الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا بدّ له من قرينة:
لفظيّة: كما مرّ.
أو معنويّة: كاستحالة قيام المسند بالمذكور:
عقلا: كقولك: محبّتك جاءت بى إليك.
أو عادة: نحو: هزم الأمير الجند.
وكصدوره عن الموحّد فى مثل [من المتقارب]:
أشاب الصّغير
…
ــ
وهو غير المراد فإن زيدا قد يكون له صفات من دين وعلم وغير ذلك، فإن تخيل متخيل صحة ذلك قال: معنى اختصاص زيد بالمال أن المال لا يخرج عن ملكه، ومعنى اختصاص المال بزيد أن زيدا لا يخرج عن أن يكون مالكا له، ولا ينفى ذلك أن يكون له صفات أخرى لا تنافى ملكه للمال، قلنا له: فما تصنع بقولهم: التخصيص إفراد بعض الشئ بما لا يشاركه فيه الجملة؟ فإذا قلت: خصصت المال بزيد كان معناه إفراد المال بما لا يشاركه فيه غير المال، ويلزم فى ذلك نفى غير المال، من صفات زيد، ثم إنه يلزم أن يكون مدلول اختص الثوب بزيد أن زيدا لا يفارقه أبدا، فلا يزال مالكا له، وهذا وإن كان صحيحا فى نفسه فلا شك أنه معنى آخر، غير قولك: اختص زيد بالثوب، وإنما نبهت على ذلك؛ لأنه وقع التساهل فى عبارات كثير من الأكابر عن غير قصد، وقد كثر ذكر هذه العبارة مقلوبة فى كلام ابن الحاجب، وابن مالك، والسكاكى، والمصنف، حتى فى عبارة سيبويه، وهذا أول موطن ذكرها فيه مقلوبة، فإنه قال: غير مختص بالخبر وصوابه غير مختص به الخبر، وسترى فى عبارة المصنف كثيرا منه، فعليك باعتباره، ولقد كثر الغلط فى ذلك حتى رأيت بعض المصنفين فى هذا العلم إذا وجدوا العبارة على السداد يتوهمون أنها مقلوبة، وأشكل على شراح المفتاح مواضع، وإنما نشأ لهم ذلك عن قلب العبارة فليتأمل.
أهمية القرينة للمجاز الإسنادى:
ص: (ولا بد من قرينة
…
إلخ)
(ش): أى لا بد للمجاز الإسنادى من قرينة، إما لفظية؛ كما تقدم من قول أبى النجم:
(أفناه قيل الله) فإنه قرينة صرفت اللفظ إلى مجازه، أو قرينة معنوية، كاستحالة قيام المسند بالمذكور عقلا، أى
بالمسند إليه، ودخل فيه الصفات الحقيقية كالعلم، والجهل، والإضافية، كالقرب، والبعد، ونحو الموت أيضا، وكذلك ذكر فى الإيضاح كاستحالة صدوره من
ومعرفة حقيقته:
إمّا ظاهرة: كما فى قوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ (1) أى: فما ربحوا فى تجارتهم.
وإمّا خفيّة: كما فى قولك: سرّتنى رؤيتك، أى: سرّنى الله عند رؤيتك، وقوله [من مجزوء الوافر]:
إذا ما زدته نظرا (2)
…
يزيدك وجهه حسنا
أى: يزيدك الله حسنا فى وجهه.
ــ
المسند إليه، أو قيامه به، ليدخل ذلك كله. وقوله: كقولك: محبتك جاءت بى إليك الباء فيه للتعدية، أى محبتك أحضرتنى، وإنما أتت به نفسه، كذا فى الإيضاح، ويصح أن يقال: إنما أتى به الله تعالى وقوله: (أو عادة) أى استحالة عادة نحو: هزم الأمير الجيش، وبنى المدينة؛ لأن العادة أنه لا يفعل ذلك وحده. وقوله: وصدوره عن الموحد فى مثل: (أشاب الصغير) يعنى أن العلم بأن قائل ذلك البيت موحد قرينة صرفت الإسناد إلى المجاز.
(قلت): وهذا القسم هو الأول؛ لأن العقل يقضى باستحالة صدور الإشابة والإفناء من غيره عز وجل، فأى فرق بين هذا وبين الأول؟ ثم لا نسلم أن القرينة هنا غير لفظية؛ لأن تلك القصيدة فى بعض أبياتها ذكر النبى فهو قرينة لفظية، كبيت أبى النجم، أنشد صاحب التتمة فى أولها:
على دين صدّيقنا والنّبى (3)
…
فملّتنا أنّنا مسلمون
فإن قلت: قد تقدم من المصنف أن ذلك البيت لم يحمل على المجاز، قلت: ليس كذلك، بل الذى تقدم أن نحو ذلك البيت لا يحكم عليه بالتجوز ما لم يعلم أن قائله أراد معناه، وقد علم.
