 223.
(2)
سورة لقمان: 14.
(3)
البيت لأبى الطيب المتنبى فى شرح التبيان 2/ 328.
(4)
لعله مقدم عن محله والظاهر أنه بعد على الخبر اه. كتبه مصححه.
(5)
سورة الأعراف: 96.
وقال قوم: قد تكون النكتة فيه غير ما ذكر.
ــ
جملة الشرط، واتقوا، وفتحنا، وكذبوا، وأخذناهم، وكانوا يتقون. هكذا نقل عنه أبو حيان، وابن مالك، ولم أره فى كلام الزمخشرى، وفيه نظر، أما على قواعد هذا العلم، فينبغى أن يعد هذا كله جملة واحدة لارتباط بعضه ببعض. وأما على رأى النحاة فينبغى أن يكون: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا جملة واحدة؛ لأن جملة" واتقوا" معطوف على خبر أن، و" لفتحنا" جملة ثانية. أو يقال: هما جملة واحدة، لارتباط الشرط بالجزاء لفظا، ولكن كذبوا ثانية، أو ثالثة، و" أخذناهم" ثالثة، أو رابعة. و" بما كانوا يكسبون" متعلق بأخذناهم، ولا يعد اعتراضا. نعم جوزوا فى قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ (1) أن تكون حالا من قوله تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (2) فيلزم أن يكون اعترض فيه بسبع جمل مستقلات إن كان" ذواتا أفنان" خبر مبتدأ محذوف، وإلا فيكون ست جمل وهذا مثال حسن لا غبار عليه، ومن أحسن ما يمثل به اعتراض أكثر من جملة على قاعدة هذا العلم قوله تعالى: وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ (3) فإنها ثلاث جمل معترضة، بين: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وقوله سبحانه وتعالى: وَقِيلَ بُعْداً وفيه اعتراض فى اعتراض، فإن:" وقضى الأمر" معترض بين:" غيض الماء" وبين" استوت". ولا مانع من وقوع الاعتراض فى الاعتراض عند البيانيين، بل على قواعد النحاة أيضا، قال تعالى: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (4) فهذا اعتراض فى اعتراض نحوى، والذى قبله اعتراض فى اعتراض بيانى.
ثم قال المصنف: وقال قوم قد تكون النكتة فيه أى الاعتراض غير ما ذكر، بأن يراد به دفع توهم ما يخالف المقصود، ثم هؤلاء فرقتان: جوز بعضهم وقوعه آخر الكلام، أى فى آخر جملة لا يليها جملة أخرى متصلة بها معنى. أما لأنها ليس بعدها شئ، أو لأن بعدها ما لا يتصل بما قبلها. قال المصنف: وبهذا يشعر كلام الزمخشرى فى مواضع من كشافه، فالاعتراض عند هؤلاء يشمل التذييل.
(قلت): قوله: يشمل التذييل فيه نظر؛ فإنه إنما يشمل من التذييل على هذا ما لا محل له من الإعراب، والتذييل قد يكون له محل، فإن المصنف مثل له فى الإيضاح بقول أبى الطيب:
وما حاجة الأظعان حولك فى الدّجى
…
إلى قمر ما واجد لك عادمه
(1) سورة الرحمن: 54.
(2)
سورة الرحمن: 46.
(3)
سورة هود: 44.
(4)
سورة الواقعة: 76.
ثم جوّز بعضهم وقوعه آخر جملة لا تليها جملة متصلة بها؛ فيشمل التذييل، وبعض صور التكميل. وبعضهم كونه غير جملة؛ فيشمل بعض صور التتميم والتكميل.
وإما (1) بغير ذلك؛ كقوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ (2)؛ فإنه لو اختصر، لم يذكر: وَيُؤْمِنُونَ بِهِ لأن إيمانهم لا ينكره من يثبتهم، وحسّن ذكره إظهار شرف الإيمان؛ ترغيبا فيه.
ــ
قوله: ما واجد لك عادمه، جملة لها محل الجر على النعت لقمر، وأما قوله تعالى:
إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (3) فلا محل لها باعتبار الكلام المحكى، وإن كان لها محل النصب بالقول، فلا اعتبار بذلك فيما نحن فيه.
ثم قال المصنف: وبعض صور التكميل، أى: يشمل من التكميل ما لا محل له من الإعراب، ولا يشمل ما له محل؛ لأن الاعتراض لا محل له. قال فى الإيضاح: ويباين التتميم؛ لأن التتميم كما سبق فضلة، والفضلة لا بد أن يكون لها محل من الإعراب، وأن شرطنا فى التتميم أن لا يكون جملة ما وضح لكن ليس فى كلامه تصريح باشتراط أن يكون مفردا.