ص: (ومعرفة حقيقته
…
إلخ).
(ش): معرفة حقيقته أى حقيقة المجاز الإسنادى إما أن يريد معرفة وجوده، أو معرفة كيفية ملابسته، إما ظاهرة أى واضحة، أو خفية، والمعرفة لا توصف بالظهور
(1) البقرة: 16.
(2)
البيت لأبى نواس الشاعر، أورده فخر الدين الرازى فى نهاية الإيجاز ص 177 بلا عزو.
(3)
البيت فى شرح عقود الجمان 1/ 48 من إنشاء صاحب اليتيمة فى أولها.
وأنكره (1) السكاكىّ؛ ذاهبا إلى: (أنّ ما مرّ ونحوه استعارة بالكناية؛ على أنّ المراد بالربيع الفاعل الحقيقىّ؛ بقرينة نسبة الإنبات إليه، وعلى هذا القياس غيره):
وفيه نظر (2):
أ - لأنه يستلزم أن يكون المراد ب عيشة فى قوله تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (3): صاحبها؛ كما سيأتى.
- ألّا تصحّ الإضافة فى نحو: نهاره صائم خ خ؛ لبطلان إضافة الشئ إلى نفسه.
- وألّا يكون الأمر بالبناء لهامان.
- وأن يتوقّف نحو: أنبت الربيع البقل على السمع.
واللوازم كلّها منتفية.
ب - ولأنه ينتقض بنحو: نهاره صائم خ خ؛ لاشتماله على ذكر طرفى التشبيه.
ــ
والخفاء باعتبار نفسها، بل باعتبار سهولة تحصيلها وعسره، فإنها قد تدرك بالبديهة، أو بأدنى تأمل، فتسمى ظاهرة، وقد تحتاج لطول نظر فتكون خفية، ومثل الظاهرة بقوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ (4) أى فما ربحوا فى تجارتهم، والخفية كقولك:
(سرتنى رؤيتك) أى سرنى الله عندها، وهو من الإسناد إلى الظرف المجازى أو من الإسناد بملابسة السبب؛ لأن الرؤية سبب السرور، وكذلك قول أبى نواس:
إذا ما زدته نظرا (5)
…
يزيدك وجهه حسنا
أى يزيدك الله حسنا فى وجهه كذا قاله المصنف.
(قلت): لكن يلزم منه حمل حسنا على استحسانا، فإن الذى ازداد حسنا هو الوجه لا الناظر، ويحتمل أن يقال فيه: إنه على السببية، أى بسبب وجهه، وملابسة هذا بالظرفية كالذى قبله.
(قوله: وأنكره السكاكى) قال السكاكى: الذى عندى نظمه فى سلك الاستعارة بالكناية فى قولهم: أنبت الربيع البقل إلخ، وأورد عليه المصنف ما أورده، وفيه نظر؛ أما
(1) أى: أنكر السكاكى المجاز العقلى.
(2)
أى: فيما ذهب إليه السكاكى نظر.
(3)
القارعة: 7.
(4)
سورة البقرة: 16.
(5)
البيت لأبى نواس فى ديوانه ص 35، ط. بيروت، والتلخيص ص 13، وشرح عقود الجمان 1/ 49، والأغانى 25/ 41، والمفتاح ص 211، والتبيان للطيبى 1/ 322، وبلا نسبة فى نهاية الإيجاز ص 177، والإيضاح ص 36.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: إنه يلزم أن يكون المراد بعيشة فى قوله: عِيشَةٍ راضِيَةٍ (1) صاحبها فليس كذلك، بل لنا فى تصحيح كلامه طريقان:
إحداهما: أن راضية فى معنى الصفة الجارية على غير من هى له فى المعنى، لا من حيث الصناعة، كأنه قال: راض صاحبها، لا على أحد التقادير السابقة، فإن ذلك تقدير لفظى، وهذا معنوى، فإنا نجعل الإسناد إلى ضمير العيشة، وهى صفة جارية فى اللفظ على العيشة، وفى المعنى على صاحبها، والمعنى فى عيشة رضى صاحبها، فضمير راضية يعود على العيشة، وهو استعارة بالكناية، والمسند وهو اسم الفاعل استعارة تخييلية، قارنت المكنية، فإن قلت: كان السكاكى مستغنيا عن هذا بأن يجعل الإسناد إلى صاحبها الحقيقى، كما هو أحد التقادير السابقة، ولا حاجة إلى الاستعارة بالكناية، قلت: تفوت المبالغة المقصودة.