(قوله: وبعضه) أى وبعضهم جوز أن يكون الاعتراض غير جملة. كذا أطلقه هنا، وقيده فى الإيضاح بأن يكون فى أثناء الكلام. وعلى هذا القول يشمل الاعتراض بعض صور التتميم، وهو ما كان واقعا فى أثناء كلام، أو بين كلامين متصلين. ويشمل بعض التكميل، وهو الضرب الأول منه إذا لم يكن له محل، جملة كان، أم أقل أم أكثر. قال فى الإيضاح: ويباين التذييل (4). وفيه نظر؛ لأن التذييل ليس من شرطه أن لا يكون بعده كلام آخر، له اتصال معنوى بما قبله.
ص: (وإما بغير ذلك).
(ش): أى: يكون الإطناب بغير المذكور كقوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ فإن إيمانهم ليس مما ينكره أحد. وحسن ذكره إظهار شرف الإيمان؛ ترغيبا فيه.
(1) وقوله: وإما بغير ذلك عطف على قوله: إما بالإيضاح بعد الإبهام فى أول حديث المصنف عن الاطناب.
(2)
سورة غافر: 7.
(3)
سورة الإسراء: 81.
(4)
قوله: قال فى الإيضاح: ويباين إلخ ليس فيما بيدنا من ننسخه.
واعلم: أنه قد يوصف الكلام بالإيجاز والإطناب باعتبار كثرة حروفه وقلّتها، بالنسبة إلى كلام آخر مساو له فى أصل المعنى؛ كقوله [من الطويل]:
يصدّ عن الدّنيا إذا عنّ سؤدد
…
ولو برزت فى زىّ عذراء ناهد (1)
وقوله [من الطويل]:
ولست بنظّار إلى جانب الغنى
…
إذا كانت العلياء فى جانب الفقر (2)
ويقرب منه قوله تعالى: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (3)
ــ
ص: (واعلم أنه قد يوصف الكلام إلى آخره).
(ش): قد يوصف الكلام بالإيجاز والإطناب معا باعتبار كثرة حروفه وقلتها بالنسبة إلى كلام آخر، يحتمل أن يريد بالنسبة إلى كلامين آخرين مساويين له فى المعنى، حتى يكون موجزا بالنسبة إلى أحدهما، مطنبا بالنسبة إلى الآخر، كقول أبى تمام:
يصدّ عن الدّنيا إذا عنّ سؤدد
…
ولو برزت فى زىّ عذراء ناهد
فإن البيت فيه إطناب بنصفه الثانى، وفيه إيجاز بنصفه الأول، لأنه يعطى معنى ما جعله أبو على الحسن الكاتب فى بيت، وهو:
ولست بنظّار إلى جانب الغنى
…
إذا كانت العلياء فى جانب الفقر
ويحتمل أن يريد أن الكلامين يعتبر أحدهما بالآخر من غير اعتبار كلام الأوساط، بل الأقل. وكان المصنف مستغنيا عن ذكر هذا بقوله فيما تقدم عن السكاكى، أن الاختصار قد يكون باعتبار أن الكلام خليق بأبسط منه، ثم قال المصنف: ويقرب منه قوله تعالى: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ بالنسبة إلى قول الحماسى، وهو الجلاح عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثى:
(1) البيت لأبى تمام.
(2)
البيت لأبى سعيد المخزومى.
(3)
سورة الأنبياء: 23.
وقول الحماسى [من الطويل].
وننكر إن شئنا على النّاس قولهم
…
ولا ينكرون القول حين نقول (1)
ــ
وننكر إن شئنا على النّاس قولهم
…
ولا ينكرون القول حين نقول
وقد عزى هذا البيت للسموأل بن عاديا، قيل: ولا يصح، لأنه ورد فى هذه القصيدة:
وما مات منا سيد حتف أنفه
وقد أجمعوا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسبق إلى قوله: حتف أنفه، والسموأل جاهلى.
فإن الآية الكريمة وجيزة. وإنما قال: يقرب منه، لأن الآية الكريمة فى السؤال، والبيت فى الإنكار، فلما لم يتواردا على شئ واحد، ولكن كان عدم السؤال يستلزم عدم الإنكار، كانت الآية الكريمة أبلغ فى الثناء، لاستلزامها ترك الإنكار من باب أولى والله أعلم.
(تم الفن الأول ويليه الفن الثانى)
(1) البيت للسموأل اليهودى.