الثانية: أنه يلتزم ما ذكره المصنف، وأن المراد بعيشة صاحبها، ولا يلزم أن يكون الشئ فى نفسه، ويجعل العيشة وضميرها المستتر فى راضية، أريد بهما صاحب العيشة، فتكون العيشة استعارة بالكناية، والمسند فى راضية استعارة تخييلية، ولا بدع أن يكون صاحب العيشة الحقيقى فى صاحبها المجازى على سبيل الاستعارة للمبالغة، فإن قلت:
المصنف لا يرى أن الاستعارة بالكناية أريد بها غير موضوع اللفظ، فكيف يقول: يلزم السكاكى أن يكون المراد بعيشة صاحبها؟ قلت: ألزمه برأيه؛ لأن السكاكى يرى أن الاستعارة بالكناية مجاز، بإطلاق لفظ المشبه، وإرادة المشبه به، مدعيا أن المشبه به فرد من أفراد المشبه، وقد خبط كثير من الناس فى هذا المكان، والتحقيق ما قلناه، والله تعالى أعلم. على أن الجزرى اعترض عليه فى إلزامه أن المراد بعيشة صاحبها، بأن قال:
يلزم ذلك، فإن الزمخشرى ذكره، وهو وهم؛ لأن التزام ذلك التزام للمحال، إذ يلزم أن يكون الشئ فى نفسه، ولا يصح التزام ذلك إلا بالطريق التى ذكرناها، والزمخشرى لم يذكر أن المراد بعيشة صاحبها، بل أن المراد براضية صاحبها، وبينهما فرق، وأما قوله: إنه يلزم أن يكون المراد (بماء دافق) فاعل الدفق فلا يلزم، بل يحتمل ما سبق، وأما قوله: إنه يلزم عدم صحة الإضافة فى نحو: (نهاره صائم) إذ يصير من باب
(1) سورة القارعة: 7.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إضافة الشئ إلى نفسه فممنوع، ولا نسلم أنه يلزم التجوز فى نهاره، بل فى صائم، على ما سبق. وأما إلزامه بنحو:(يا هامان ابن لى صرحا) بأن لا يكون الأمر بالبناء لهامان، مع أن النداء له، فجوابه أن يلتزم أن المأمور بالبناء البانى بنفسه بعد اعتقاد دخول هامان نفسه فى زمرة من يبنى بنفسه مجازا، مدلولا على خطابه بيا هامان، وعلى أن المراد البناء بقوله:(ابن). وأما اعتراضه بلزوم توقف (أنبت الربيع البقل) على النقل الشرعى فهو أحسن الأسولة (1)، وأجاب عنه الجزرى بأن السكاكى لم يرد أن الربيع أطلق على الله تعالى، إنما أراد أن الإسناد إلى هذه الأشياء جعل كناية عن الإسناد إلى الفاعل، وأسند إلى الربيع ليعلم أن المقصود منه الإسناد إلى الله سبحانه وتعالى كما يعلم من قولك:(زيد كثير الرماد) أن المقصود الكرم، وهذا الكلام يمكن سلوكه فى كل ما سبق، إلا أنه لا يصح الجواب به عن السكاكى، فإن جعله كناية يخرجه عن أن يكون استعارة بالكناية، لكن الجواب أن يقال: أسند إلى الربيع على أنه فاعل حقيقى لا بمعنى المؤثر بل بمعنى أنه حقيقة فى الفعل الصورى، كقولك: قام زيد فكما أن معنى كونه حقيقة أن العرب وضعت اللفظ له، وإن كان الفاعل الحقيقى هو الله تعالى فكذلك لا يمتنع أن تضع العرب (أنبت الربيع) لوجود صورة الإنبات فيه وعن السكاكى جواب آخر تحقيقى يضيق المجال عنه وأما قول الخطيبى: إن السكاكى لا يرى أن أسماء الله تعالى توقيفية وأخذه ذلك من كلامه على نحو: أنبت الربيع البقل على ما يقتضيه لفظه - فضعيف؛ لأن مثل ذلك كلام مستطرد لا يؤخذ منه قاعدة كلية تقضى بأن مذهبه أن أسماء الله تعالى اصطلاحية إلا أن يكون أراد أن السكاكى يرى أن الأسماء اصطلاحية لكونه معتزليا والظاهر أن المعتزلة يرون ذلك ولو ذهب إليه فهو مذهب فاسد مردود وأما قوله: إن ذكر طرفى التشبيه يمنع من حمل الكلام على الاستعارة فليس كذلك لأن المراد ذكر الطرفين على جهة التشبيه وأجيب عنه بأن المشبه به فى هذا المثال شخص ما إنسانى موصوف بالصوم وهو أعم من المذكور فيكون غيره فلا يكون الكلام مشتملا على طرفى
(1) لغة فى" الأسئلة" انظر اللسان (س ول).